بين رهانات الدولة وضغط الشارع.. انتخابات 2026 تختبر الثقة الشعبية وترسم ملامح المرحلة المقبلة
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، لانتخاب 395 عضوًا بمجلس النواب، يدخل المغرب مرحلة سياسية دقيقة توصف بأنها “استثنائية” بالنظر إلى تزامنها مع مشاريع ينظر لها على أنها كبرى؛ التنزيل “المؤسساتي لمبادرة الحكم الذاتي بالصحراء” وسط زخم دبلوماسي متصاعد، والتحضير المشترك مع إسبانيا والبرتغال لاستضافة “كأس العالم 2030”، إلى جانب اختبار مدى نجاعة “الدولة الاجتماعية” بعد موجة احتجاجات “جيل زد” غير مسبوقة هزت البلاد في خريف 2025.
ثلاثة رهانات جعلت بعض المحللين يصفون الحكومة المقبلة سلفًا بـ“حكومة المونديال” أو “حكومة الحكم الذاتي”.
أغلبية حاكمة تدخل السباق بحصيلة مثقلة
يخوض التحالف الحكومي الحالي، المكوَّن من التجمع الوطني للأحرار (102 مقعد في 2021) وحزب الأصالة والمعاصرة (87 مقعدًا) وحزب الاستقلال (81 مقعدًا)، والذي يسيطر مجتمعًا على 270 من أصل 395 مقعدًا، الاستحقاق القادم من موقع المتحكم في قواعد اللعبة، لكن بثقة شعبية متآكلة إن لم تكن منعدمة.
فبحسب استطلاع لمؤسسة “أفروباروميتر” نُشر مطلع 2026، لا يتجاوز مستوى ثقة الشباب المغربي (18-35 سنة) في البرلمان 37%، وفي رئيس الحكومة “عزيز أخنوش” 33%، وهي نسبة تتساوى مع مستوى الثقة في أحزاب المعارضة نفسها.
ويواجه حزب “الأحرار” تحديدًا انتقادات واسعة مرتبطة بملفات تضارب المصالح التي طالت بعض قياداته في قطاعات حساسة كتحلية مياه البحر واستيراد الأدوية وتوزيع المحروقات، إضافة إلى الجدل حول ما يُعرف إعلاميًّا بـ“أزمة الفراقشية” (الدعم الموجّه لاستيراد المواشي)، والذي غذّى مطالب معارضة بتشكيل لجنة تقصي حقائق برلمانية.
ورغم ذلك، أطلق الحزب حملة تنظيمية استباقية تحت شعار “مسار المستقبل”، على غرار حملة “100 يوم في 100 مدينة” التي سبقت فوزه في 2021، فيما تتضارب القراءات حول تأثير استقالة “أخنوش” من زعامة الحزب على حظوظه، بين من يراها تخفيفًا لكلفة حضوره المباشر ومن يخشى تحوله إلى “فاعل غير مرئي” يوجّه الأغلبية من الخارج.
في المقابل، يسعى حزب الاستقلال بقيادة “نزار بركة” إلى فرض نفسه بديلاً من داخل الائتلاف ذاته، مستفيدًا من حضوره القوي في الدوائر القروية و الصحراء، وهو ما يتقاطع مع رهانات تنزيل “الحكم الذاتي”؛ وقد كشف الحزب مؤخرًا عن لوائح مرشحيه المحلية التي تضم عددًا من أعضاء الحكومة الحاليين.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيطرح اسم الوزير “فوزي لقجع”، الذي التلحق بمكتبه السياسي، كوجه توافقي محتمل لقيادة الحكومة، مع إطلاقه في الأسابيع الأخيرة منصة إعلامية جديدة لتقوية حضوره التواصلي قبل الحملة.
معارضة مشتتة وعودة محتملة لـحزب “المصباح”
على الضفة الأخرى، يٌضعف تشتت مكونات المعارضة “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”التقدم والاشتراكية و”العدالة والتنمية” و”الحركة الشعبية”، قدرتها على تشكيل قطب بديل، بعدما فشلت كل محاولات توحيد اليسار سابقًا. كما أن انسحاب “الاتحاد الاشتراكي” من مبادرة ملتمس الرقابة الذي كانت أحزاب المعارضة تنوي تقديمه ضد حكومة “ عزيز أخنوش”، زاد من حدة الانتقادات الموجهة إليه، وسط حديث عن تموقعه كشريك محتمل مستقبلي لـ “التجمع الوطني للأحرار” في التشكيلة الحكومية المقبلة.
