بين الغلاء وتحوّل العادات... كيف تغيّر احتفال التونسيين بعيد الأضحى؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

على أصوات تكبيرات المساجد في كل مدن تونس وأحيائها، كان صباح عيد الأضحى يبدأ باكراً قبل سنوات غير بعيدة. رائحة الفحم المشتعل، أطفال يركضون مع خرافهم المزيّنة بشرائط ملوّنة، ورجال يتجمعون أمام البيوت استعداداً للذبح. غير أن هذه المشاهد بدأت تتراجع تدريجاً، مع تغيّر العادات الاجتماعية وارتفاع أكلاف العيد بشكل غير مسبوق، ما دفع كثيرين من التونسيين إلى إعادة تعريف علاقتهم بهذه المناسبة الدينية والاجتماعية.

"لمّة العائلة" تتراجع

كان العيد في تونس مناسبةً تتجاوز الطقس الديني إلى معنى اجتماعي أوسع يرتبط بعنوانٍ كبير اسمه "لمّة العائلة"، أي اجتماع الأسرة والأقارب حول مائدة واحدة وأجواء جماعية كانت تُشكّل جزءاً أساسياً من هوية المناسبة.

لكن في الأعوام الأخيرة تغيّرت نظرة جزء واسع من التونسيين إلى العيد، ومعها تبدّلت صباحاته وطقوسه. فلم تعد لرائحة الشواء المكانة نفسها، ولم تعد الأشرطة التي تُزيّن الأكباش ضرورةً ينتظرها الأطفال، فيما خفت حضور أغنية "الكبش أدور" التي كانت تُبث كل عيد أضحى وتُعلن بداية يوم الذبح في كثيرٍ من البيوت.

ويؤكد عدد كبير من التونسيين أن العيد بات يُشكّل موسم ضغط نفسياً ومالياً أكثر منه مناسبةً للفرح، في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

وتشير التقديرات إلى أن أسعار الأضاحي تجاوزت هذا العام ألف دولار بالنسبة إلى الكباش كبيرة الحجم، فيما بلغت أسعار الخراف المتوسطة نحو 500 دولار، وهي أرقام توازي تقريباً متوسط الدخل الشهري في تونس.

ويقول رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك لطفي الرياحي لـ"النهار" إن أسعار الأضاحي ارتفعت هذا العام بنحو 100 دولار مقارنةً بالعام الماضي، مؤكداً أنها "أسعار مبالغ فيها ولا تتماشى مع مقدرة التونسي".

من الأضحية إلى السفر والفسحات

على مواقع التواصل الاجتماعي، تحوّل عيد الأضحى إلى مادة للنقاش والسجال، بالتوازي مع تحوّله إلى مساحة استعراض بالنسبة إلى بعض المؤثرين. وفي المقابل، بدأ كثيرون من التونسيين يتساءلون علناً عن جدوى الاحتفال بالعيد بالشكل التقليدي في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وهو ما ظهر مع انتشار دعواتٍ تطالب بإصدار فتوى بعدم شراء الأضحية.

ومع هذه الدعوات، صار كثيرون يعلنون صراحة أنهم لن يحتفلوا بالعيد بالطريقة المعتادة.

يقول أيمن، وهو موظف تونسي في نهاية الثلاثين من عمره وأب لطفل يبلغ خمس سنوات، لـ"النهار"، إنه اتفق مع زوجته على قضاء العيد في أحد الفنادق بدلاً من شراء أضحية.

ويوضح: "فكرنا ملياً، وبعد مقارنة تكلفة شراء خروف بتكلفة عطلة قصيرة، قررنا استغلال العروض التي تقدمها الفنادق في هذه الفترة لنرفّه عن أنفسنا".

أما سمية، وهي موظفة تقضي معظم أيامها في العمل، فاختارت بدورها طريقة مختلفة للاحتفال بالعيد. وتقول لـ"النهار": "علاوةً على ارتفاع الأسعار، لم أعد قادرة على القيام بأعمال الذبح والتنظيف، فقررنا شراء كمية قليلة من اللحم والخروج في فسحة عائلية".

وتُشير إلى أن ابنتيها لا تحبان مشاهد الذبح ولا تُفضلان لحم الضأن، ما جعل الأسرة تغيّر عاداتها المرتبطة بالعيد منذ سنوات.

 

تونسيون يزورون سوقاً للماشية استعداداً لعيد الأضحى. (أ ف ب)

جيل جديد وطقوس مختلفة

وترى المختصة في علم الاجتماع سيرين الهمامي أن التحوّل في علاقة التونسيين بعيد الأضحى لا يرتبط بالعجز المالي فحسب، وإنما أيضاً بتغيّر النظرة الاجتماعية إلى المناسبة.

وتقول لـ"النهار" إن جزءاً من التونسيين بات يعتبر أن بعض مظاهر العيد تحوّلت إلى "مبالغة اجتماعية فقدت معناها الأصلي"، مشيرةً إلى أن هذا الشعور لم يعد فردياً، بل يتكرر بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وفي النقاشات اليومية.

وتلفت إلى ظهور جيل جديد يتعامل مع العيد ببراغماتية أكبر، ويصنع طقوسه الخاصة بعيداً من عادات الأجيال السابقة.

وتُضيف: "هناك من يُفضّل السفر أو قضاء عطلة قصيرة بدل شراء أضحية، وهناك من يرى أن العيد فقد جزءاً من روحه مع تغيّر شكل العلاقات العائلية".

وتتابع: "حتى طقوس الذبح التي كانت تمثل لحظة جماعية داخل الحي بدأت تختفي تدريجاً في المدن الكبرى بسبب نمط الحياة السريع، وهذا أثّر أيضاً على مفهوم العيد بوصفه مناسبة اجتماعية".

لا تبدو أسباب تغيّر علاقة التونسي بعيد الأضحى اقتصادية فقط، إذ إن تبدّل أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية لعب بدوره دوراً أساسياً في إعادة تشكيل معنى العيد وطقوسه لدى شريحة واسعة من التونسيين.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية