تاتوم أونيل .. "أوسكار مبكر" يحوّل طفولة بريئة إلى أسطورة فنية
ماذا يحدث لطفلة حين تكتشف هوليوود فيها، قبل أن تكتشف هي نفسها، ذلك الوجه الذي يصلح لأن يكون مرآة لعالم كامل؟ وماذا يعني أن تصبح البراءة، في العاشرة، سلعة سينمائية، وأن تتحول نظرة طفلة إلى حدث تتوقف أمامه صناعة بأكملها؟ ثمة مواهب تولد ببطء، وتنضج مع الزمن، وتتعلم كيف تصنع صورتها أمام الكاميرا، وثمة مواهب أخرى تهبط على الشاشة كما لو أنها جاءت من مكان غامض لا نعرفه، حاملة في عينيها عمرًا آخر، وتجربة أخرى، وأسئلة أكبر من جسدها الصغير. هكذا جاءت الطفلة تاتوم أونيل إلى السينما، لا كطفلة تبحث عن التصفيق، وإنما ككائن سينمائي بدا منذ اللحظة الأولى وكأنه يعرف شيئًا عن قسوة العالم لم يكن ينبغي لطفلة أن تعرفه.
وفي فيلم “قمر ورقي”، لم تكن تاتوم تؤدي طفولة بريئة بقدر ما كانت تكشف هشاشة عالم الكبار. كانت تنظر، تساوم، تشك، تسخر، وتفاوض الحياة كما لو أن البراءة نفسها أصبحت عبئًا لا يمكن الاتكاء عليه. فهل كان الأوسكار الذي وصل إليها وهي في العاشرة تتويجًا لطفلة موهوبة أم اعترافًا بلحظة نادرة انكسر فيها الحاجز بين الممثل والشخصية؟ وهل تستطيع الشهرة أن تحمي الموهبة التي صنعتها أم إنها قد تتحول إلى قفص ذهبي يطالب صاحبه بأن يظل إلى الأبد ذلك الطفل الذي أحبه الجمهور؟
تاتوم أونيل ليست حكاية أوسكار مبكر وحسب؛ إنها حكاية طفولة وضعت في مدفع الشهرة، ثم اضطرت إلى البحث، سنوات طويلة، عن ذاتها خلف الصورة التي صنعتها السينما لها.
ملامح من البراءة ومن الغموض
ثمة أطفال يدخلون السينما من باب الشهرة، وأطفال يدخلونها من باب المصادفة، ثم هناك تاتوم أونيل، التي دخلت الشاشة وهي تحمل في ملامحها شيئًا من براءة الطفولة وشيئًا آخر أكثر غموضًا: قدرة نادرة على النظر إلى العالم كما لو أنها أكبر من عمرها بكثير. ولدت تاتوم في لوس أنجلوس سنة 1963، وبدأت تجربتها السينمائية مبكرًا جدًا، قبل أن يجعل منها فيلم “Paper Moon” (قمر ورقي) (1973) ظاهرة استثنائية في تاريخ التمثيل الأمريكي. وكان الفيلم من إخراج بيتر بوغدانوفيتش، وشاركت فيه إلى جانب والدها رايان أونيل، وهو اختيار أضفى على العلاقة بين الشخصيتين طبقة إضافية من الالتباس بين الحياة والأداء.
لكن أهمية تاتوم لا تكمن في كونها طفلة استطاعت الوقوف أمام الكاميرا، وإنما في أنها امتلكت منذ ظهورها الأول قدرة على مقاومة الصورة التقليدية للطفل السينمائي. ولم تقدم طفلة تبحث عن تعاطف المشاهد، وإنما شخصية حادة، ساخرة، مشاكسة، تعرف ماذا تريد وتعرف كيف تفاوض العالم القاسي الذي وجدت نفسها داخله.
وبعد فيلم “القمر الورقي”، جاءت تجارب مثل “The Bad News Bears” (الدببة أصحاب الأخبار السيئة) (1976)، ثم “International Velvet” (إنترناشونال فيلفيت) (1978)، و”Little Darlings” (الصغيرات المدللات) (1980)، قبل أن تدخل مسيرتها مرحلة أكثر اضطرابًا، حيث تراجعت خلالها قوة حضورها السينمائي مقارنة بالوهج المبكر. وتشير سجلات أعمالها إلى امتداد مسيرتها لاحقًا عبر أفلام ومسلسلات متعددة، من بينها “Certain Fury” (غضب معين) (1985)، وصولًا إلى أعمال أحدث مثل “The Runaways” (الهاربات) (2010)، و”Not to Forget” (لا تنسَ) (2021).
غير أن تاريخ تاتوم سيظل مرتبطًا بتلك اللحظة التي وقفت فيها، وهي في العاشرة، أمام هوليوود كلها، وحولت طفولة Addie Loggins إلى شخصية لا تزال حاضرة في ذاكرة السينما.
أصغر ممثلة تفوز بجائزة أوسكار
في فيلم “قمر ورقي” (1973)، لا تمنح تاتوم أونيل الشخصية التي تؤديها مجرد ملامح طفلة ذكية؛ إنها تمنحها وعيًا مبكرًا بعالم تحكمه الصفقة والمساومة والخداع. Addie Loggins طفلة تعيش في أمريكا زمن الكساد الكبير، وفي عمق الأزمة الاقتصادية لسنة 1929، تجد نفسها في رحلة غريبة مع رجل يدعي أنه والدها، Moses Pray، الذي يؤدي دوره رايان أونيل. ومن هذه العلاقة الملتبسة يصنع المخرج بيتر بوغدانوفيتش واحدة من أكثر ثنائيات السينما الأمريكية إثارة للدهشة.
تكمن قيمة الدور الذي حصلت عنه تاتوم على الأوسكار هنا تحديدًا: الشخصية لا تتحرك داخل الفيلم بوصفها طفلة تحتاج إلى الحماية، وإنما بوصفها قوة درامية تقلب علاقة القوة مع الكبار. إنها تراقب، تشك، تساوم، تكذب أحيانًا، وتكتشف أن البقاء في عالم فقير وقاس يحتاج إلى نوع من الذكاء العملي. ولذلك، يبدو أداؤها في كثير من اللحظات أكبر من مساحة “الدور المساعد” التي وضعتها فيها الأكاديمية.
وفازت تاتوم بأوسكار أفضل ممثلة في دور مساعد عن الفيلم وهي في العاشرة، لتصبح أصغر فائز بجائزة أوسكار تنافسية في التاريخ. والمفارقة النقدية أن بوغدانوفيتش نفسه رأى لاحقًا أن تصنيفها كممثلة مساعدة لم يكن دقيقًا، لأن الشخصية تكاد تكون مركز الفيلم الدرامي.
إن Addie ليست طفلة بريئة بالمعنى الكلاسيكي؛ إنها طفلة تعلمت أن البراءة لا تكفي للبقاء. وهنا تكمن عبقرية الأداء. فالحركة الصغيرة، النظرة الساخرة، الصمت، وطريقة النطق الجافة، كلها تتحول إلى أدوات لبناء شخصية تتجاوز عمرها البيولوجي.
وحتى الصورة بالأبيض والأسود تؤدي دورًا في تكثيف هذا الإحساس. فالعالم الذي نراه ليس عالمًا طفوليًا مضاءً بالألوان، وإنما فضاء اقتصادي واجتماعي قاسٍ، تتحرك داخله طفلة تتعلم بسرعة أن الكبار أنفسهم أطفال حين يتعلق الأمر بالمال والرغبة والخوف.
ولهذا، لا يبدو أوسكار تاتوم مكافأة لعمر صغير؛ يبدو اعترافًا بأن التمثيل قد يحدث أحيانًا حين تتوقف الممثلة عن محاولة “تمثيل” الشخصية وتصبح هي الشخصية.
كل شيء فيه قابل للبيع
يبدو فيلم “قمر ورقي” في ظاهره فيلم طريف عن محتال صغير وطفلة ترافقه، لكنه في العمق فيلم عن اقتصاد العاطفة. كل شيء فيه قابل للبيع: الكتاب المقدس، صورة الراحل، الوعد، الثقة، وحتى الأبوة نفسها. ومن هنا يكتسب وجود Addie معنى يتجاوز الحكاية؛ فهي المرآة التي تكشف هشاشة عالم الكبار.
واستند الفيلم إلى رواية Joe David Brown المنشورة سنة 1971، واختار المخرج بيتر بوغدانوفيتش أن يعيد بناء أمريكا القديمة بصريًا من خلال الأبيض والأسود، بما يمنح الفيلم ملمسًا يستدعي صور السينما الأمريكية الكلاسيكية. وتفيد مصادر الفيلم بأن التصوير استفاد من نصيحة المخرج أورسون ويلز المتعلقة باستخدام مرشح أحمر للحصول على تباين أقوى في الصورة.
ولا تأتي قوة الفيلم من النوستالجيا وحدها. إن بوغدانوفيتش يستخدم الماضي ليصنع سؤالًا عن الحاضر: ماذا يحدث للإنسان حين يصبح المجتمع نفسه سوقًا مفتوحة؟ Moses Pray رجل يعيش على الاحتيال، بينما Addie طفلة تتعلم بسرعة قواعد اللعبة. وبينهما تنشأ علاقة أبوية لا تستند إلى الدم وحده، وإنما إلى الرحلة، والمواجهة، والخلاف، والتدرج البطيء نحو الاعتراف المتبادل.
وهنا يصبح أداء تاتوم جزءًا من هندسة الفيلم، وليس مجرد عنصر فيها. إنها تمنح المشاهد إحساسًا بأن الطفلة تراقب الرجل طوال الوقت، وأن علاقتها به تتشكل من خلال اختبار مستمر: هل يمكن الوثوق به؟ هل يمكن أن يكون أبًا؟ وهل يمكن أن تتحول العلاقة التي بدأت بالمصلحة إلى عاطفة حقيقية؟
وتحمل الكوميديا في الفيلم مرارة خفية. نضحك لأن Addie ذكية وساخرة، ثم ندرك أننا نضحك على عالم أجبر طفلة على امتلاك هذا القدر من الحذر.
ولهذا يبقى “Paper Moon” أكثر من فيلم عن الكساد الكبير والأزمات الاقتصادية؛ إنه فيلم عن هشاشة العلاقات حين تصطدم بالحاجة، وعن إمكانية أن تولد المحبة من داخل الخداع. وفي مركز هذه المعادلة تقف تاتوم، لا كطفلة تبحث عن موقعها داخل الفيلم، وإنما كقلبه النابض.
ممثلة صغيرة في مدفع الشهرة
أحيانًا تكون الجائزة الكبرى بداية الحكاية، وأحيانًا تصبح ظلًا طويلًا يلاحق صاحبه. وهذا ما يجعل مسيرة تاتوم أونيل أكثر تعقيدًا من مجرد قصة طفلة عبقرية حصلت على الأوسكار في العاشرة. فبعد فيلم “قمر ورقي” كان عليها أن تعيش تحت ضغط صورة صنعتها الصناعة السينمائية نفسها: صورة الطفلة المعجزة.
وجاء فيلم “الدببة أصحاب الأخبار السيئة” (1976)، حيث واصلت حضورها كنجمة طفلة ذات شخصية قوية، ثم فيلم “إنترناشونال فيلفيت” (1978) وفيلم “الصغيرات المدللات”، لكن المسار لم يتحول إلى الصعود المتواصل الذي توقعته هوليوود.
وهنا يصبح من الضروري النظر إلى تاتوم بعيدًا عن أسطورة “الطفلة التي فازت بالأوسكار”. فالجائزة تختصر لحظة، بينما الحياة السينمائية تمتد لعقود. لقد كان عليها أن تعبر المسافة الأكثر قسوة: الانتقال من وجه طفولي استثنائي إلى ممثلة بالغة تستطيع أن تتحرر من الدور الذي صنع شهرتها.
لهذا، تكتسب تجربتها قيمة نقدية خاصة. إنها تكشف مفارقة الصناعة: هوليوود تستطيع أن ترفع طفلًا إلى قمة المجد في ليلة واحدة، لكنها لا تضمن له الطريق بعد ذلك. وقد أشارت مصادر سينمائية إلى أن مسيرتها اللاحقة عرفت اضطرابات شخصية ومهنية أثرت في استمرارية حضورها، قبل أن تعود إلى أعمال تلفزيونية وسينمائية متفرقة في العقود التالية.
ومع ذلك، لا ينبغي قراءة تاتوم باعتبارها طفلة أوسكار” وحسب. وأن القيمة الحقيقية لمسيرتها موجودة في تلك اللحظة السينمائية النادرة التي أثبتت فيها أن العمر لا يقيس عمق الموهبة. لقد كانت Addie في “Paper Moon” طفلة تعيش في عالم الكبار، وكانت تاتوم، خارج الشاشة، ممثلة صغيرة وجدت نفسها فجأة داخل عالم بالغ من الشهرة والتوقعات.
ربما لهذا بقي وجهها في الذاكرة: لأنه لم يكن وجه طفلة تؤدي دورًا، وإنما وجه شخصية اكتشفت مبكرًا أن الحياة نفسها تحتاج إلى تمثيل، وأن أفضل ممثل هو من يعرف متى يكشف الحقيقة ومتى يخفيها.
وهنا تكمن مأساة تاتوم وجمالها معًا: لقد منحها الأوسكار المجد وهي طفلة، لكن السينما تركت لنا سؤالًا أكبر من الجائزة: ماذا يحدث للموهبة حين تسبق عمرها؟
The post تاتوم أونيل .. "أوسكار مبكر" يحوّل طفولة بريئة إلى أسطورة فنية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.