في هذا السياق، يراهن حزب “العدالة والتنمية”، الذي أعاذ انتخاب “عبد الإله بنكيران” أمينًا عامًا له لولاية جديدة في أبريل 2025، على استعادة موقعه بعد الانتكاسة التي مُني بها في 2021 (13 مقعدًا فقط بعد أن كان يقود الأغلبية الحكومية السابقة).
فقد أطلق الحزب مبادرة غير مسبوقة بفتح منصة رقمية لتلقي مقترحات المواطنين لبلورة برنامجه الانتخابي، لكنه يصطدم بعقبات موضوعية : نفور فئات واسعة من إرثه الحكومي (تحرير أسعار المحروقات، رفع سن التقاعد)، وخيبة أمل قاعدته المحافظة من قرارات مثل تدريس المواد العلمية بالفرنسية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتقنين زراعة القنب الهندي.
وفي موازاة ذلك، تتشكل تحالفات جديدة خارج الثنائية التقليدية أغلبية/معارضة، أبرزها ما سمي بـ “الائتلاف الشعبي” الذي يجمع الحركة الشعبية و”الحزب المغربي الحر ” و”الحزب الديمقراطي الوطني” في محاولة لخلق قطب وسطي ثالث.
لمواجهة العزوف الحاد.. قانون انتخابي جديد وإلغاء العتبة وحوافز للشباب والنساء
شهد الإطار القانوني للانتخابات تعديلات جوهرية ستُعيد رسم قواعد التنافس. فقد تم إقرار الإلغاء التام للعتبة الانتخابية، وهو ما يفتح المجال أمام الأحزاب الصغرى لدخول البرلمان، لكنه قد يُكرّس في المقابل “بلقنة” حزبية تُصعّب تشكيل أغلبية منسجمة.
كما تم تثبيت احتساب “القاسم الانتخابي” على أساس عدد المسجلين في اللوائح بدل الأصوات الصحيحة، وهي صيغة تنتقدها أحزاب “العدالة والتنمية” و”فيدرالية اليسار” و”الإشتراكي الموحد” معتبرين إياها تقويضًا لإرادة الناخبين.
وفي شق تمكين النساء، تم الإبقاء على 90 مقعدًا عبر اللوائح الجهوية مع إلزام الأحزاب بترتيب المرشحات في مراتب متقدمة، وسط مطالب حقوقية من هيئات كـ“ائتلاف 190 لمناهضة العنف ضد النساء” بذهاب أبعد نحو مبدأ المناصفة الفعلية في الدوائر المحلية التنافسية.
أما على صعيد الشباب، فقد استجابت التعديلات جزئيًا لمطالب حراك “جيل زد” عبر تيسير الترشح المستقل، ورقمنة ملفات الترشيح، وتخصيص دعم عمومي يغطي 75% من مصاريف حملة المترشحين دون 35 سنة، مع إمكانية التسجيل في اللوائح لمن سيبلغون 18 سنة كاملة بحلول 31 مارس 2026.
وشملت الإصلاحات أيضًا تشديد الرقابة على تمويل الحملات (سقف 600 ألف درهم للمترشح، وحتى 5 ملايين درهم للحزب) وتجريم عدم إرجاع فائض الأموال العمومية، إضافة إلى تنظيم الدعاية الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي بعد الجدل الذي أثاره استخدام بعض الأحزاب الكبرى لشركات التسويق الرقمي الموجّه في انتخابات 2021.
معركة الأسعار.. التضخم والجيل الأخضر وملف “سامير”
إلى جانب الملفات السياسية البحتة، تحتل معضلة غلاء المعيشة صدارة النقاش الانتخابي. فقد تحوّلت “إستراتيجية الجيل الأخضر”، المخطط الفلاحي الذي أشرف عليه “أخنوش” قبل توليه رئاسة الحكومة، إلى محور استقطاب حاد؛ إذ تدافع الأغلبية عن دوره في تحصين الأمن الغذائي، بينما تتهمه المعارضة بخدمة لوبيات الزراعة التصديرية على حساب تزويد السوق الداخلية بأسعار معقولة، وسط اتهامات لقيادة الحزب الحاكم بتحويل الدعم الفلاحي إلى “ريع” لفائدة الوسطاء الكبار بدل صغار الفلاحين.
وعلى صعيد الطاقة، حمّلت الانتقادات الشعبية مسؤولية تقلبات أسعار المحروقات باعتباره المُشرف على قرار تحرير القطاع منذ 2015، فيما يرد الحزب بأن استمرار الأزمة يعكس عجز الحكومة الحالية عن تقييد هوامش ربح شركات التوزيع أو إعادة تشغيل مصفاة التكرير الوطنية “سامير” المتوقفة منذ سنوات.
هذا النقاش حول الأسعار وغلاء المعيشة والتضخم يُتوقع أن يبقى أحد أكثر الملفات حساسية خلال الحملة الانتخابية، نظرًا لارتباطه المباشر بالقدرة الشرائية لعموم المغاربة.
ظل احتجاجات “جيل زد 212” لا يزال حاضرًا
لا يمكن قراءة المشهد الانتخابي بمعزل عن الاحتجاجات التي أطلقتها حركة “جيل زد 212” بين نهاية شتنبر وأكتوبر 2025، والتي انطلقت عبر منصة “ديسكورد” و“تيك توك” في الرباط والدار البيضاء وأكادير وطنجة قبل أن تمتد إلى نحو 11 مدينة، رافعة شعار “الصحة والتعليم قبل المونديال” ومطالبة بإصلاح القطاعين الصحي والتعليمي، وخلق فرص شغل للشباب، ومحاربة الفساد، بل وصلت في ذروتها إلى المطالبة بإقالة الحكومة.
وردًّا على ذلك، أعلنت الحكومة عن رفع الإنفاق على الصحة والتعليم بأكثر من 15%، في وقت لا يزال معدل البطالة يقارب 13% على المستوى الوطني، متجاوزًا 20% في صفوف الشباب، وسط ضغوط تضخمية على القدرة الشرائية.
ويبقى السؤال المطروح أمام محللين هو ما إذا كان هذا الاستياء الاجتماعي سيتحول إلى “تصويت عقابي” ضد الأغلبية الحالية أم سيغذي بالأحرى موجة عزوف انتخابي، خصوصًا أن التقديرات تشير إلى تردد نحو 40% من المسجلين في اللوائح الانتخابية بشأن المشاركة.
“تحالف اليسار” يخوض السباق في مقابل مقاطعة “النهج الديمقراطي”
في خضم إعادة تموقع القوى اليسارية، أعلنت “فيدرالية اليسار الديمقراطي” و”الحزب الاشتراكي الموحد “، اللذان يجمعهما تنسيق مشترك، عن تأسيس “تحالف اليسار” لخوض تشريعيات 23 شتنبر 2026 ببرنامج سياسي موحد، معتبرَين أن الأمر “تحالف سياسي وليس انتخابي فقط” سيكون له امتداد بعد الاستحقاق.
في المقابل، يواصل“النهج الديمقراطي العمالي” نهجه المعروف بمقاطعة كل الاستحقاقات الانتخابية منذ ما يقارب ربع قرن، معتبرًا أن “الانتخابات لا رهان فيها ولا تغيّر الأوضاع في المغرب”.
وقد جدّد الحزب موقفه بخصوص اقتراع 2026، إذ صرّح أمينه العام “جمال براجع” بأن قرار المقاطعة “مبني على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، في ظل غياب حتى الحد الأدنى لشروط الديمقراطية”، فيما ربط الحزب أي مشاركة مستقبلية بشروط تشمل مراجعة الدستور وإحداث هيئة وطنية مستقلة للإشراف على الانتخابات والتسجيل التلقائي لحاملي بطاقة التعريف الوطنية في اللوائح.
ويربط أي مشاركة مقبلة بإبعاد وزارة الداخلية عن تدبير العملية الانتخابية وضمان الحريات العامة وحرية الصحافة وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين واحترام الحق في الإضراب.
ورغم محدودية الوزن الانتخابي لتيارات المقاطعة تاريخيًّا، فإن تجدد خطابها في هذه الدورة يغذّي النقاش العمومي المتصاعد حول جدوى المشاركة أصلاً في ظل تنامي مشاعر العزوف وسط فئات واسعة من الناخبين.
“العدل والإحسان”.. قوة إسلامية خارج المعادلة الانتخابية
إلى جانب حزب “النهج الديمقراطي العمالي”، تظل جماعة “العدل والإحسان” أحد أبرز الفاعلين السياسيين خارج المؤسسات المنتخبة، رغم عدم تحولها إلى حزب سياسي معترف به قانونيًا. فالجماعة، التي تعد أكبر تنظيم إسلامي معارض في المغرب من حيث الانتشار والتنظيم، دأبت منذ تأسيسها على مقاطعة مختلف الاستحقاقات الانتخابية، معتبرة أن شروط المشاركة السياسية الحالية لا توفر، في نظرها، ضمانات كافية لتنافس ديمقراطي حقيقي.
وتنشط الجماعة، التي تتمتع بوضع جمعية مرخص لها، في مجالات دعوية واجتماعية وثقافية، غير أن علاقتها بالسلطات ظلت متوترة، إذ تتهم قياداتها الدولة بمنع أو التضييق على عدد من أنشطتها، وملاحقة بعض أعضائها،وتشميع بيوت قادتها.
وفي أفق انتخابات 2026، تواصل الجماعة تبني موقف المقاطعة، متقاطعة بذلك مع موقف “النهج الديمقراطي العمالي”، إذ تربط أي مشاركة مستقبلية بإصلاحات سياسية ومؤسساتية تشمل، بحسب خطابها، تعزيز الضمانات الديمقراطية، وتوسيع الحريات العامة، وضمان استقلالية العملية الانتخابية.
ورغم غيابها عن المؤسسات المنتخبة، فإن حجمها التنظيمي وقدرتها على التعبئة يجعلها فاعلًا حاضرًا في النقاش السياسي المغربي، خصوصًا في ظل تنامي الجدل حول نسب المشاركة الانتخابية وحدود تأثير المقاطعة على شرعية المؤسسات المنتخبة.
ثلاثة سيناريوهات لتركيبة الحكومة المقبلة
في ضوء هذه المعطيات، رجّحت دراسة لمركز الجزيرة للدراسات ثلاثة سيناريوهات محتملة:
1. الأول هو “التصويت العقابي” الذي يعيد حزب “العدالة والتنمية” إلى الصدارة إذا نجح في استثمار الغضب الشعبي من الغلاء وملفات تضارب المصالح.
2. الثاني هو استمرار “الوضع القائم” بقيادة “التجمع الوطني للأحرار ” بالاعتماد على قوته التنظيمية وشبكة الأعيان.
3. الثالث والأكثر ترجيحًا في تقدير الدراسة فهو “التناوب من داخل الاستمرارية”، أي بقاء التحالف الثلاثي الحالي مع احتمال انتقال قيادة الحكومة إلى حزب “الاستقلال” أو “الأصالة والمعاصرة”، مصحوبًا بتوسيع الائتلاف نحو حزب أو حزبين من المعارضة الحالية (كالاتحاد الاشتراكي أو الحركة الشعبية) لتجاوز تعقيدات “القاسم الانتخابي” الجديد.
ويبقى العامل الحاسم، بحسب المحللين، هو مدى قدرة الأحزاب على تعبئة الكتلة الناخبة المترددة وسط أجواء من انعدام الثقة المؤسساتية، في انتخابات لن تُقاس أهميتها فقط بموازين المقاعد، بل بقدرة الحكومة المنبثقة عنها على تحويل الرهانات الكبرى “الحكم الذاتي ومونديال 2030 والدولة الاجتماعية” إلى تحسينات ملموسة في حياة المغاربة اليومية، بعد أشهر قليلة من صناديق الاقتراع.