تايوان في قلب الحسابات... هل تستنزف حرب إيران قدرة الولايات المتحدة على ردع الصين؟
تراقب الصين أداء الولايات المتحدة العسكري والسياسي عن كثب في ايران، بحثاً عن دروس قد تفيدها في أي مواجهة مستقبلية حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي. وبينما ترى بكين فرصة استراتيجية في انشغال واشنطن، يطرح الخبراء تساؤلات عن مدى تأثير الحرب على قدرة أميركا على ردع بكين في آسيا.
الصين... تراقب
مع دخول الحرب في إيران شهرها الثالث، تراقب الصين عن كثب أداء القدرات العسكرية الأميركية، محاولةً استخلاص دروس لأي مواجهة مستقبلية محتملة مع واشنطن، خصوصاً بشأن تايوان.
ويثير طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتمال مناقشة مبيعات الأسلحة لتايوان مع الرئيس الصيني شي جينبينغ قلقاً متزايداً في تايبيه وبين حلفاء واشنطن الآسيويين، إذ يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها خروج عن نهج أميركي استمر لعقود بعدم منح بكين دوراً في قرارات التسليح الخاصة بالجزيرة. ويرى مراقبون أن مجرد فتح هذا الملف خلال القمة الأميركية - الصينية يمنح بكين ورقة ضغط سياسية.
ويحذّر خبراء أميركيون من أن أي تراجع أو تأجيل في صفقات السلاح لتايوان قد يبعث برسالة ضعف إلى الصين ويقوّض ثقة الحلفاء الآسيويين بالتزامات واشنطن الأمنية. وفي المقابل، تعتبر بكين أن تقليص الدعم العسكري الأميركي لتايوان قد يخفف التوتر في مضيق تايوان ويمنحها هامشاً أوسع لترتيب ميزان القوى في المنطقة، في وقت يراقب فيه الجيش الصيني عن كثب انشغال الولايات المتحدة بحرب إيران وتداعياتها على أولويات الردع الأميركي في آسيا.
ويقول المتحدث السابق باسم الخارجية الأميركية بي جي كراولي لـ"النهار" إن "الصين تفضّل الاستقرار والوضوح في المشهد الدولي، ولم تتأثر حتى الآن بشكل مباشر بالحرب في إيران، لكنها تراقب تداعياتها بعناية".
ويرجّح أن يشجّع الرئيس الصيني نظيره الأميركي على الدفع نحو وقف دائم لإطلاق النار سريعاً. ويضيف أن بكين "قد ترى في طريقة انتهاء الحرب فرصة استراتيجية، خصوصاً إذا قبلت واشنطن بتسوية لا تحقق أهدافها المعلنة بشأن البرنامج النووي الإيراني أو أمن مضيق هرمز، إذ قد تستخلص الصين من ذلك دروساً قابلة للتطبيق في أي مواجهة مستقبلية حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي".

ماذا كشفت الحرب؟
ويرى خبراء أن الحرب كشفت أهمية الدفاعات الجوية والحروب غير المتكافئة، بعدما تمكنت إيران من اختراق أنظمة دفاع أميركية متطورة باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ منخفضة الكلفة نسبياً.
الجيش الصيني، الذي طوّر سريعاً قدراته الهجومية عبر الصواريخ فرط الصوتية والمقاتلات الشبحية، بات يدرك أن التفوق الهجومي وحده لا يكفي، وأن حماية القواعد والموانئ والبنية العسكرية ستكون حاسمة في أي صراع مستقبلي. كما تابعت بكين استخدام الولايات المتحدة مزيجاً من الأسلحة المتطورة والرخيصة في حملتها الجوية ضد إيران، وهو نموذج تعتبره الصين مهماً لتطوير استراتيجياتها.
للصين قدرات... ولكن؟
في المقابل، تنظر تايوان بقلق إلى هذا المشهد، إذ يرى محللون أن الصين قادرة على الجمع بين التكنولوجيا العسكرية المتقدمة وحرب الطائرات المسيّرة واسعة النطاق. وتعد الصين أكبر مصنع للطائرات المسيّرة في العالم، مع قدرة محتملة على إنتاج أعداد هائلة منها سنوياً، ما يثير مخاوف في تايوان من عدم جهوزية دفاعاتها الحالية للتعامل مع هجمات مكثفة من هذا النوع.
الولايات المتحدة بدورها تعيد تقييم استراتيجيتها في المحيط الهادئ، وسط إدراك متزايد بأن أي حرب حول تايوان قد تضعها في موقع المدافع. ويعتبر القادة الأميركيون أن الطائرات المسيّرة قد تجعل أي عملية غزو صينية مكلفة للغاية، عبر استهداف السفن والقوات أثناء عبورها مضيق تايوان.
لكن أبرز دروس الحرب الإيرانية، بحسب محللين، أن النجاح العسكري لا يضمن تحقيق أهداف سياسية. فرغم الضربات الأميركية والإسرائيلية، لم ينهر النظام الإيراني واستمر في العمل ولم يتحقق حسم سياسي واضح. وأظهرت الحرب كيف يمكن لصراع إقليمي أن يهدد التجارة العالمية وسلاسل الطاقة بسرعة، وهو ما يشكل تحذيراً للصين من تداعيات أي تحرك ضد تايوان.
ويبقى عامل الخبرة القتالية نقطة ضعف رئيسية لدى الصين، إذ لم يخض جيشها حرباً واسعة منذ 1979، بينما تمتلك الولايات المتحدة خبرة تراكمية كبيرة من الحروب. ويرى خبراء أن القدرة على التكيف تحت النار والخبرة البشرية قد تكون أحياناً أهم من امتلاك أحدث الأسلحة.
لطالما كانت تايوان بؤرة توتر بين الصين والولايات المتحدة. وكان الحزب الشيوعي الحاكم في الصين قد تعهد بـ"إعادة التوحيد" مع الجزيرة الديموقراطية المتمتعة بالحكم الذاتي، على الرغم من أنه لم يسيطر أبداً على تايوان. ولم يستبعد الرئيس الصيني استخدام القوة العسكرية لتحقيق ذلك.