بين وعود “حماية الحقوق” ومخاوف التشريد.. الجدل يشتد حول مستقبل أحياء بمقاطعة اليوسفية

في خضم تصاعد القلق وسط ساكنة الأحياء القديمة بالعاصمة الرباط، فجّر الجدل الدائر حول عمليات الإحصاء الجارية بمقاطعة اليوسفية نقاشا واسعا بشأن مستقبل هذه المناطق، بين وعود رسمية بـ “حماية الحقوق” ومخاوف شعبية من سيناريوهات الهدم والتشريد. ويأتي هذا في سياق تدخلات حضرية تروم إعادة هيكلة النسيج العمراني، لكنها تثير في المقابل تساؤلات ملحة حول الشفافية، التوقيت، وضمانات الإنصاف الاجتماعي.

تشمل عملية الإحصاء أحياء ذات كثافة سكانية وتاريخ طويل، من بينها دوار الحاجة (حي الفرح حاليا)، ودوار المعاضيد (حي الرشاد)، ودوار دوم (حي أبي رقراق)، إضافة إلى الحي الصناعي وجبل الرايسي. وهي مناطق تعيش، وفق شهادات متطابقة لعدد من السكان، حالة ترقب وقلق متزايدين، خاصة في ظل انتشار الإشاعات وغياب تواصل رسمي كافٍ يوضح طبيعة الإجراءات ومآلاتها.

 

وتزامن هذا الإحصاء مع تداول واسع على مواقع التواصل وشبكات المجتمع المدني لمخاوف السكان من أن يكون خطوة تمهيدية لهدم منازلهم وترحيلهم إلى أطراف المدينة دون بدائل مناسبة. كما ذُكر بأن أن الفرق الميدانية أقدمت على تسجيل بيانات كل منزل وعدد الأسر فيه، بل ووضع علامات على بعض المباني بعد انتهاء الحصر.

تجارب سابقة تغذي القلق

جزء من هذا القلق مرتبط بتجارب سابقة سواء في العاصمة الرباط أو مدن أخرى، حيث تم تسجيل حالات هدم، ما أدى إلى فقدان أسر لمساكنها أو مصادر رزقها دون بدائل واضحة. كما أثيرت انتقادات بخصوص “سوء اختيار التوقيت”، خاصة حين تتزامن هذه العمليات مع الموسم الدراسي، ما يزيد من هشاشة الفئات المتضررة.

من جانبهم، ناشد سكان وأطر جمعوية بتوضيح أهداف هذه العملية، حيث تواتر تحذير السكان من أن يفتقدوا إلى الشفافية والتواصل بشأن الخطوات القادمة. وأشار أحد النشطاء المدنيين في اليوسفية إلى أن فرقاً ميدانية مجهولة جمّعت معطيات شخصية وسجلت أحياناً صوراً للسكان دون توضيح هوية الجهات القائمة على الإحصاء أو الإطار القانوني له.

ورغم اكتمال الإحصاء العام للسكان والسكنى في المغرب حديثا، لم يُصدر أي بلاغ رسمي من المندوبية السامية للتخطيط أو وزارة الإسكان حول هذه الحملة، ما ضاعف من مخاوف المواطنين.

وأعرب السكان عن تخوفهم الأكبر من إجراءات إدارية قسرية لاحقة، خصوصاً ترحيلهم قسراً إلى مناطق بعيدة. فالعديد من العائلات وُلدت ونشأت في أحياء اليوسفية منذ أجيال، ويعيش بعضها في بنى سكنية مكتظة تحوي أسرًا متعددة في مساحات ضيقة. وعلّق بعضهم بأن غياب تفسير رسمي فجّر حالة قلق ورعب داخل الحي، حيث تكاثرت إشاعات غير مؤكدة عن “هدم بعض البنايات أو ترحيل الأسر إلى مناطق بعيدة”.

ولفتت تقارير إعلامية إلى أن هذه الأحياء تضم تجمعات سكنية كثيفة وأسرًا تعتمد في كثير من الأحيان على أعمال تجارية عائلية أو حرفية صغيرة، ولذلك فإن أي هدم شامل فيها قد يؤدي إلى انقطاع أرزاق آلاف السكان وزعزعة الاستقرار الاجتماعي. كما عبر السكان عن استيائهم من غياب دور الممثلين المنتخبين، متسائلين لماذا لم يرفع أي منهم أسئلة ومطالب إلى وزارتي الداخلية والإسكان لمعالجة التخوفات القائمة.

تطمينات رسمية تنفي الهدم

في هذا السياق، طالب نواب برلمانيون خلال الجلسة العمومية، يوم الاثنين 13 أبريل الحالي، من الحكومة تقديم توضيحات، وقد استجاب كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، مؤكدا أن الإحصاء الجاري “لا يعني بالضرورة الشروع في عمليات هدم”، موضحاً أنه “لا يندرج في إطار قرارات فجائية أو معزولة، بل يأتي ضمن مسار قانوني ومؤسساتي واضح” مرتبط بإعداد الدراسات التقنية لنظام التهيئة المصادق عليه.

وأضاف أن الهدف هو “جمع المعطيات الدقيقة التي ستمكن من إعداد برامج منصفة”، معتبراً أن القلق الشعبي “مشروع ومفهوم”. كما أوضح أن توقيف منح رخص البناء بشكل مؤقت “يدخل في إطار الحفاظ على سلامة المواطنين وضمان شروط العيش الكريم”، مشدداً على أن القرارات المرتبطة بالمباني المتهالكة “تُتخذ عبر لجان إقليمية مختصة” وليس بشكل مركزي، مع تدخل وكالات التجديد الحضري عند عجز الملاك عن القيام بأعمال الصيانة.

كما جدد نفس المسؤول الحكومي، في تصريحاته للصحافة ”، التأكيد على أن “لا توجد عملية هدم في الوقت الحالي”، موضحا أن نتائج الإحصاء ستُتبع بدراسة تفصيلية للحاجيات العمرانية قبل عرضها على المجلس الجماعي، مع التأكيد على “احترام حقوق المواطنين” خلال أي عملية إعادة هيكلة محتملة.

بين إعادة الهيكلة والعدالة الاجتماعية

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المخاوف ليست جديدة، فقد كشفت تقارير إعلامية في يناير 2024، عن خطط هيكلة لخمسة أحياء شعبية من اليوسفية على مرحلتين، مع تحذيرات من الهشاشة الإنشائية لهذه المناطق وشائعات عن نية هدمها قسريا وترحيل السكان إلى مناطق مثل الرماني. حينها قوبلت الشائعات باحتجاجات السكان، الذين تمكّنوا من إجبار السلطات على التعهد بإعادة إسكانهم تدريجيا في بنايات عمودية حديثة فوق أراضيهم القديمة بدلا من نقلهم خارج العاصمة.

ويرى مراقبون أن أي هدم منظم أو إعادة هيكلة واسعة لليوسفية ينبغي أن تراعي بدائل اجتماعية تُجنّب تفكك النسيج العائلي والاقتصادي الهشّ. فالكثير من الساكنة تعتمد على أعمال تجارية صغيرة في الحي نفسه لتأمين لقمة عيشها، كما أن شبكات الدعم المجتمعي (كالزملاء والجيران) تلعب دورا أساسيا في حياة الأسر هناك.

ولذلك، فإن نقل السكان دون تخطيط محكم من المرجح أن يؤدي إلى قطع أرزاق وعزلة اجتماعية، فضلا عن العبء الاقتصادي المضاف على الأسر (مثل تكاليف التنقل وتعليم الأطفال في محيط جديد). كما أن إبقاء هذه الإجراءات في ظل غياب الشفافية قد ينعكس سلبا على ثقة المواطنين في المؤسسات.

اقرأ المقال كاملاً على لكم