بين منطق الأكثرية وضرورة الوفاق الوطني
*إبرهيم حنا الضاهر
تقوم الديموقراطية، منذ نشأتها في المدن اليونانية القديمة، وتبلورها في الفكر الدستوري الحديث لدى مونتسكيو وسواه، على جملة مبادئ أساسية، في طليعتها فصل السلطات، والاحتكام إلى الاقتراع، والتداول السلمي للسلطة، وحكم الأكثرية مع صون حقوق الأقليات. وقد أثبتت التجربة الإنسانية، على الرغم مما يعتري هذا النظام من نواقص، أنه أقل النظم السياسية سوءاً، وفق تعبير ونستون تشرشل.
ولا تقتصر هذه المبادئ على تنظيم الحياة السياسية داخل الدول، بل يفترض أن تلهم أيضاً العلاقات بين الأمم، بحيث يحل الاحتكام إلى القانون والشرعية الدولية محل منطق القوة وهيمنة الأقوى.
غير أن الديموقراطية لا تستقيم إلا إذا ميزت بين مستويين مختلفين من الحياة الوطنية:
الأول هو مستوى المشروع الوطني، بما يتضمنه من هوية الدولة ورسالتها وخياراتها التأسيسية وانتمائها الحضاري. وهذا المستوى لا يخضع بطبيعته لمنطق الأكثرية والأقلية، لأنه يشكل القاعدة المشتركة التي يقوم عليهاالكيان السياسي نفسه.
فالمشروع الوطني ليس برنامجاً انتخابياً يتبدل بتبدل الحكومات، بل هو الإطار الجامع الذي يمنح التنافس الديموقراطي معناه وحدوده. لذلك لا يُطرح في الدول المستقرة للاستفتاء مع كل استحقاق انتخابي، إذ إن التنافس يدور حول كيفية إدارة الدولة، لا حول تعريف الدولة أو إعادة تأسيسها.
أما المستوى الثاني، فهو إدارة الشأن العام: الاقتصاد، والمال، والسياسات الاجتماعية، والإنمائية، وسائر الخيارات التنفيذية. وهنا تحديداً تتجلىالديموقراطية في أبهى صورها، حيث تتنافس البرامج، وتتبدل الأكثريات، وتتداول القوى السياسية السلطة وفقاً لإرادة الناخبين.
وتزداد هذه التفرقة أهمية في المجتمعات المركبة، التي تتعايش فيها جماعات متعددة المشارب والثقافات والانتماءات. ففي مثل هذه المجتمعات، تصبح المسائل الكيانية أكثر حساسية، لأن أي انقسام حولها قد يتحول إلى أزمة وجودية تهدد وحدة الدولة نفسها، ولا سيما في أوقات الأزمات، حين يسهل تحميل الكيان مسؤولية إخفاقات الطبقة السياسية، بدلاً من مساءلة هذهالأخيرة عن أدائها.
من هنا تبرز خصوصية الحالة اللبنانية.
فـ لبنان، بحكم تكوينه التاريخي وتعدديته، يحتاج في كل ما يتصل بخياراته الوطنية الكبرى إلى أوسع درجات التوافق، لأن هذه الخيارات تمس الأسس التي يقوم عليها الكيان، ولا يجوز أن تصبح مادة صراع بين أكثرية وأقلية.
أما التنافس الديموقراطي، فينبغي أن ينصرف إلى البرامج الاقتصادية والاجتماعية والإنمائية، حيث تتواجه الرؤى الليبيرالية والاشتراكية والوسطية، وتتبدل الأكثريات بصورة طبيعية، من دون أن يتحول كل استحقاق انتخابي إلى استفتاء على هوية الوطن. غير أن المفارقة اللبنانية تكمن في أننا نفعل العكس تماماً. فنحن نتوافق، بدرجات متفاوتة، على النموذج الاقتصادي العام، بينما نحول كل انتخابات إلى مواجهة حول القضايا الكيانية والخيارات الوطنية الكبرى. وهكذا يُستدعى الانقسام حيث يفترض أن يسود الوفاق، ويغيب التنافس حيث ينبغي أن تزدهر الديموقراطية.
والنتيجة: سلطات تقوم على تسويات هشة، وحكومات تسمى حكومات وحدة وطنية، فيما هي في الواقع حكومات لإدارة الانقسام أكثر منها حكومات للحكم.
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يقتضي أولاً حواراً وطنياً صريحاً يفضي إلى تثبيت الثوابت المؤسسة للدولة، وإخراجها نهائياً من بازار التجاذب السياسي، ويقتضي ثانياً بتطوير قانون انتخابي يعزز الاختلاط بين اللبنانيين، ويشجع قيام أحزاب وطنية عابرة للطوائف والمناطق، تتنافس على أساس البرامج والرؤى، لا على أساس الهويات والانقسامات.
عندئذ فقط تستعيد الديموقراطية معناها الحقيقي، ويصبح تداول السلطة عاملاً لتعزيز الوحدة الوطنية، لا مناسبة لتجديد الانقسام. فالقاعدة التي تستقيم بها الديموقراطية هي أن تكون الأكثرية والأقلية في إدارة الشأن العام، أما المشروع الوطني فلا يحكمه إلا أوسع توافق وطني ممكن. ومن هذا المنطلق يكتسب القول المنسوب إلى أحد كبار السياسيين، معناه العميق: "إن الاتفاق على الخطأ خير من الانقسام على الحق"، لأن الخطأ السياسي يمكن تصحيحه، أما الانقسام حول أسس الكيان فقد يهدد بقاء الوطن نفسه.
*وزير سابق