بين الحرية والانضباط .. الجدل يتجدد حول "الانتماء الحزبي" في المغرب
عاد الترحال السياسي إلى واجهة النقاش العمومي مع اقتراب انتخابات 2026، بعد تسجيل انتقال عدد من المنتخبين والفاعلين السياسيين بين الأحزاب، في مشهد يثير تساؤلات متجددة حول حدود حرية الانتماء السياسي من جهة، وتأثير هذه الممارسات على مصداقية العمل الحزبي وثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة من جهة أخرى.
ورغم أن المشرع المغربي نجح في السنوات الأخيرة في الحد من الترحال السياسي خلال الولايات الانتدابية، سواء على مستوى البرلمان أو الجماعات الترابية، إلا أن الظاهرة عادت إلى الظهور بقوة مع اقتراب موعد الانتخابات، حيث تشهد الساحة السياسية حركية مكثفة تتمثل في انتقال منتخبين وأعيان محليين من حزب إلى آخر بحثا عن تزكيات انتخابية أو رهانا على حظوظ أوفر للفوز.
في هذا السياق، قال نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، إن ظاهرة الترحال السياسي شكلت منذ ظهورها موضوع نقاش مستمر بين الفاعلين السياسيين، مشيرا إلى أن الأحزاب والمؤسسات عملت على إدخال تعديلات قانونية وتنظيمية هدفت إلى تأطير هذه الممارسة والحد من آثارها السلبية على الحياة السياسية.
وأوضح بنعبد الله، ضمن تصريح لهسبريس، أن القوانين الحالية ساهمت بشكل كبير في القضاء على الترحال السياسي خلال الولاية الانتدابية، مبرزا أن المنتخب لم يعد بإمكانه الانتقال من حزب إلى آخر بعد انتخابه كما كان يحدث في السابق، سواء داخل البرلمان أو المجالس المنتخبة.
وأضاف أن هذا التطور يمثل مكسبا مهما للممارسة الديمقراطية؛ إذ وضع حدا لحالات كانت تعرف انتقال منتخبين بين الأحزاب بعد أشهر قليلة فقط من فوزهم في الانتخابات، وهو ما كان يطرح إشكالات مرتبطة باحترام إرادة الناخبين.
غير أن الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية سجل أن الإشكال المطروح اليوم يتعلق أساسا بالفترة التي تسبق الانتخابات، حيث تنتهي الولايات الانتدابية ويصبح بعض المنتخبين راغبين في تغيير انتمائهم الحزبي، إما بسبب خلافات مع أحزابهم الأصلية أو بسبب عدم حصولهم على التزكية للترشح من جديد.
وذكر بنعبد الله أن هذه الوضعية تضع الفاعلين السياسيين أمام نقاش معقد يجمع بين مبدأ الحرية الفردية في اختيار الانتماء السياسي وبين ضرورة الحفاظ على الاستقرار والمصداقية داخل الأحزاب السياسية.
وأوضح أن بعض السياسيين يعتبرون أن من حقهم الانتقال إلى حزب آخر بعد انتهاء ولايتهم الانتدابية إذا لم يعودوا مقتنعين بخيارات حزبهم أو توجهاته، بينما يرى آخرون أن الالتزام الحزبي يقتضي الاستمرار إلى غاية نهاية المسار الانتخابي المرتبط بالولاية.
وأشار نبيل بنعبد الله إلى أن هذه الإشكالات تستدعي مزيدا من التفكير والتأطير القانوني والسياسي بما يضمن التوازن بين حرية الأفراد واحترام أخلاقيات العمل الحزبي.
من جانبه، اعتبر محيي الدين حجاج، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، أن الترحال السياسي يظل ظاهرة مسيئة لأصحابها وللممارسة السياسية عموما، خاصة عندما يتحول الانتماء الحزبي إلى مجرد وسيلة مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية وليس بالقناعات الفكرية أو البرامج السياسية.
وأوضح حجاج، ضمن تصريح لهسبريس، أن المشرع المغربي تدخل في مراحل سابقة للحد من هذه الممارسة، خصوصا داخل المؤسسات المنتخبة، حيث أصبح الترحال خلال الولاية الانتدابية يؤدي إلى فقدان المقعد الانتخابي، وهو ما ساهم في تقليص الظاهرة بشكل ملحوظ.
غير أنه أشار إلى أن التحدي الحالي يتمثل في الترحال الذي يسبق الانتخابات؛ إذ ترتفع وتيرة التنقلات الحزبية مع اقتراب موعد الاقتراع، الأمر الذي يعكس في كثير من الأحيان غلبة الحسابات الانتخابية على الاعتبارات السياسية والفكرية.
وأكد عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة القانونية والزجرية، بل تحتاج أيضا إلى مقاربة تربوية وأخلاقية داخل الأحزاب السياسية نفسها.
وأضاف أن الأحزاب مطالبة بالعمل على تكوين مناضليها وتعزيز ارتباطهم بمبادئها وبرامجها، حتى لا يصبح الحصول على التزكية الانتخابية هو المحدد الوحيد للاستمرار داخل التنظيم السياسي أو مغادرته.
وسجل محيي الدين حجاج أن بعض الممارسات الحالية تعكس تراجعا في مفهوم الالتزام الحزبي؛ إذ بات بعض الفاعلين السياسيين يتعاملون مع الأحزاب باعتبارها مجرد أدوات انتخابية قابلة للتغيير بحسب الظرفية والمصلحة السياسية.
The post بين الحرية والانضباط .. الجدل يتجدد حول "الانتماء الحزبي" في المغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.