بين الشائعة والإنجاز... كيف تنتصر الدول في معركة السردية الإعلامية؟
لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُقاس بعدد الصواريخ أو حجم القوات العسكرية وحسب، بل أصبحت تُخاض أيضاً في فضاء المعلومات، حيث تتحول الشائعة إلى أداة ضغط، والخبر غير الدقيق إلى وسيلة للتأثير في الاقتصاد وثقة المستثمرين والرأي العام. ولهذا أصبحت إدارة السردية الإعلامية جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني للدول.
وتشير تجارب السنوات الأخيرة إلى أن الدول ذات الثقل السياسي والاقتصادي تكون أكثر عرضة لمحاولات التشويه الإعلامي لأنها تمثل أهدافاً ذات قيمة في معركة التأثير. ففي أوقات الأزمات لا يقتصر استهدافها على الميدان بل يمتد إلى صورتها الذهنية بهدف خلق انطباع بعدم الاستقرار أو إضعاف الثقة ببيئتها الاقتصادية ومؤسساتها.
وقد برزت الإمارات نموذجاً لافتاً في هذا المجال. فقبل الأزمة الإقليمية الأخيرة تصاعدت حملات إعلامية ناقدة في بعض المنصات الدولية، وخلال فترة التصعيد العسكري ظهرت روايات ضخّمت آثار الأحداث أو نقلت معلومات تبين لاحقاً أنها غير دقيقة. وفي إحدى الوقائع منذ أيام جرى تداول خبر مكذوب عن انفجار في دبي نُسب إلى وكالة أنباء دولية يفترض فيها المهنية العالية قبل أن يتم سحبه وتصحيحه، في مثال يبرز أهمية التحقق المهني وسرعة مراجعة المعلومات عند التعامل مع الأحداث الحساسة.
غير أن الدرس الأهم لم يكن في ظهور الشائعة بل في طريقة التعامل معها. فقد اعتمدت الإمارات على سرعة التواصل الرسمي وتقديم المعلومات الموثقة وإظهار الحقائق على الأرض، وهو ما حدّ من انتشار الروايات غير الصحيحة. كما ساهم تفاعل المواطنين والمقيمين عبر نشر الوقائع والصور من الواقع في دعم الرواية المبنية على الأدلة وتعزيز الثقة العامة.
لكن التجربة تكشف أيضاً أن الرد على الشائعات على أهميته لا يكفي وحده. فالاستراتيجية الأكثر فاعلية تتمثل في استمرار إنتاج الإنجاز ونشره عالمياً. فالدولة التي تواصل تنفيذ مشاريعها وتجذب الاستثمارات وتستضيف الفعاليات الدولية وتحقق مؤشرات نمو إيجابية، تقدم أدلة عملية أقوى من أي حملة دعائية مضادة. فالإنجاز الموثق يضيّق المساحة أمام الروايات السلبية ويجعلها أقل قدرة على التأثير وهذا فعلاً ما تقوم به الإمارات.
وفي المقابل، تتحمل المؤسسات الإعلامية الدولية مسؤولية مضاعفة في أوقات الأزمات، إذ إن الالتزام الصارم بمعايير التحقق والتوازن ليس مجرد واجب مهني بل عنصر أساسي في حماية ثقة الجمهور. فالأخطاء في مثل هذه الظروف قد تتجاوز أثرها الإعلامي لتنعكس على الأسواق والاستثمار والاستقرار.
لقد أثبتت التجربة أن معركة السردية لا تُحسم بالصوت الأعلى بل بالمعلومة الأدق والاستجابة الأسرع والإنجاز المستمر. وعندما تجتمع الشفافية مع سرعة التواصل ويقترن الرد بالعمل والنتائج، تصبح الشائعة حدثاً عابراً، بينما يبقى الإنجاز هو الرواية التي يكتبها الواقع ويصعب على أي إعلام معادٍ أن يطمسها أو ينافسها.