بين الذكاء الاصطناعي والصحافة... تقرير لمعهد رويترز عن معركة المحتوى
ثمة مفارقة لا تخلو من مرارة: النماذج التي تتقن الإجابة عن أسئلة ملايين المستخدمين تعلّمت ذلك من مقالات لم تستأذن كتّابها يوماً. روبوتات المحادثة، ومحركات البحث الذكية، لا تسرق المحتوى بالمعنى الكلاسيكي، لكنها تختصر الطريق إلى المعلومة، وتقطع الصلة بين القارئ والمصدر، وهذا وحده كافٍ لتهديد نموذج اقتصادي كامل تقوم عليه مؤسسات إعلامية كبرى.
في هذا السياق، يستعرض تقرير، نشره معهد رويترز لدراسة الصحافة، بعنوان: "داخل جهود صناعة الأخبار لتوحيد الصفوف دفاعاً عن الصحافة في مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي"، ملامح هذا التحول العميق في العلاقة بين الإعلام وشركات التكنولوجيا.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن هذه المؤسسات لا تواجه شركة ناشئة أو تقنية هشّة، بل تقف في مواجهة عمالقة يملكون من الموارد ما يجعل أيّ مواجهة قانونية منفردة رهاناً خاسراً.
تواجه المؤسسات الصحافية العالمية تحدّيًا وجوديًا مع التوسع السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي لم يعد مجرد أداة تقنية مساعدة، بل تحول إلى لاعب يعيد تشكيل العلاقة بين الجمهور والمحتوى الإخباري. فبدل الاكتفاء بخيارَي الترخيص أو التقاضي ضد شركات التكنولوجيا، بدأت صناعة الأخبار في اختبار مسار ثالث يقوم على التفاوض الجماعي لحماية المحتوى الصحافي من الاستغلال غير المنظم.

تنبع الأزمة من قناعة متزايدة لدى الناشرين بأن نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل "شات جي بي تي" و"جيميناي" دُرّبت على كميات هائلة من الموادّ الصحافية من دون إذن واضح، أو تعويض مالي عادل. وفي الوقت نفسه، تتفاقم المخاوف من تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث، بعدما أصبح المستخدم يحصل على الإجابات مباشرة عبر روبوتات المحادثة أو الملخصات الذكية، من دون الحاجة إلى زيارة المصدر الأصلي.
وتعزز المؤشرات هذه المخاوف، إذ ارتفعت نتائج البحث التي لا تقود إلى نقرات على المواقع الإخبارية عقب إطلاق خدمات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بينما أظهرت أبحاث أن نسبة كبيرة من المستخدمين لا تضغط بانتظام على روابط المصادر داخل الإجابات المولّدة آليًا.
المشكلة - وفق التقرير - لا تقتصر على حقوق النشر، بل تمسّ جوهر "العقد الضمني للإنترنت"، حيث كانت محركات البحث تعيد توجيه الجمهور إلى المواقع الأصلية، ما يتيح للمؤسسات الإعلامية تحقيق الإيرادات. أما اليوم، فالذكاء الاصطناعي يقدم الإجابة النهائية مباشرة، قاطعًا هذا المسار الاقتصادي.
وفي مواجهة هذا التحول، تحاول المؤسسات الإعلامية الاستفادة من تجربة صناعة الموسيقى، التي نجحت في فرض أنظمة ترخيص جماعية بعد أزمة القرصنة الرقمية. لكن التحدّي يكمن في اختلال موازين القوى، إذ تواجه مؤسسات إعلامية متفرقة شركات تقنية عملاقة ذات موارد ضخمة.
من هنا ظهرت تحالفات مثل "SPUR" لتوحيد المعايير التفاوضية، ومبادرات أكثر طموحًا لإنشاء نظام عالميّ يمنح تراخيص جماعية لاستخدام المحتوى الصحفي مقابل رسوم، عبر معايير تقنية تتيح للمواقع تحديد شروط استخدام محتواها آليًا.
ومع استمرار هذا التحول، يبدو أن مستقبل الصحافة لن يُحسم فقط في المحاكم أو غرف التفاوض، بل في قدرة المؤسسات الإعلامية على إعادة تعريف قيمتها في عصر أصبحت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر، بينما يظلّ الانتباه البشري المورد الأندر والأكثر قيمة.