بين الدين والموروث الشعبي .. عيد الأضحى يعيد إنتاج الهوية في سوس

يشكل عيد الأضحى أحد أبرز المناسبات الدينية التي تحظى بأهمية كبيرة لدى قبائل سوس، لعدة أسباب دينية وتاريخية واقتصادية، ما يجعل منه مناسبة بأبعاد مختلفة تتجاوز المنطق الاحتفالي الديني إلى منطق الاحتفال بالعادات الفلاحية والفنية والتجارية.

وفي دراسة سوسيو-تاريخية أعدها حول الموضوع توقف الباحث رضوان الحيان عند حركية الأسفار التي تشهدها منطقة سوس بهذه المناسبة، حيث تعرف مختلف الطرق والمحاور الرابطة بين المدن الكبرى (الرباط، الدار البيضاء، مراكش، طنجة..) والمنطقة حركةً انتقال كثيفة تعكس قوة الارتباط الرمزي والعاطفي بالأصل العائلي والمجال القروي.

وفي هذا الصدد يُنظر إلى قضاء العيد بـ”تمازيرت” باعتباره حفاظا على الروابط العائلية واستمرارا لقيم التضامن وصلة الرحم التي مازالت تحظى بمكانة مركزية داخل الثقافة السوسية الموروثة. ويؤثر هذا الانتقال المجالي على الحركية الاقتصادية بالمدن الكبرى، إذ يحدث شللا تاما في ما يتعلق بتجارة المواد الغذائية وبعض الحرف الأخرى التي يمتهنها أهل سوس.

هذا الحرص على قضاء فترة العيد بمسقط الرأس يُفسّر، وفق الحيان، بـ”العلاقة الخاصة التي تجمع السوسي بالمجال القروي؛ فحتى أولئك الذين اندمجوا لسنوات طويلة داخل المدن الحديثة يحتفظون بعلاقة وجدانية قوية مع القرية والأسرة والأرض، ما يجعل عيد الأضحى مناسبة لإعادة وصل ما انقطع مع المجال الأصلي”.

ورغم ما لوحظ خلال السنوات الأخيرة من إحجام عن السفر إلى مناطق سوس خلال عيد الأضحى (لعيد ن تفاسكا) أبرز الباحث ذاته أن العودة إلى سوس خلال هذه المناسبة مازالت تحافظ على قوتها الرمزية والاجتماعية، باعتبارها ممارسة تؤكد استمرار الانتماء إلى الأصل والمجال والعائلة، وتكشف في الوقت نفسه قدرة المجتمع السوسي على التوفيق بين الوفاء للموروث والانخراط في تحولات الحياة الحديثة.

وذكر صاحب الدراسة أيضا أنه رغم التحولات المجتمعية إلا أن مناطق كثيرة بسوس تحافظ على جوهر الشعائر الدينية التقليدية للعيد، خاصة في القرى والدواوير التي مازالت تحتفظ ببنية اجتماعية متماسكة وروابط أسرية قوية، حيث يستمر العيد باعتباره مناسبة لإحياء قيم الدين والتكافل وصلة الرحم واستحضار الذاكرة الجماعية المحلية.

وتكشف هذه الاستمرارية، وفق المصدر ذاته، عن “قدرة المجتمع السوسي على التوفيق بين المرجعية الدينية الإسلامية والموروث الثقافي المحلي، إذ ظل عيد الأضحى يشكل لحظة تتجدد فيها الروابط بين الأفراد والجماعات، وتعاد من خلالها صياغة معاني الانتماء والتعاون والتدين الشعبي”، وزاد: “لذلك فإن دراسة الشعائر الدينية لأهل سوس (جزولة) خلال عيد الأضحى لا تسمح فقط بفهم طقوس الاحتفال، بل تمكن أيضا من قراءة التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع السوسي بين المحافظة على التقاليد والانخراط في مظاهر الحداثة والتغير الاجتماعي”.

ولم يتوقف الباحث عند هذا الحد، إذ لامس أيضا المظاهر الفلكلورية التي تعرفها المنطقة أيام العيد، بما فيها “بيلماون” أو “بوجلود”، الذي يمثل أحد أكثر التعبيرات الشعبية رمزية خلال هذه الفترة، حيث يظهر مجموعة من الشباب مرتدين جلود الأضاحي وأقنعة وملابس ذات طابع ساخر أو غرائبي، ويجوبون الأزقة والساحات في أجواء يغلب عليها الطابع الكرنفالي القائم على المزاح والحركة والاستعراض.

ويرى رضوان الحيان أن “هذا الاحتفال، رغم طابعه الشعبي العفوي في أصله، فإنه يحمل أبعادا رمزية متعددة ترتبط بالذاكرة الثقافية الأمازيغية، إذ ينظر إليه كطقس احتفالي يعبر عن الفرح الجماعي والانفلات المؤقت من القيود الاجتماعية اليومية، كما يعكس فكرة التجدد بعد لحظة دينية مركزية”.

وحسب المصدر ذاته فإن دائرة الأنشطة الاجتماعية والثقافية بالمنطقة تتوسع لتشمل طقوس “أحواش”، إلى جانب الدوريات الكروية السنوية التي تساهم في تعزيز روح الانتماء المحلي، وتقوية العلاقات بين شباب المنطقة، وتوفير بديل ترفيهي جماعي في ظل محدودية الفضاءات الثقافية والرياضية المنظمة.

تأسيسا على ما سبق خلص الحيان ضمن دراسته السوسيو-تاريخية، التي أحال فيها على إفادات مؤرخين وعلماء، من قبيل محمد المختار السوسي وامحمد العثماني وآخرين، (خلص) إلى أن “مناسبة عيد الأضحى داخل المجتمع السوسي تشكل مناسبة تتجاوز حدود الشعيرة لتتحول إلى لحظة اجتماعية وثقافية جامعة تتقاطع فيها مظاهر التدين مع العادات والتقاليد وأنماط الاحتفال الجماعي”.

وسجل الباحث أيضا أن “أهل سوس استطاعوا عبر الزمن بناء نموذج احتفالي خاص يجمع بين المرجعية الإسلامية والموروث المحلي الأمازيغي، حيث تتداخل طقوس الأضحية وصلة الرحم مع أشكال التعبير الفني والاحتفالي والاجتماعي التي تمنح العيد خصوصيته داخل الذاكرة الجماعية السوسية، وذلك من خلال الجمع بين الموروث والمستحدث”.

The post بين الدين والموروث الشعبي .. عيد الأضحى يعيد إنتاج الهوية في سوس appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress