بين واشنطن (وإسرائيل) وبين طهران... يتعقد وضع لبنان

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}


لبنان بلد يبدو غير قابل لأن يُحكم، لعله البلد الأكثر تعقيداً في العالم. وإذا كانت تركيبته الطائفية والمذهبية شكلت دائماً الأرضية التي انطلقت منها اختلافات الهوية والانتماء، فإن أزمات المنطقة وحروبها عمقت هذه الإختلافات وحولت البلد الجميل إلى ساحة للحروب والصراعات العقائدية والسياسية والاقتصادية أيضاً.


تقديم لا بد منه للدخول إلى الأزمة الحالية التي يواجهها البلد على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية. بلد يعيش على حافة الانفجار (أو التفجير) حتى ولو كان كل شيء يبدو ممسوكاً بقوةٍ "خفية" تدير الأمور بحرفية عالية. 


البلد المتتالي الحروب الداخليةومع إسرائيل يواجه اليوم مرحلة مفصلية لا تزال غامضة المآلات، إنها تشبه، بانسداد أفقها، مرحلة الحرب الأهلية التي دامت خمسة عشر عاماً لم يستطع خلالها زعماء الأحزاب والطوائف الاتفاق على حدٍّ أدنى يوقف آلة القتل والتدمير، لا بمجهوداتهم الذاتية ولا بكل الوساطات والتدخلات العربية والدولية، حتى كان مؤتمر الطائف في المملكة العربية السعودية وبرعايتها وبتوافق عربي ودولي عام 1989 الذي فرض تسوية للصراع العسكري المتداخل فيه المحلي بالإقليمي، لكنه لم يفرض تسوية سياسية مقنعة لجميع الأطراف وسقط في امتحان التطبيق الكامل. وستبقى العصبيات الطائفية والمذهبية تمنع تطبيقه لأنه بكل بساطة يشطب كثيراً من السيطرة الطائفية على إدارة البلد ويقلص دورالطوائف والأحزاب الطائفية.

 

هيمنة محور المقاومة
لم ينته نفوذ سوريا في لبنان بانسحاب جيشها منه بعد اغتيال رفيق الحريري في شباط/ فبراير 2005، جاءت حرب تموز/ يوليو 2006 التي أعلن "حزب الله" انتصاره فيها لتكرس هيمنة "محور المقاومة" الممتد من الناقورة إلى طهران على البلد، رغم صعود متقطع للقوى المعارضة لهذا المحور إلى سدة الحكم. كانت الأرض ممسوكة إلى حدِّ كبير بأدوات الحزب وحلفائه وكذلك المرافق الأساسية في البلد، الإدارة والمرفأ والمطار والاستخبارات والأمن العام والحدود... شكل سلاح "حزب الله" نقطة الخلاف الرئيسية في البلد الذي انقسم إلى فريقين سياسيين/طائفيين: "حزب الله" (ومعه حركة "أمل"وحلفاء حزبيون وسياسيون أقل شأناً ومن طوائف عديدة). والأحزاب المسيحية التقليدية (كتائب، "قوات لبنانية"، أحرار وكتلة وطنية) وأكثرية سنية شعبية غير منظمة حزبياً عموماً بعد انكفاء سعد الحريري و"تيار المستقبل" عن العمل السياسي ودروز ومعارضون شيعة متفرقون. 


جاءت حربا الإسناد لغزة وإيراناللتان فتحهما "حزب الله" لتزيدا الأزمة الداخلية تعقيداً على تعقيد، وفيما كان بعض الأطراف السياسيين يراهن على القضاء على قوة الحزب العسكرية قضاء تاماً بعد توجيه ضربة قاضية إلى راعيته إيران، جاءت الوقائع لتدحض هذه الفرضية، فلا إيران هزمت ولا الحزب ألقى سلاحه رغم الاجتياح الإسرائيلي لعشرات المدن والقرى الجنوبية وتدميرها تدميراً كاملاً.

 

تعقيدات متناسلة


لبنان الآن أمام مشهد معقد جداً: سلطة رسمية تنفيذية ممثلة برئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام تملك اتفاقاً إطارياً مع إسرائيل برعاية أميركية، لا ينص على آلية صريحة لانسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان في مقابل تنازلات لبنانية واسعة، وتعتبر أن هذا أفضل الممكن الذي أمكن تحصيله في المفاوضات في ظل الاحتلال الاسرائيلي لجزء واسع من الجنوب، وتراهن على نزع سلاح الحزب لتحقيق خطوات إضافية تشمل الانسحاب الاسرائيلي  من كل الاراضي اللبنانية المحتلة. وفي المقابل الثنائي الشيعي ومن معه الذين يرفضون رفضاً قاطعاً ما يعتبرونه "اتفاق ذل" بعدما رفضوا المفاوضات المباشرة من أساسها، ويتحدون الدولة في تطبيق بند نزع السلاح الذي التزمته في الاتفاق الإطاري. المعضلة الحقيقية أن الطرفين في مأزق، فلا الدولة قادرة بقواها الذاتية على نزع سلاح الحزب بالقوة ولا الحزب قادر بمفرده على إدارة ملف الاحتلال والنزوح والوضع الاجتماعي والاقتصادي لبيئته الحاضنة، من دون مساعدات دولية وعربية لن تأتي إلا على قاعدة اتفاق أمني بين لبنان وإسرائيل من أولى شروطه نزع سلاح الحزب، وسلاح الحزب ليس قراراً لبنانيا بحتاً بل أن مرجعيته الأولى في طهران، وطهران لم تقفل كل ملفاتها مع أميركا بعد فيما تتعنت إسرائيل في مسألة الانسحاب محاولة تحقيق مكسب على الساحة اللبنانية بتواطؤ مع أميركا، التي باعت لبنان لإيران في محادثاتهما في سويسرا، ولإسرائيل في مفاوضات واشنطن الثلاثية مضيفةً معضلة جديدة إلى معضلات البلد السياسية المعقدة، تضع فريقي النزاع السياسي فيه أمام خيارين يستحيل التوفيق بينهما، إذ لا توحي المواقف السياسية المنقسمة داخلياً إمكان التوافق على حلولٍ وسط. فالفريق "السيادي" يريد إنهاء الدور المهيمن لـ"حزب الله" بأي شكل وسحب الورقة اللبنانية من يد طهران نهائياً، وفريق الحزب متمسك بسلاحه معتبراً انه وجودي بالنسبة إليه، وعليه ستستمر الأزمة السياسية اللبنانية إلى ما شاء الله. 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية