بين ظلّ نيكسون ومرآة ترامب

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في شتاء عام 1972، هبطت طائرة الرئاسة الأميركية في بكين، في مشهد بدا كأنه خارج من صفحات الخيال السياسي. نزل ريتشارد نيكسون، الرئيس الذي أمضى جزءاً كبيراً من مسيرته في مواجهة الشيوعية، ليصافح ماو تسي تونغ، زعيم الثورة الصينية التي كانت واشنطن تعتبرها عدواً استراتيجياً.

 

لم تكن تلك المصافحة صورة ديبلوماسية عابرة، بل لحظة أعادت رسم خريطة العالم. ففي أسبوع واحد، فتح نيكسون الباب أمام الصين، وأعاد ترتيب ميزان القوى في الحرب الباردة، وقاد سياسة انفراج مع الاتحاد السوفياتي، ليصبح أحد أبرز مهندسي التحولات الجيوسياسية في القرن العشرين.

 

لكن التاريخ يحب المفارقات. فالرجل الذي غيّر شكل النظام الدولي هو نفسه الرجل الذي انتهى عهده بأكبر أزمة ثقة في الرئاسة الأميركية. بعد عامين فقط، غادر نيكسون البيت الأبيض تحت وطأة فضيحة ووترغيت، ليصبح أول رئيس أميركي يستقيل من منصبه، بعد اتهامات بعرقلة العدالة وإساءة استخدام السلطة.

 

بين مصافحة بكين ورحيل واشنطن، بقي السؤال: هل يمكن لقائد أن يكون عظيماً في إدارة العالم، ومأزوماً في إدارة السلطة؟

 

بعد أكثر من خمسين عاماً، عاد اسم نيكسون إلى المشهد الأميركي من بوابة دونالد ترامب. فعندما قال جي دي فانس في مكتبة نيكسون الرئاسية إن ووترغيت، لو حدثت اليوم، ربما لما استمرت أكثر من اثنتي عشرة ساعة، وإن فكرة أنها كانت ستسقط رئاسة تبدو "مجنونة"، لم يكن يناقش فضيحة تاريخية فقط، بل كان يعيد فتح معركة أعمق حول علاقة الرئيس بالمؤسسات وحدود السلطة التنفيذية.

 

قدّم فانس قراءة مختلفة لسقوط نيكسون: أن المشكلة لم تكن فقط في تجاوزات البيت الأبيض، بل في قوة المؤسسات التي استطاعت عزله سياسياً. وهي قراءة تتقاطع مع خطاب أنصار ترامب حول ما يسمّونه "الدولة العميقة"، أي المؤسسات غير المنتخبة التي يرون أنها قادرة على تعطيل إرادة الرئيس المنتخب.

 

لكن التاريخ أكثر تعقيداً. فلم تسقط ووترغيت بسبب الصحافة وحدها، رغم الدور الكبير الذي أدّته التحقيقات الاستقصائية في صحيفة "واشنطن بوست". ولم تسقط بسبب خصوم نيكسون السياسيين فقط؛ فقد شارك جمهوريون وديموقراطيون في المسار الذي انتهى إلى رحيله. كما أن المحكمة العليا، بقرارها بالإجماع عام 1974، أجبرت نيكسون على تسليم تسجيلات البيت الأبيض التي كشفت محاولات التستر.

 

لم تكن ووترغيت قصة سقوط رجل أمام مؤامرة، بل لحظة اختبار لقدرة المؤسسات على تقييد أقوى منصب في الدولة.

 

وهنا يظهر التشابه الحقيقي بين نيكسون وترامب. فكلاهما رأى نفسه في مواجهة منظومة سياسية وإعلامية يعتبرها معادية، وكلاهما حاول إعادة تعريف حدود القوة الرئاسية. لكن الفارق الجوهري أن نيكسون حاول التحرك داخل قواعد اللعبة القائمة، بينما سعى ترامب إلى تغيير العلاقة نفسها بين البيت الأبيض والمؤسسات.

 

فمنذ عودته إلى السلطة، ركز ترامب على إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي عبر تعيين مسؤولين ينسجمون مع رؤيته السياسية، وإعادة رسم العلاقة مع وزارة العدل وأجهزة إنفاذ القانون، إلى جانب خطابه المتكرر ضد البيروقراطية الفيدرالية التي يعتبرها عائقاً أمام إرادة الناخبين. يرى مؤيدوه أن ذلك يعيد السلطة إلى الرئيس المنتخب، بينما يرى منتقدوه أن قوة الديموقراطية لا تكمن فقط في اختيار الحاكم، بل في وجود مؤسسات قادرة على مساءلته.

 

ومن هنا يأتي السؤال المركزي: هل تعلّم ترامب من نهاية نيكسون؟ فترامب لم ينظر إلى ووترغيت فقط باعتبارها قصة رئيس تجاوز الحدود، بل باعتبارها قصة رئيس فقد السيطرة على البيئة المحيطة به. لذلك حاول إعادة تعريف موقع الرئاسة داخل الدولة، لا الاكتفاء بإدارة المؤسسات الموجودة.

 

حتى في السياسة الخارجية، يظهر التشابه في شخصية كل من الرجلين؛ فكلاهما خالف التوقعات التقليدية. نيكسون ذهب إلى بكين في مواجهة إرث طويل من العداء، وترامب التقى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في المنطقة المنزوعة السلاح عام 2019، في محاولة لفتح مسارات تفاوضية غير مسبوقة.

 

لكن التاريخ لا يحكم على القادة فقط بما يغيّرونه في العالم، بل بما يتركونه داخل دولهم. نيكسون أراد رئاسة قوية، لكنه اصطدم بمؤسسات أثبتت قدرتها على الوقوف أمامه. أما ترامب، فقد حاول أن يجعل الرئاسة أكثر حضوراً داخل مفاصل الدولة نفسها.

 

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نجح ترامب في تفادي مصير نيكسون، أم أن أميركا تعيش نسخة جديدة من السؤال القديم؟

 

فالديموقراطيات لا تُختبر عندما يكون القادة ضعفاء، بل عندما تصبح قوتهم أكبر من قدرة المؤسسات على ضبطها. وفي تلك المسافة الدقيقة بين سلطة الحاكم وسلطة القانون، تُكتب فصول التاريخ.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية