بين التّفاهم والقوّة... كيف ستتعامل بغداد مع الفصائل الرّافضة لتسليم السّلاح؟
يُعدّ ملف السلاح خارج إطار الدولة واحداً من أكثر التحديات تعقيداً وحساسية أمام حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي التي وضعت حصر السلاح في صدارة أولوياتها السياسية والأمنية. ويُنظر إلى هذا الملف باعتباره اختباراً أساسياً لقدرة الحكومة على فرض سيادة القانون وتعزيز مؤسسات الدولة بعد سنوات طويلة من تعدد مراكز القوة المسلحة وتداخل الأدوار الأمنية والسياسية والعسكرية في العراق.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، والضغوط الأميركية والغربية المتواصلة لإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت وإخضاع جميع الفصائل العراقية المسلحة لسلطة الدولة، إضافة إلى تصاعد الأصوات الداخلية التي ترى أن استمرار وجود جماعات مسلحة تمتلك قرارها العسكري المستقل يشكّل تحدياً مباشراً لهيبة الدولة ويعرقل جهود الإصلاح السياسي والاقتصادي والاستثماري.
الحوار أولاً
ورغم إعلان عدد من القوى والفصائل استعدادها للتعاون مع مشروع حصر السلاح بيد الدولة والانخراط في ترتيبات أمنية وقانونية جديدة، فإن فصائل بارزة، من بينها "حركة النجباء" و"كتائب حزب الله"، أعلنت رفضها التخلي عن سلاحها، متمسكة بما تصفه باستمرار دور "المقاومة" وضرورة الاحتفاظ بقدراتها العسكرية خارج الأطر الرسمية.
ويضع هذا الموقف الحكومة العراقية أمام معادلة معقدة بين فرض القانون من جهة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة داخلية قد تكون لها تداعيات أمنية وسياسية واسعة من جهة أخرى.
وبحسب مصادر حكومية وسياسية عراقية لـ"النهار"، فإن حكومة الزيدي لا تتجه حالياً إلى إجراءات صدامية مباشرة، بل تفضّل استنفاد جميع المسارات السياسية والتفاوضية قبل الانتقال إلى خيارات أكثر تشدداً.
وتضيف المصادر أن قنوات حوار واتصالات غير معلنة لا تزال مستمرة بين أطراف حكومية وقوى سياسية نافذة والفصائل الرافضة للمبادرة، في محاولة للتوصل إلى تفاهمات تضمن معالجة الملف بأقل قدر ممكن من التوترات والارتدادات الأمنية.
وتوضح أن الحكومة تحظى بدعم داخلي وخارجي ملحوظ للمضي في مشروع حصر السلاح بيد الدولة، خصوصاً بعد إدراج هذا الهدف ضمن المنهاج الحكومي والتعهدات الرسمية لرئيس الوزراء. كما تسعى إلى تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف قبل نهاية العام الحالي، باعتباره معياراً رئيسياً لقياس نجاحها في فرض سلطة الدولة وتعزيز الاستقرار الأمني.

جميع الخيارات مطروحة
وتؤكد المصادر أن الحكومة "لا تستبعد اللجوء إلى إجراءات قانونية وأمنية أكثر تشدداً إذا استمرت بعض الفصائل المسلحة في رفض مبادرة حصر السلاح أو استخدامه للتأثير في قرارات الدولة ومؤسساتها". لكنها لا تزال تضع الحوار والتفاهم السياسي في مقدمة أدواتها لمعالجة الملف، إدراكاً لحساسية المشهد الأمني والسياسي وتعقيدات التوازنات الداخلية.
وتضيف أن "جميع السيناريوات تبقى مطروحة، بدءاً من الحلول التفاوضية وصولاً إلى تفعيل الإجراءات القانونية والتنفيذية التي تتيحها الدولة لفرض قراراتها وحماية سيادتها".
كذلك، تشير إلى أن الزيدي يتحرك مستنداً إلى غطاء سياسي أوسع مما كان متاحاً للحكومات السابقة، في ظل وجود دعم من قوى "الإطار التنسيقي" للمضي في ملف حصر السلاح، ما يمنحه هامشاً أكبر للمناورة واتخاذ القرار إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود.
بين التسوية وفرض القانون
من جهته، يقول الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية سيف رعد لـ"النهار" إن "الحكومة العراقية تمتلك مجموعة واسعة من الخيارات للتعامل مع الفصائل المسلحة الرافضة لمشروع حصر السلاح"، مشيراً إلى أن بغداد "لا تزال تفضّل المسار التفاوضي والسياسي، إلا أن استمرار الرفض قد يدفعها إلى إجراءات قانونية وأمنية أكثر صرامة".
ويوضح أن "الحكومة تدرك حساسية ملف السلاح خارج إطار الدولة وتعقيداته السياسية والأمنية، لذلك تعمل على استنفاد جميع قنوات الحوار والاتصالات مع الفصائل الرافضة سعياً إلى التوصل لتفاهمات تجنب البلاد أي توترات أو صدامات داخلية".
ويضيف رعد أن استمرار بعض الفصائل في رفض الانصياع لقرارات الدولة أو استخدام السلاح كورقة ضغط سياسية وأمنية سيضع الحكومة أمام استحقاق فرض القانون، خاصة أن مشروع حصر السلاح يمثل أحد أبرز الالتزامات التي أعلنتها حكومة الزيدي أمام الرأي العام والقوى السياسية والمجتمع الدولي.
ويؤكد الخبير الأمني العراقي أن اللجوء إلى القوة "لا يُعد الخيار الأول" بالنسبة إلى الحكومة، لكنه يبقى "أحد الخيارات المتاحة" إذا فشلت الحلول السياسية والقانونية الأخرى، "ولا سيما إذا اقترن الرفض بتهديد الأمن الداخلي أو تعطيل مؤسسات الدولة أو المساس بقراراتها السيادية".
ويختم بالقول إن الأشهر المقبلة ستكون "حاسمة في تحديد مستقبل هذا الملف"، إذ تسعى الحكومة إلى تحقيق تقدم ملموس قبل نهاية العام الحالي، فيما تترقب الأوساط السياسية والأمنية ما إذا كانت الحوارات ستقود إلى تسوية شاملة أم أن بغداد ستنتقل إلى خيارات أكثر حزماً لفرض احتكار الدولة للسلاح.