بين التفكيك والإسقاط: قراءة نقدية في جدل صلاة باب دكالة
في مشهد لم يخلُ من رمزية وتوتر، أثارت واقعة أداء مجموعة من اليهود “الحريديم” لطقوسهم الدينية قرب أسوار “باب دكالة” بمدينة مراكش نقاشًا واسعًا في الفضاء العام المغربي، سرعان ما انقسمت حوله المواقف بين من اعتبره ممارسة دينية عادية تدخل في نطاق حرية الاعتقاد، وبين من قرأه بوصفه فعلًا استفزازيًا في سياق سياسي مشحون، يتسم بتصاعد الغضب الشعبي من جرائم الإبادة الصهيونية في غزة واستمرار موجات التطبيع في المنطقة.
غير أن هذا الجدل، بدل أن يظل في حدوده الطبيعية المرتبطة بتعدد القراءات وتباين السياقات، انزلق في بعض الكتابات إلى بناء سردية مفرطة في التبسيط، تقوم على افتراض أن أي رد فعل ناقد للواقعة هو بالضرورة تعبير عن جهل مفاهيمي أو “وقوع في فخ الصهيونية”، وكأن المجال العمومي يعيش خارج تاريخه السياسي والوجدانى، وخارج ذاكرته الجماعية المثقلة بما يجري في فلسطين التاريخية.
إن أخطر ما في هذا النوع من المقاربات ليس دفاعها عن التمييز الضروري بين اليهودية والصهيونية –أو بينهما معًا وإسرائيل– فهذا مبدأ معرفي لا خلاف حول أهميته، بل في تحويل هذا التمييز إلى أداة لإلغاء كل قراءة سياقية، وكل حساسية سياسية أو أخلاقية تجاه حدث يقع في لحظة تاريخية محددة، وكأن المعنى لا يُنتج إلا في المختبر النظري، لا في الواقع الاجتماعي المتوتر.
الخلط بين التفكيك والتجريد
إن الدعوة إلى الفصل بين اليهودية كدين والصهيونية كمشروع سياسي، حين تُقدَّم في إطارها العلمي الرصين، تمثل إضافة ضرورية للنقاش العام؛ غير أنها حين تتحول إلى أداة لإسكات أي قراءة مغايرة، فإنها تنتقل من مستوى التفكيك النقدي إلى مستوى التجريد المخلّ، الذي يقتلع الوقائع من سياقاتها ويعيد تركيبها داخل نموذج ذهني مغلق.
فليس كل من قرأ الحدث باعتباره استفزازًا رمزيًا في سياق التطبيع والحرب على غزة يقع بالضرورة في فخ الخلط بين الدين والسياسة، كما أنه ليس كل من نبّه إلى خطورة هذا الخلط يمتلك تلقائيًا احتكار “الوعي الصحيح” أو “القراءة الوحيدة الممكنة”. إن اختزال المواقف إلى ثنائيات حادة من قبيل: (وعي/لا وعي، تفكيك/انخداع)، لا يخدم النقاش بقدر ما يعيد إنتاج منطق الإدانة المسبقة، ويحوّل الفضاء الفكري إلى ساحة فرز أخلاقي بدل أن يكون مجالًا لتحليل مركب للوقائع.
فالسياق لا يُلغى باسم المفهوم؛ أو لنقل إنه من الناحية المنهجية، لا يمكن فهم ردود الفعل التي رافقت واقعة باب دكالة خارج سياقها الأوسع، أي سياق يتسم بتوتر سياسي إقليمي، وبارتفاع منسوب الحساسية تجاه الرموز المرتبطة بالهوية الدينية حين تتقاطع مع قضايا استعمارية وسياسية ساخنة. إن المجتمعات لا تتفاعل مع الرموز بوصفها معطيات مجردة، بل بوصفها حوامل للذاكرة الجماعية والهوية والانتماء؛ وهو ما تؤكده الأنثروبولوجيا البنيوية عند “كلود ليفي ستروس”، حيث يكتسب الرمز معناه من موقعه داخل البنية الثقافية لا من دلالته المجردة فقط.
والمجتمعات تتفاعل مع الرموز بوصفها إشارات مشحونة بالذاكرة والتجربة والواقع السياسي. وبالتالي فإن قراءة أي فعل رمزي بمعزل عن هذا السياق لا تؤدي إلى “نزع التسييس”، بل إلى إنتاج تسييس من نوع آخر، أكثر تجريدًا وأقل قدرة على فهم الديناميات الاجتماعية الفعلية. إن تحويل كل اعتراض إلى مجرد “سوء فهم”، أو “انزلاق في الدعاية”، أو “نقص في المعرفة التاريخية”، هو في حد ذاته شكل من أشكال إلغاء الفاعلين الاجتماعيين وتقزيم دوافعهم، وكأنهم لا يتحركون إلا داخل حدود الجهل أو التلاعب، وليس داخل فضاء معقد من الوعي المتداخل بين الأخلاقي والسياسي والإنساني.
من يحتكر تعريف الوعي؟
إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل يجب الفصل بين اليهودية والصهيونية؟ فهذا سؤال محسوم في مستواه النظري، بل: من يملك حق تعريف “الوعي الصحيح” في قراءة الأحداث؟ وهل يُختزل الوعي في القدرة على إنتاج تمييز مفاهيمي دقيق، أم أنه يشمل أيضًا القدرة على إدراك ثقل السياق، وشرعية الحساسية الشعبية، وتعدد زوايا النظر داخل المجتمع الواحد؟
إن خطورة بعض الخطابات التي تتبنى لغة التفكيك المفاهيمي أنها قد تتحول –من حيث لا تقصد– إلى سلطة معرفية تعيد إنتاج الإقصاء، هذه المرة باسم “العقلانية”، بحيث يصبح كل اختلاف معها جهلًا، وكل قراءة أخرى انحرافًا عن الطريق.
نحو قراءة أكثر تركيبا
إن واقعة باب دكالة في جوهرها ليست اختبارًا لمدى قدرة المغاربة على التمييز بين اليهودية والصهيونية فقط، بل هي أيضًا اختبار لقدرة الخطاب الفكري نفسه على استيعاب تعقيد الواقع دون الوقوع في فخ الاختزال. فالمطلوب ليس الدفاع عن ردود الفعل الانفعالية، ولا تبني قراءة واحدة مغلقة، بل بناء أفق تحليلي يسمح بفهم كيف تتقاطع الرموز الدينية مع التوترات السياسية، وكيف تُنتج المعاني داخل سياقات مشحونة، دون تحويل هذا الفهم إلى أداة لإسقاط شرعية قراءة أخرى.
ليس الوعي الحقيقي هو الذي يعلن انتصاره بإلغاء الآخرين، بل الذي يستطيع أن يرى في اختلافهم جزءًا من الواقع، لا مجرد خطأ يجب تصحيحه؛ لأن الحق في الاختلاف يُعد من الشروط الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي، لأنه يضمن الاعتراف بالتعدد الثقافي والفكري والهوياتي، وهو ما تؤكده الفلسفات المعاصرة للغيرية عند “إيمانويل ليفيناس” التي تجعل احترام الآخر المختلف أساسًا للعلاقة الإنسانية.
الرموز داخل المجتمع لا تمتلك معنى واحدًا ثابتًا، بل تخضع لتأويلات متعددة تعكس تنوع الخبرات والانتماءات الاجتماعية والمنطلقات الفكرية؛ لذلك فإن الاختلاف في القراءة هو تعبير عن التعدد داخل البنية الاجتماعية نفسها. ومن منطلق الدفاع عن الطرح الحقوقي الجاد وبمنهج علمي –خصوصا عندما برزت أقلام أكاديمية تنتقد انتقاد واقعة صلاة باب دكالة بدعوى غياب الوعي وانعدام المعرفة التاريخية– أقدم التحليل التالي:
تفكيك البنية العقائدية لـ “ساتمار” و”نتوري كارتا”
في البداية، أنبه إلى أنني أتحدث عن جماعات يهودية دينية “حريدية”، وخاصة تلك التي حددها بعض الأكاديميين حين اعتبروا أن من قام بالصلاة قرب سور باب دكالة هم جماعة حريدية تسمى “ساتمار” (Satmar). والمؤكد تاريخيًا أن هناك جماعات حريدية معادية للصهيونية مثل “Satmar” و”نتوري كارتا” (Neturei Karta) شاركت أو حضرت في بعض الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل أو لـ “AIPAC”، خصوصًا داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ورفعت شعارات ضد الصهيونية أو ضد الحرب على غزة.
لكن هنا توجد نقطة مهمة جدا أغفلها البعض أو لم يتم التدقيق فيها بما يكفي: هناك فرق جوهري بين “معاداة الصهيونية” و”الانخراط في الحركة المؤيدة لفلسطين”.
طائفة “ساتمار” تعارض قيام دولة إسرائيل لأسباب دينية لاهوتية فقط، وترى أن إقامة دولة يهودية قبل مجيء المسيح مخالفة للإرادة الإلهية، وترفض الصهيونية لأنها “تمرد ديني”، لا لأنها مشروع استعماري استيطاني بالمعنى الحقوقي الحديث. لذلك، ليست كل مشاركاتهم في احتجاجات ضد إسرائيل تعني تبنيهم للسردية الفلسطينية التاريخية أو الحقوقية الحديثة. كما أن بعض قيادات “ساتمار” انتقدت جماعات يهودية متشددة شاركت بشكل مباشر في مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين أو متحالفة مع ناشطين راديكاليين؛ بل إن داخل الأوساط اليهودية نفسها يوجد تمييز بين “Antisioniste” (معادٍ للصهيونية) و”Pro-palestinian activist” (ناشط مؤيد لفلسطين)، وليسا الشيء نفسه دائمًا.
نقطة أخرى مهمة، هناك خلط يبدو متعمدًا أحياناً بين جماعة “ساتمار” وجماعة “نتوري كارتا”، رغم أن الجماعتين معًا لا يدعمان الحقوق المشروعة والتاريخية للشعب الفلسطيني بمفهومها المعاصر. فبينما تظهر “نتوري كارتا” أكثر انخراطًا علنيًا في التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين والتحالفات مع الحركات المناهضة لإسرائيل، إلا أنها تنطلق أساسًا من دافع ديني-عقدي، وليس من منطلق تأييد حركة تحررية فلسطينية بالمعنى السياسي المباشر، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من اختزاله في سبب واحد. فالجماعة ترى، وفق تفسيرها للتوراة والتلمود، أن إقامة دولة يهودية قبل “مجيء المسيح” تمثل تمردًا على الإرادة الإلهية. لذلك فهي تعتبر الصهيونية مشروعًا سياسيًا دنيويًا حوّل اليهودية من دين إلى قومية سياسية؛ ومن هنا يأتي رفضها لإسرائيل ومشاركتها أحيانًا في مظاهرات داعمة للفلسطينيين أو مناهضة للحرب.
لكن في المقابل، هناك عدة مستويات لفهم هذا الموقف:
دينيًا: تعتبر الجماعة أن اليهود يجب أن يعيشوا في المنفى بانتظار الخلاص الإلهي، لا عبر مشروع قومي مسلح أو دولة قومية.
أخلاقيًا/إنسانيًا: بعض رموزها يعبّرون عن رفض قتل المدنيين والحصار والحروب، ويرون أن ما يقع على الفلسطينيين ظلم لا يمكن تبريره دينيًا، دون أن يعبروا بالضرورة عن موقف سياسي يدعم حق التحرر الفلسطيني التاريخي.
هوياتيًا: تحاول الجماعة أيضًا التمييز بين “اليهودية” و”الصهيونية”، حتى لا يُختزل اليهود كلهم في سياسات الدولة الإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن هذه الجماعة تُنتقد حقوقيًا وأخلاقيًا لأنها –رغم معارضتها العقائدية للصهيونية– لا تذهب إلى إدانة واضحة وشاملة لكل الانتهاكات الواقعة على الفلسطينيين كشعب واقع تحت الاحتلال، بل تركز على البعد الديني المتعلق بشرعية الدولة دينيًا.
أما “ساتمار”، فهي معادية للصهيونية بوضوح لكنها أكثر تحفظًا وانغلاقًا، وبعض أجنحتها لا تحب الظهور داخل الحركات الاحتجاجية المختلطة أو التحالف مع ناشطين غير يهود، ولا يمكن تصويرها كفاعل مندمج بالكامل في النضال الحقوقي المناصر لفلسطين؛ لأن الواقع أكثر تعقيدًا وتناقضًا. فـ”ساتمار” تعادي الصهيونية ودولة إسرائيل أساسًا من منطلق ديني لاهوتي، وليس انطلاقًا من تصور حقوقي/تحرري للقضية الفلسطينية، وترى أن إقامة دولة يهودية قبل مجيء “المسيح المنتظر” مخالفة للإرادة الإلهية، على اعتبار أن الصهيونية تمرد ديني والدولة الإسرائيلية مشروع غير شرعي دينيًا. وهم لا يتبنون خطاب التحرر الوطني الفلسطيني، أو يدافعون عن حقوق الإنسان بالمعنى السياسي الحديث، أو يتبنون رؤية ديمقراطية/علمانية للصراع. ينضاف إلى ذلك كون مجموعة مهمة من “الحريديم” و”ساتمار” تستوطن أحياء بالقدس قريبة من باب المغاربة، فلا يمكن لمستوطن يستفيد من الأرض والامتيازات أن يعادي الصهيونية كمشروع سياسي مادي، رغم المعارضة العقدية التي قد تخدم إسرائيل نفسها في نهاية المطاف.
براغماتية “ساتمار” الوظيفية
رغم خطابها العقائدي الراديكالي ضد إسرائيل، فإن “ساتمار” عمليًا بنت مؤسسات اقتصادية وتعليمية ضخمة داخل الولايات المتحدة، واستفادت من قوانين الدولة الحديثة، وتفاوضت أحيانًا مع السلطات الإسرائيلية لحماية مصالح “الحريديم”، وموّلت جماعات حريدية داخل إسرائيل رغم رفضها للدولة نفسها. وهنا يتحدث بعض الباحثين عن “براغماتية وظيفية” أو “براغماتية اضطرارية”، بمعنى وجود رفض عقائدي للدولة الصهيونية يقابله تعامل واقعي مع وجودها الفعلي.
السؤال الآن: هل يجب التمييز بين الصهيونية الدينية والحركات الدينية اليهودية المعادية للصهيونية؟
الجواب يجب أن يأخذ بالاعتبار –إلى جانب ما قُدم سابقًا– السياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية. وما دمت قد حددت منذ البداية تجنب تحويل الفضاء الفكري إلى ساحة فرز أخلاقي بدل أن يكون مجالًا لتحليل مركب للوقائع، فإنني أذهب، من الناحية التاريخية والدينية، إلى فكرة الأرض الممتدة “من نهر مصر إلى نهر الفرات” المرتبطة بالسردية التوراتية الكبرى لبني إسرائيل، والتي تشمل الخروج من مصر، دخول “الأرض الموعودة”، قيام المملكتين العبرانيتين، ثم السبي البابلي والمنفى.
فالعبارة نفسها جزء من تصور ديني أقدم يتعلق بـ “العهد الإلهي” أو الأصل الأقدم، أي عهد إبراهيم، والعبارة تظهر أولًا في سفر التكوين (Book of Genesis) ضمن الوعد الممنوح للنبي إبراهيم: “لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات” (التكوين 15:18)، دون الخوض في الاختلاف حول تفسير النهر. أي أن الفكرة أقدم من موسى والخروج من مصر والسبي البابلي؛ ففي السردية التوراتية، يمثل الخروج من مصر التحرر، ثم التيه، ثم دخول “أرض الميعاد”، وهنا تتحول الأرض من وعد ديني لإبراهيم إلى مصير جماعي لبني إسرائيل؛ لذلك أصبح الخروج من مصر خطوة مركزية نحو تحقيق الوعد.
ثم جاء السبي البابلي بعد سقوط مملكة يهوذا وقيام الأسر البابلي (Babylonian captivity)، وفجّر أزمة كبرى حسب الرواية الدينية: كيف يُنفى “شعب الوعد” من الأرض التي وُعد بها؟ من هنا تعمقت فكرة الحنين للأرض وانتظار العودة والخلاص الإلهي، وفي فترة السبي وما بعدها أُعيد تفسير كثير من النصوص الدينية بصورة روحية ونبوئية ومسيحانية.
ما علاقة هذه السردية بالصهيونية والحريديم؟
الصهيونية الحديثة أخذت هذه الذاكرة الدينية التاريخية: (الخروج-المنفى-العودة-أرض الميعاد)، ثم أعادت تحويلها إلى مشروع قومي سياسي حديث؛ بينما الجماعات الحريدية مثل “Satmar” ترى أن المنفى والسبي جزء من إرادة إلهية، والعودة لا يجوز فرضها سياسيًا قبل الخلاص الرباني، وتعبر عن هذه الفكرة في إطار ديني عقائدي منغلق ومتشدد ومناهض للمشروع الصهيوني دنيويًا، دون تبني الحق الفلسطيني المشروع إنسانيًا وسياسيًا.
سياق التطبيع وتوقيت الصلاة الرمزي
يبقى سياق التطبيع كأحد أبرز دوافع رفض الصلاة قرب السور؛ فتسمية “اتفاقات أبراهام” (Abraham Accords) حملت بعدًا رمزيًا، ودينيًا، وسياسيًا واضحًا. الاسم يحيل إلى النبي إبراهيم باعتباره شخصية مشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام، والهدف السياسي المعلن هو تقديم التطبيع باعتباره “مصالحة بين أبناء إبراهيم”، لا مجرد تحالف سياسي؛ أي تحويل العلاقة من علاقة مصالح ظرفية إلى سردية حضارية/دينية/تاريخية.
هل لهذا علاقة بالصهيونية؟ نعم بالتأكيد؛ لأن استعمال الرمز الإبراهيمي يمنح بعدًا تاريخيًا ودينيًا لوجود إسرائيل، ويُخرجها من كونها مجرد دولة حديثة نشأت في سياق استعماري وصراعي، إلى كونها جزءًا من “تاريخ مشترك” و“إرث إبراهيمي”. وهذا يخدم السردية الصهيونية التي تسعى إلى ربط المشروع الإسرائيلي بشرعية دينية وتاريخية أوسع، ويحول حرب الإبادة التي تقودها إلى ما يشبه “الدفاع عن النفس”. فالتطبيع المدعوم بالصهيونية الدينية العقائدية (الاستيطانية/المسيحانية) يوظف الرموز الدينية لإضفاء الشرعية السياسية والدبلوماسية. ينضاف إلى ذلك أن اتفاقات أبراهام كانت بالأساس مشروعًا جيوسياسيًا رعته الإدارة الأمريكية المحافظة السابقة بهدف إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بما يخدم أمن إسرائيل.
الاسم لم يكن بريئًا ثقافيًا، لأنه استثمر الرمز الديني، وخفف من مركزية القضية الفلسطينية، وأعاد تقديم إسرائيل كجزء “طبيعي” من المجال الإبراهيمي/الشرق أوسطي. والصلاة في باب دكالة لم تكن أيضًا بريئة؛ لأن يوم 21 أبريل 2026 كان يوافق في إسرائيل مناسبة رسمية تُسمّى “يوم هازيكارون” (Yom HaZikaron)، وهو يوم إحياء ذكرى الجنود الإسرائيليين الذين قُتلوا في الحروب، وكذلك ضحايا العمليات المسلحة، ويبدأ مع غروب شمس 20 أبريل وينتهي مساء 21 أبريل. كما أن مساء 21 أبريل 2026 كان يمثل بداية احتفالات “يوم هعتسماؤوت” (Yom Ha’atzmaut)، أي الذكرى الثامنة والسبعين لإعلان قيام دولة إسرائيل سنة 1948 بحسب التقويم العبري.
وبما أن التاريخ العبري لذلك اليوم كان 4 أيار 5786، فإن الانتقال عند الغروب إلى 5 أيار 5786 يحمل رمزية كبيرة في إسرائيل؛ لأن 5 أيار عبري هو التاريخ المرتبط بإعلان قيام الدولة في الذاكرة الرسمية الإسرائيلية.
فما يهمني كفاعل حقوقي وسياسي يؤمن بالقضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية، هو أن من يختار الصمت تجاه إبادة شعب –سواء بدافع براغماتي أو عقائدي– يتماهى موضوعيًا مع الأطروحة الصهيونية، وهذا ما تفعله الجماعات الدينية خطأً أو عمدًا، سواء من فئة “الحريديم” أو “الحسيديم”.