بين الرماد والحلم: كيف أعادت الحرب تشكيل هوية الشباب اللبناني؟
قاسم محمد العزير
لم تكن الحرب في لبنان مجرّد حدث عابر في تاريخ بلدٍ صغير، بل تحوّلت إلى واقع متكرر أعاد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، وترك أثره العميق في نفوس أبنائه، ولا سيّما فئة الشباب منهم.
هؤلاء الذين يُفترض أن يكونوا في مرحلة بناء الأحلام وصناعة المستقبل، وجدوا أنفسهم في مواجهة تحديات تفوق أعمارهم، فكان عليهم أن يكبروا بسرعة، وأن يتعلّموا كيف يعيشون وسط القلق، لا على هامشه.
على المستوى النفسي، يعاقر الشباب اللبناني حالة مركّبة من التوتر الدائم والترقّب. الحرب لا تنتهي بانتهاء أصوات القذائف، بل تستمر داخل الإنسان على شكل خوف مزمن من الغد. هذا الشعور بعدم الأمان ينعكس في سلوكيات عديدة عمادها القلق المفرط إلى فقدان الثقة بالمستقبل. بعض الشباب أصبح أكثر هشاشة، يعاني من ضغوط نفسية قد لا تُرى بالعين، فيما اختار آخرون التكيّف عبر بناء جدران داخلية من اللامبالاة أو السخرية، كوسيلة لحماية أنفسهم من الانهيار.
اجتماعياً، أعادت الحرب رسم ملامح العلاقات بين الأفراد. فالتباينات السياسية والطائفية التي تتغذّى من الصراعات، خلقت نوعاً من التباعد بين الناس، حتى ضمن البيئة الواحدة. ومع ذلك، لم يكن المشهد واضحاً بالكامل فقد برزت نماذج شبابية لافتة في العمل التطوعي والمبادرات الإنسانية. شباب وشابات قرروا أن يكونوا جزءاً من الحل، لا مجرد ضحايا للواقع، فساهموا في دعم مجتمعاتهم وتخفيف آثار الأزمات، مثبتين أن روح التضامن لا تزال حيّة رغم كل شيء.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد كان العبء الأكبر. الحرب وما رافقها من أزمات متلاحقة أدّت إلى تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة، ما وضع الشباب أمام خيارات صعبة. كثيرون اضطروا للتخلي عن تخصصاتهم العلمية والعمل في مجالات لا تمتّ لأحلامهم بصلة، فقط لتأمين الحد الأدنى من العيش. وآخرون اتخذوا قرار الهجرة، ليس حباً بالرحيل، بل هروباً من واقع لا يرحم. هذا النزيف المستمر للكفاءات يشكّل خسارة وطنية حقيقية، إذ يُفرغ البلاد من طاقاتها الشابة التي تُعدّ الركيزة الأساسية لأي نهضة مستقبلية.
في الجانب التعليمي، لم تكن الصورة أفضل حالاً. الانقطاعات المتكررة، ضعف الإمكانات، والظروف المعيشية الصعبة، كلها عوامل أثّرت سلباً على جودة التعليم. الطالب اللبناني بات يواجه تحديات لا تتعلق بالتحصيل العلمي فحسب، بل بالقدرة على الاستمرار أساساً. ومع ذلك، يواصل كثيرون من الشباب السعي وراء العلم، مدفوعين بإيمانٍ عميق بأن التعليم هو الطريق الوحيد للخروج من دوامة الأزمات.
على رغم هذا المشهد المليء بالتحديات، يبرز جانب آخر لا يقل أهمية ألا وهو القدرة الاستثنائية على الصمود. الشباب اللبناني لا يعيش فقط على وقع الأزمات، بل يتقن أيضاً فنّ التكيّف معها. من بين الركام، تظهر قصص نجاح، ومشاريع ناشئة، ومواهب تفرض نفسها رغم كل الصعوبات. هذه الديناميكية تعكس روحاً لا تُهزم بسهولة، وإرادة حياة تتجدّد مع كل أزمة.
لقد خلقت الحرب جيلاً مختلفاً جيلاً يحمل في داخله تناقضات كثيرة: الخوف والأمل، التعب والطموح، الانكسار والإصرار. هو جيل تعلّم أن الحياة ليست عادلة دائماً، لكنه في الوقت نفسه لم يتخلّ عن حقه في الحلم. وربما تكون هذه المفارقة هي ما يميّز الشباب اللبناني عن غيره: قدرته على الاستمرار، لا رغم الظروف فقط، بل أحياناً بسببها.
في الختام، لا يمكن إنكار أن الحرب تركت جروحاً عميقة في جسد المجتمع اللبناني، لكن الأمل لا يزال قائماً ما دام هناك شباب يؤمنون بقدرتهم على التغيير. هؤلاء ليسوا مجرد ضحايا واقع صعب، بل هم أيضاً صُنّاع مستقبل محتمل. وبين الرماد الذي خلّفته الحروب، تبقى الشرارة التي يحملها الشباب قادرة، يوماً ما، على إشعال نور جديد يبدّد هذا الظلام الطويل.