بين منطق الدولة وظلال اللادولة: لبنان على عتبة استعادة السيادة
بقلم المحامية ميرنا الحلبي
ليست كل القوى تخاف من ضجيج الحروب، فبعضها يرتجف عند اقتراب لحظة السلام. فالهدوء لا يسحب منها أدواتها فحسب، بل يعرّي الأساسات الخفية التي بُني عليها نفوذها عبر سنوات من الفوضى. وحين تنشأ داخل الدول منظومات موازية تمتلك اقتصادها الخاص، وتمويلاً متشعباً، وقنوات خارج الرقابة، يتحوّل الاضطراب من حالة استثنائية إلى شرط بقاء. عندها لا يعود الصراع عبئاً، بل يصبح البيئة التي تتغذى منها هذه القوى وتعيد إنتاج نفسها من خلالها.
وفي قلب هذا المشهد، يقف لبنان اليوم عند مفترق حاسم. هو ليس مجرد مثال، بل ساحة حيّة لصراع طويل بين منطق الدولة ومنطق “اللادولة”. على مدى سنوات، تداخلت شبكات النفوذ مع السياسة والاقتصاد، مستفيدة من هشاشة المؤسسات، ومن واقع طغت فيه الطائفة أحياناً على الوطن، فتقدّم الانتماء الضيق على فكرة الدولة الجامعة. لكن، ورغم هذا الإرث الثقيل، يمرّ لبنان اليوم بمسار جديد، مسار يسعى إلى استعادة ذاته كدولة مستقلة ذات سيادة، لا تخضع لهيمنة او سلاح خارج القانون، ولا تقبل الابتزاز، مسار يحتاجه جميع اللبنانيين، حتى أولئك الذين يظنون أنه لا يتقاطع مع نفوذ طوائفهم أو مصالحهم الضيقة.

هذا التحوّل ليس سهلاً، لأنه يعني الانتقال من واقع مريح للبعض إلى واقع عادل للجميع. يعني إعادة تعريف العقيدة الوطنية، بحيث يصبح حب الوطن هو المرجعية الأولى، لا الانتماء الطائفي. ويعني أيضاً العودة الجدية إلى دولة المؤسسات، حيث يكون القانون هو الحكم، والمحاسبة هي القاعدة، لا الاستثناء. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بثقة الناس بها، وهذه الثقة لا تُستعاد إلا عندما يشعر المواطن أن القانون يُطبّق على الجميع، وأن لا أحد فوق المساءلة.
إن تفعيل القانون والمحاسبة في لبنان ليس مطلباً نظرياً، بل ضرورة وجودية. فهما الكفيلان بإعادة التوازن، وردع كل من لا يرتدع، ووضع حدّ لكل من اعتاد العمل خارج إطار الدولة أو تجاهلها. وبدونهما، يبقى أي حديث عن السيادة أو الإصلاح ناقصاً.
قد يطول الليل، وقد يبدو الظلم وكأنه واقع دائم، لكن كما في الطبيعة، لا شيء يبقى على حاله. فالفجر يأتي دائماً، ولو تأخر، والنور يشقّ طريقه مهما اشتدّ الظلام. كذلك هي العدالة، قد تغيب، لكنها لا تموت، وما لبنان إلا على موعد مع لحظة شروقه من جديد.