بين نترات المرفأ ومواد الجنوب الخطرة... المواطن يدفع الثمن"
محمد عبدالله - كاتب وباحث سياسي
تمر الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، لكن الزمن لم ينجح في إخماد وجع اللبنانيين، ولا في دفن الأسئلة التي ما زالت تبحث عن إجابات. ففي الرابع من آب/أغسطس 2020، لم ينفجر مرفأ فحسب، بل انفجرت معه ثقة اللبنانيين بدولتهم، واهتزت صورة المؤسسات التي كان يفترض أن تحمي حياة المواطنين، لا أن تتحول إلى عنوان للإهمال والتقصير. لقد شكّل ذلك اليوم واحدة من أكبر الكوارث غير النووية في التاريخ الحديث، بعدما خلّف مئات الشهداء وآلاف الجرحى ودماراً واسعاً طال العاصمة بيروت، وترك آثاراً نفسية واقتصادية واجتماعية ما زالت ماثلة حتى اليوم.
ست سنوات مضت، وما زالت العدالة غائبة، والتحقيقات تتعثر بين التجاذبات السياسية والدعاوى القضائية والضغوط التي حالت دون الوصول إلى حقيقة كاملة ومحاسبة شفافة. وبينما تنتظر عائلات الضحايا كلمة الفصل، تبدو المسؤوليات وكأنها تتوزع على الجميع، فيما لا يتحملها أحد. وهذا الواقع لا ينعكس على قضية المرفأ وحدها، بل يضرب ثقة اللبنانيين بالقضاء ومؤسسات الدولة، ويعزز شعوراً عاماً بأن الإفلات من العقاب بات قاعدة لا استثناء.
إن كارثة المرفأ لم تكن حادثاً عابراً، بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال الإداري، والتقصير الأمني، وغياب المساءلة. فالتحذيرات المتكررة بشأن وجود مواد شديدة الخطورة لم تُترجم إلى إجراءات حاسمة، ما أدى إلى وقوع الكارثة. وعندما تغيب المحاسبة، يتحول الخطأ إلى نهج، وتصبح الكوارث احتمالاً دائماً، لا حدثاً استثنائياً.
اليوم، لا تكفي مراسم إحياء الذكرى، ولا كلمات التضامن، ولا أكاليل الزهور. المطلوب قبل أي شيء هو إحقاق العدالة، لأن العدالة وحدها تعيد بعضاً من كرامة الضحايا، وتمنح عائلاتهم حقها في معرفة الحقيقة، وتؤسس لدولة تحترم القانون، وتمنع تكرار المأساة. فالدول لا تُقاس بقدرتها على تجاوز الكوارث فحسب، بل بقدرتها على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها، مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.
كما أن إعادة إعمار الحجر لا تكتمل من دون إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. فالشعوب لا تنهض بالشعارات، بل بالمؤسسات القادرة على حماية الناس، ومحاسبة المقصرين، وتطبيق القانون بعدالة ومساواة. وهذه الثقة لا تُستعاد إلا عندما يشعر المواطن بأن حياته وأمنه ليسا رهينة الحسابات السياسية أو توازنات القوى.
وفي هذا السياق، فإن ما أُثير خلال الأشهر الأخيرة بشأن العثور على مواد متفجرة أو مواد يُشتبه بأنها خطرة في بعض مناطق جنوب لبنان، يعيد إلى الأذهان الدرس القاسي الذي خلفه انفجار المرفأ. فسواء ثبتت طبيعة هذه المواد أو اختلفت التوصيفات بشأنها، فإن المبدأ يبقى واحداً: لا يجوز أن تبقى أي مواد خطرة خارج إطار الرقابة القانونية للدولة، لأن أي إهمال في التعامل معها قد يهدد سلامة المدنيين ويعرّض البلاد لمخاطر جسيمة.
ويبرز هنا الدور الذي تؤديه قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ضمن ولايتها وبالتنسيق مع الجيش اللبناني، في الإبلاغ عن المواقع أو المواد التي يُشتبه بأنها تشكل خطراً على السلامة العامة، وذلك في إطار المهام الموكلة إليها بموجب القرارات الدولية. إلا أن مسؤولية التحقق من طبيعة تلك المواد، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بشأنها، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها، تبقى مسؤولية الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية والقضائية المختصة، استناداً إلى الأدلة والتحقيقات، بعيداً عن التسييس أو إطلاق الأحكام المسبقة.
لقد أثبت الرابع من آب أن الإهمال في التعامل مع المواد الخطرة، أياً كان مصدرها أو الجهة التي تمتلكها، قد يقود إلى كارثة وطنية لا تميز بين منطقة وأخرى أو بين طائفة وأخرى. ومن هنا، فإن حماية لبنان تبدأ بفرض سيادة القانون على الجميع، وتعزيز سلطة الدولة وحدها في إدارة الملف الأمني، وتمكين مؤسساتها الشرعية من بسط رقابتها على كامل الأراضي اللبنانية، بما يحفظ أمن المواطنين ويصون الاستقرار الوطني.
إن الذكرى السادسة لانفجار المرفأ يجب ألا تكون مناسبة للبكاء على الماضي فقط، بل محطة وطنية لاستخلاص العبر. فالدول التي تتعلم من مآسيها هي وحدها القادرة على منع تكرارها، أما تجاهل الأخطاء وتأجيل المحاسبة فلن يؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة بثمن أفدح.
ويبقى الأمل بأن تتحول هذه الذكرى إلى نقطة انطلاق نحو ترسيخ ثقافة المساءلة، وتعزيز استقلالية القضاء، وتحصين مؤسسات الدولة، بما يضمن حماية اللبنانيين وصون حقهم في الأمن والعدالة. فلبنان الذي دفع هذا الثمن الباهظ يستحق دولة قوية، قادرة وعادلة، لا تسمح بتكرار المأساة، ولا تترك الحقيقة رهينة التجاذبات.
في الذكرى السادسة، يبقى انفجار مرفأ بيروت جرحاً مفتوحاً في ذاكرة الوطن. وسيظل كذلك إلى أن تتحول الحقيقة إلى حكم قضائي، والمسؤولية إلى محاسبة فعلية، والعدالة إلى واقع ملموس، لا إلى وعد مؤجل.
وفي ظل التطورات الأمنية التي شهدها الجنوب اللبناني خلال المرحلة الأخيرة، تعود مسألة تطبيق القرار 1701 إلى الواجهة باعتبارها إطاراً دولياً يهدف إلى تثبيت الاستقرار وتعزيز دور الدولة اللبنانية في الجنوب. فالمطلوب اليوم ليس فقط منع اندلاع مواجهات جديدة، بل معالجة جذور الإشكال المرتبط بوجود أسلحة ومواد عسكرية خارج منظومة الدولة، بما يضمن حماية المدنيين ويعزز قدرة المؤسسات الرسمية على القيام بدورها.
إن تجربة انفجار مرفأ بيروت، وما كشفته من خطورة غياب الرقابة على المواد الحساسة، يجب أن تكون درساً وطنياً في التعامل مع كل الملفات الأمنية. فالدولة القوية لا تُبنى بردود الفعل، بل بقدرتها على امتلاك القرار الأمني، وفرض القوانين، والتعاون مع المجتمع الدولي بما يحفظ السيادة اللبنانية ويمنع استخدام الأراضي اللبنانية ساحة لصراعات الآخرين.
ومن هنا، فإن تعزيز دور الجيش اللبناني، وتفعيل المؤسسات الرقابية والقضائية، وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، يشكل مساراً ضرورياً لحماية لبنان. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق فقط عبر التفاهمات السياسية، بل عبر وجود دولة قادرة على إدارة المخاطر، ومساءلة أي جهة تخالف القانون، وحماية جميع المواطنين دون استثناء.
رحم الله شهداء الرابع من آب، ومنح الجرحى الشفاء، وألهم عائلات الضحايا الصبر والقوة. وليكن هذا التاريخ محطة وطنية تؤكد أن مستقبل لبنان لا يُبنى إلا بالحقيقة، والعدالة، وسيادة القانون، وحصر القرار الأمني بيد الدولة، وصون حياة المواطنين فوق أي اعتبار.