بين الشهادة والمسؤولية: هل تُدار الدول بمنطق التضحية أم بحسابات الواقع؟
حيدر الأمين
لا ينطلق هذا الطرح من اصطفاف سياسي أو إقليمي، ولا يهدف إلى ترجيح كفة طرف على آخر، بل يسعى إلى قراءة خيارات إدارة الصراع وفق معايير قابلة للقياس: الكلفة، والنتائج، ومآلات القرار. وهو بذلك يبتعد عن التوظيف الشعاراتي، ليقترب من منطق التحليل السياسي القائم على تقييم الأدوات لا تقديسها.
في النقاشات العامة، يبرز خطاب يرفض التفاوض بوصفه تنازلاً، ويطرح ثنائية حادة: "الشهادة أو النصر". هذا الخطاب يمتلك قوة رمزية عالية، لكنه يطرح إشكالية جوهرية عندما يتحوّل من إطار تعبوي إلى أساس لاتخاذ القرار. فالدولة، بخلاف الجماعة الرمزية، مسؤولة عن مجتمع كامل، وعن استقرار طويل الأمد، وعن موارد محدودة لا يمكن استنزافها بلا حساب.
لا خلاف على القيمة الأخلاقية العميقة للرموز الدينية والتاريخية، ومنها كربلاء، في تشكيل الوعي والوجدان. غير أن توظيف هذه الرموز في القرار السياسي يتطلب تمييزاً دقيقاً بين المعنى الأخلاقي والسياق الإداري. هذا التمييز لا ينتقص من قدسيتها، بل يحميها من أن تتحوّل إلى أدوات تُستخدم خارج سياقها، حيث تُقاس القرارات بنتائجها لا بنواياها.
في المقابل، يُظهر التاريخ الإسلامي المبكر أن التفاوض لم يكن نقيضاً للثبات، بل أداة من أدواته. ففي صلح الحديبية، قُبل اتفاق بدا في ظاهره مجحفاً، لكنه أفضى لاحقاً إلى مكاسب استراتيجية أوسع وأكثر استقراراً. هذه السابقة لا تُستخدم للمقارنة المباشرة، بل لتأكيد فكرة أساسية: أن التفاوض يُقاس بمآلاته، لا بصورته اللحظية.
من منظور العلاقات الدولية، لا تُدار النزاعات بثنائيات مطلقة بين الحرب والتسوية، بل عبر مزيج متدرّج من الأدوات: ضغط، ردع، تفاوض، وتهدئة. واختيار الأداة لا يكون تعبيراً عن موقف أخلاقي مجرد، بل عن قراءة دقيقة لميزان القوى، والظروف الداخلية، والبيئة الدولية.
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي: متى يكون التفاوض خياراً عقلانياً؟
عادةً ما يُطرح التفاوض عندما تتوافر مؤشرات واضحة، منها:
● ارتفاع كلفة الاستمرار في الصراع مقارنة بالعائد المتوقع
● ثبات ميزان القوى أو اختلاله بشكل يمنع الحسم
● وجود فرصة واقعية لتحقيق مكاسب جزئية أو مرحلية
● ازدياد الضغط الداخلي أو الدولي بما يهدد الاستقرار العام
في المقابل، يُبنى رفض التفاوض في بعض الخطابات على تقديرات تتعلق بالمخاطر المحتملة، كفقدان أوراق القوة أو استغلال فترات التهدئة لإعادة تشكيل موازين القوى. غير أن تحويل هذه المخاوف إلى موقف مطلق يُفضي، في كثير من الأحيان، إلى تعطيل مسارات الحل وإغلاق قنوات إدارة الصراع.
وفي حالات أخرى، لا يقتصر أثر هذا الرفض على الجمود، بل يمتد إلى الدفع نحو تصعيد لا يرتبط دائماً بحسابات المصلحة الوطنية أو قدرة المجتمعات على تحمّل الكلفة، ما يضع الدول أمام صراعات تتجاوز أولوياتها الفعلية.
ومع ذلك، فإن نقد هذه المقاربات لا يعني، بأي حال، تبرير الاعتداء أو منح شرعية لأي طرف يفرض الصراع بالقوة، بل يهدف إلى التأكيد على أن إدارة النزاعات تقتضي تقليل الخسائر وتعظيم القدرة على التحكم بمسارها، لا تركها مفتوحة على احتمالات الاستنزاف.
قد يُستدلّ باستمرار التوترات الإقليمية، بما في ذلك ما يتصل بإيران، للقول إن الاتفاقات السياسية لم تُحقق نتائج حاسمة، وأنها لم تكن سوى ترتيبات مؤقتة سرعان ما تفقد أثرها. غير أن هذا الطرح يفترض أن وظيفة التفاوض هي إنهاء الصراع بالكامل، وهو افتراض لا ينسجم مع طبيعة النزاعات المعاصرة المركّبة. فالاتفاقات، مثل الاتفاق النووي الإيراني، لم تستهدف تصفية جميع أوجه التوتر، بل ركّزت على احتواء مسار تصعيد محدّد وتقليص مخاطره. وبالفعل، نجحت لفترة في ضبط هذا المسار، قبل أن تتغيّر الظروف السياسية وتعود التوترات. من هنا، فإن استمرار الصراع لا يعني بالضرورة فشل التفاوض، بل يكشف حدوده ووظيفته الحقيقية: إدارة بعض جوانب النزاع، لا إنهاؤه دفعة واحدة.
إن تجاهل عاملي الزمن والكلفة يتعارض مع أبسط قواعد التخطيط الاستراتيجي. فكل صراع يخضع، في نهاية المطاف، لمعادلة الكلفة والفائدة، حيث تُقاس القرارات بقدرتها على تحقيق أهداف ملموسة بأقل الخسائر الممكنة. كما أن تجاهل ميزان القوى لا يغيّر نتائجه، بل يؤجّل ظهورها بثمن أعلى. وطرح التفاوض هنا لا يعني نفي حق الدفاع أو التقليل من قيمة الصمود، بل التأكيد على أن أدوات إدارة الصراع متعددة، وأن استخدامها يجب أن يكون مرناً ومرتبطاً بالواقع، لا محكوماً بشعارات ثابتة.
في النهاية، ليست المشكلة في الشعارات بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى بديل عن القرار. فالدول لا تُدار بمنطق الرمز وحده، بل بإدارة دقيقة للتوازن بين المبادئ والنتائج. وحين يُستبدل الحساب بالخطاب، لا تختفي الكلفة، بل تتراكم حتى تصبح هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تجاوزها.