بين الانتقام الإمبراطوري الصِّيني ودُنُوِّ نهاية الزَّمن الأمريكي

يعيش العالمُ اليومَ ضمن سياقِ تحوِّلاتِ النِّظام الدولي في ظلِّ أزمة الزَّمن الأمريكي، وتضعضع العولمة الليبرالية بوجهها البائس، والتي عمَّقت اختلالات توزيع القوَّة والثروة، وهي لحظةٌ دوليةٌ تتَّسم بسيولةٍ جيوسياسية، وتغيُّراتٍ عميقةٍ في بِنية النظام الدولي، الأبرز فيها هو هذا الصُّعود الصِّيني من داخل أزمة العولمة ذاتها، فقد استفادت الصِّين من الانفتاح الاقتصادي ونقل التكنولوجيا، دون التورُّط في النَّمط القيمي والمؤسَّسي الغربي، وهو ما أهَّلها للطموح إلى استعادة موقعها التاريخي دون التَّمَاهِي مع الآخر.

وقد ألَّف الكاتب الفرنسي “آلانباور” كتابه: “الصِّين: انتقام الإمبراطورية” في فيفري 2026م، وهو كتابٌ جديرٌ بالدِّراسة التحليلية، وقد قدَّم الدكتور “كريم الماجري” قراءةً نقديةً له بمجلة “لباب” للدراسات الاستراتيجية في عددها 30 لشهر ماي 2026م، وهي الدورية المحكَّمة التي يصدرها مركز الجزيرة للدراسات، والذي يتحدَّث فيه عن ثلاثة مستويات مترابطة، وهي: استمرار الصِّين ببُعدها الإمبراطوري، ومشكلة الغرب في فهم الصُّعود الصِّيني، وأدوات القوة الصِّينية، وتحوِّلها إلى مؤثِّرٍ حقيقيٍّ في إعادة تشكيل النِّظام الدَّولي الجديد، وتغيير موازين القوَّة فيه.
ويشير مصطلح “انتقام الإمبراطورية” إلى الاستراتيجية طويلة المدى التي تبَنَّتها الصِّين الحديثة لاستعادة مكانتها العالمية، عبر استراتيجية “الصُّعود بصمت”، وذلك ردًّا على ما يُعرف تاريخيًّا بقرن الإذلال (1842م– 1911م)، والذي مثَّل نهاية النِّظام الإمبراطوري الصِّيني سنة 1912م، والذي دام ألفي عام على يد القوى الغربية.
ويتحدَّث الكتاب عن الصِّين بوصفها قوَّةً دوليةً صاعدةً، استطاعت توسيع مفهوم الإمبراطورية وتوظيف أدوات العولمة في تعزيز موقعها، والتركيز على تضخيم التماسك الاستراتيجي لها، ممَّا جعلها ظاهرةً متعدِّدة الأبعاد، جمعت في تركيبتها بين الامتداد التاريخي والجغرافي إلى التنافس الحضاري العميق، وعملت على التوفيق بين “مركزية الدولة” و”إحياء منطق الإمبراطورية” في شكلٍ جديد، وفرضت أسئلةً جوهريةً حول طبيعة القوة وحقيقة التحوُّلات الدولية، فأصبحت عنوانًا بارزًا في الثأر من الغرب، ولكن بنَفَسٍ طويل وصبرٍ استراتيجيٍّ لافت، يؤكِّد على تلك الفلسفة الأبدية، وهي أنَّ العلاقات الدولية هي المجال الحيوي للتنافس الدائم بين الكتل الحضارية.
ولا تزال مشكلة الغرب عمومًا وأمريكا خصوصًا في فهم “الظاهرة الصِّينية” داخل حقل العلاقات الدولية تكْمُن في اختزالها في مفهوم الدولة القومية بالمعنى الغربي الحديث كأداةٍ تفسيرية لها، وكأنها فاعلٌ حديثٌ نشأ في إطار النظام الدولي الحالي، في حين تتجلَّى الحقيقة في فهم السُّلوك الصِّيني في اعتماد مفهوم “الإمبراطورية” ككيانٍ تاريخيٍّ ممتد، جعلها تجمع بين السِّيادة والانخراط في العولمة، وبين المركزية السِّياسية والانفتاح الاقتصادي، وبين المرونة في السِّياسة الخارجية وتوظيف الذَّاكرة التاريخية والبُعد الحضاري المتميِّز لها.
ويرى الكاتب أنَّ الصِّين لا تنظر إلى العولمة كنظامٍ قيميٍّ متماسك، بل هي مجردُ فضاءٍ مفتوحٍ للأدوات والاستراتيجيات، فهي ماهرةٌ في توظيف العولمة دون الخضوع إلى منطقها المعياري، وهي تؤمن بأنَّ هذه العولمة ليست نموذجًا غربيًّا متجانسًا في السِّياسة والاقتصاد كما تحاول تسويقَها الأدبياتُ الليبرالية، بل هي فضاءٌ لنقل التكنولوجيا والمعرفة، وفتح الأسواق للفاعلين والمنافسين، وهو ما وضعها ضمن أنموذج “العولمة الانتقائية”، فتتبنَّى ما يقوِّي بُعدها الاقتصادي، وترفض ما يمسُّ بخصوصيتها الحضارية، وتقاوم ما يهدِّد تماسك نظامها السِّياسي.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post بين الانتقام الإمبراطوري الصِّيني ودُنُوِّ نهاية الزَّمن الأمريكي appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk