بين الارتباك والتشويق .. نظرة إلى الإنسان بعيون المخرج ألفريد هيتشكوك

في قلب سينما المخرج الإنجليزي ألفريد هيتشكوك، لا يبدأ السؤال من الجريمة ولا من اللغز، ولكن من تلك اللحظة الخفية التي يشعر فيها الإنسان بأن الخوف يسكن داخله مثل ظل لا يغادره. فما الذي يحدث عندما يتحول الارتباك الإنساني إلى لغة بصرية، وعندما يصبح التردد الذي يسبق الفعل هو نفسه مادة التشويق؟ وهل كان هيتشكوك يصنع أفلاماً عن المجرمين حقاً، أم كان يصنع أفلاماً عن الإنسان وعن نفسه، حين يكتشف فجأة أنه أقل شجاعة مما كان يعتقد؟ وهل الجبن مجرد ضعف عابر، أم أنه البوابة التي يدخل منها المخرج هيتشكوك إلى أعماق النفس البشرية حيث يسكن القلق والارتياب الذاتي؟

في هذا العالم السينمائي، لا يقف البطل منتصباً مثل محارب أسطوري، بقدر ما يظهر مرتبكاً، متردداً، خائفاً من خطوة قد تغيّر مصيره. ولا تواجه شخصيات هيتشكوك الخطر بثقة، ولكنها تنظر إليه بعينين مرتجفتين. في فيلم Vertigo / “دوار”، يقول سكوتي وهو يحدق في الفراغ: «لا أستطيع… هناك شيء في الأعماق يسحبني إلى الأسفل». وفي لحظة أخرى من عالم هيتشكوك، يهمس بطل فيلم “النافذة الخلفية”: “نحن ننظر إلى شيء لم يكن علينا أن نراه”.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، ليس من الجريمة، وإنما من الارتعاشة التي تسبقها. ومن تلك اللحظة التي يصبح فيها الخوف اعترافاً صامتاً بضعف الإنسان. ولعل المخرج هيتشكوك نفسه لخص سر هذا العالم حين قال: «الخوف هو الشعور الوحيد الذي لا يحتاج إلى تمثيل». وهنا تتحول السينما إلى مرآة للقلق الإنساني، ويتحول الجبن إلى جماليات مشتعلة بالتوتر والسؤال.

تحويل الجبن إلى لغة سينمائية

يُنظر إلى المخرج ألفريد هيتشكوك بوصفه أحد أعظم صناع التشويق في تاريخ السينما، غير أن قراءة أكثر عمقاً لشخصيته وأفلامه تكشف وجهاً آخر أقل بريقاً وأكثر إنسانية، وهو وجه القلق والجبن الداخلي الذي كان يلازمه منذ طفولته. فلم يكن الجبن هنا بمعناه الأخلاقي البسيط، وإنما كان خوفاً وجودياً من العالم ومن السلطة ومن الفوضى الكامنة في النفس البشرية. وهذا الخوف تحوّل عند هيتشكوك إلى مادة فنية، وإلى لغة سينمائية صنعت أسطورة الرجل الذي جعل الجمهور يعيش الرعب وهو جالس في مقعده المريح داخل قاعة السينما.

ولد هيتشكوك في بيئة محافظة في لندن (13 غشت 1899)، وكان يروي دائماً حادثة تركت أثراً عميقاً في نفسه حين أرسله والده إلى مركز الشرطة حاملاً رسالة صغيرة إلى الشرطي. وبعد قراءة الرسالة، وضع الشرطي الطفل داخل زنزانة لبضع دقائق قائلاً له: «هذا ما يحدث للأطفال السيئين». ومنذ تلك اللحظة، كما كان يقول لاحقاً، زرعت داخله خوفاً دائماً من السلطة ومن العقاب؛ لذلك لم يكن غريباً أن تتحول فكرة الرجل البريء المطارد إلى واحدة من أكثر الثيمات حضوراً في سينماه.

ويظهر الجبن في أفلامه بوصفه رد فعل إنساني طبيعي أمام الخطر. ولا يمكن اعتبار أبطال هيتشكوك محاربين شجعاناً، فهم أشخاص عاديون يجدون أنفسهم فجأة في قلب الكوابيس المزعجة. وفي فيلم Psycho / “سايكو” (1960)، تتحول امرأة عادية إلى ضحية لرعب غير متوقع داخل فندق منعزل. وفي فيلم Rear Window / “النافذة الخلفية” (1954)، نجد بطلاً عاجزاً جسدياً يراقب الجريمة من خلف نافذته، خائفاً من التدخل ومفتوناً في الوقت نفسه بفضول المراقبة. وأما في فيلم Vertigo / “دوار” (1954)، فإن البطل يعاني رهاب المرتفعات، وهو خوف جسدي يتحول إلى استعارة نفسية عن العجز والضعف أمام الهوس العاطفي.

ويعترف هيتشكوك بنفسه بأن الخوف جزء من طبيعته، إذ يقول في إحدى مقابلاته الشهيرة: «أنا مليء بالمخاوف، ولهذا أصنع أفلاماً عن الخوف». وفي مكان آخر يصرح: «الرعب الحقيقي لا يأتي من الوحوش، بل من الإنسان العادي عندما يجد نفسه في موقف غير عادي». وهذه الرؤية جعلت من أفلامه مختبراً نفسياً يكشف هشاشة الإنسان أمام المجهول.

وقد قرأ النقاد بدورهم هذا البعد في سينماه بوصفه مفتاحاً لفهم عالمه الفني. وقد كتب الناقد والمخرج الفرنسي فرنسوا تريفو، الذي أجرى معه حواراً طويلاً أصبح لاحقاً كتاباً مرجعياً، أن «سينما هيتشكوك هي سينما الخوف الداخلي، حيث يتحول القلق الشخصي للمخرج إلى بنية سردية كاملة». وأما الناقد البريطاني ديفيد تومسون (David Thomson) فقد اعتبر أن “هيتشكوك لم يكن مخرجاً للرعب فقط، بل كان مخرجاً للجبن الإنساني، لذلك تبدو شخصياته دائماً على حافة الانهيار”.

وهذا التحويل الفني للجبن إلى جماليات سينمائية يظهر أيضاً في أفلام أخرى مثل The Birds / “الطيور” (1963)، حيث يهاجم الغموض الطبيعة نفسها، وفي فيلم North by Northwest / “شمالاً نحو الشمال الغربي” (1959)، حيث يصبح رجل عادي هدفاً لمطاردة دولية لا يفهم أسبابها. وفي كل هذه الأعمال الفيلمية، نجد الإنسان العادي وقد أُلقي فجأة في عالم لا يمكن السيطرة عليه.

وهكذا، لم يكن الجبن في عالم هيتشكوك ضعفاً أخلاقياً بقدر ما كان مادة درامية عميقة. لقد فهم المخرج البريطاني هيتشكوك أن الخوف جزء أصيل من التجربة الإنسانية، وأن السينما قادرة على تحويل هذا الخوف إلى تجربة جمالية مشتركة؛ لذلك بقيت أفلامه حتى اليوم تذكيراً بأن الشجاعة ليست دائماً في مواجهة الخطر، ولكنها أحياناً فن الاعتراف بأننا نخاف.

الجبن كجماليات في سينما هيتشكوك

في عالم المخرج هيتشكوك، لا يظهر الجبن بوصفه ضعفاً أخلاقياً أو نقصاً في الشجاعة، بقدر ما هو تحول إلى عنصر جمالي وإلى آلية سردية تمنح أفلامه توترها الخاص. ويدرك هيتشكوك أن الإنسان العادي ليس بطلاً خارقاً، وأن أكثر لحظات الدراما صدقاً هي تلك التي يظهر فيها الفرد مرتبكاً وخائفاً أمام الخطر. ولذلك بنى سينماه على فكرة بسيطة لكنها عميقة: الخوف هو أكثر المشاعر إنسانية، ومن خلاله يمكن كشف هشاشة النفس البشرية.

وكان يقول في إحدى عباراته الشهيرة: «الخوف هو العاطفة الأكثر صدقاً، لأنه لا يمكن تمثيله بسهولة». وبهذا المعنى، لم يكن الجبن في أفلامه مجرد سمة للشخصيات، وإنما بنية بصرية وسردية، حيث الكاميرا تتحرك ببطء، ويتباطأ الإيقاع، وتطول اللقطة حتى يصبح التوتر نفسه مادة جمالية يعيشها المتفرج. وهنا يتحول القلق إلى لغة بصرية وسينمائية.

وفي فيلم “النافذة الخلفية”، يصبح البطل عاجزاً عن الحركة بسبب إصابة في ساقه. أمام الملل والضجر، يظل يراقب من نافذته ويشاهد الجريمة من بعيد، متردداً وخائفاً من التدخل. ولا يُقدَّم هذا العجز/الكسر بوصفه ضعفاً درامياً، بقدر ما يتحول إلى مصدر للتشويق، حين يقول البطل في لحظة قلق: “أشعر أننا ننظر إلى شيء لا يجب أن نراه”. وهنا يتحول التردد إلى طاقة سردية، ويصبح الجبن نفسه محركاً للأحداث.

ويظهر الأمر نفسه في فيلم Vertigo / “دوار”، حيث يعاني المحقق من رهاب المرتفعات. وهنا يتحول الخوف الجسدي إلى بناء بصري مذهل، إذ يستخدم هيتشكوك حركة الكاميرا الشهيرة التي تُعرف بـ«الزووم المعكوس» ليجعل المتفرج يشعر بالدوار نفسه. وكأن المخرج يقول إن الجبن ليس فقط حالة نفسية، وإنما تجربة حسية يمكن للسينما أن تجعلنا نعيشها.

أما في فيلم Psycho / “سايكو”، فإن الرعب ينبع من لحظة يومية عادية. امرأة تدخل الحمام، والماء ينهمر بهدوء، ثم ينفجر العنف فجأة. وهنا يصبح خوف الضحية جزءاً من تصميم المشهد نفسه ومن سينما هيتشكوك حينما يصفها: “لا أصنع أفلام رعب، بل أصنع أفلام تشويق، والفرق أن الرعب يحدث فجأة، أما التشويق فيجعل الجمهور يعيش الخوف دقيقة بعد دقيقة”.

وقد رأى النقاد في هذه المقاربة مفتاح عبقرية هيتشكوك. فقد كتب الناقد والمخرج فرنسوا تريفو: “هيتشكوك هو المخرج الذي جعل من الخوف فناً بصرياً”. بينما أشار الناقد ديفيد تومسون إلى أن “أبطال هيتشكوك ليسوا شجعاناً، إنهم أشخاص عاديون يكتشفون فجأة أنهم أضعف مما كانوا يعتقدون”.

وبهذا المعنى، يتحول الجبن في سينما هيتشكوك إلى جماليات كاملة. إنه ليس مجرد موضوع داخل القصة، بقدر ما هو أسلوب في الإخراج، وبنية في الصورة، وبناء في المشاهد، وإيقاع في السرد. ويصبح الخوف هنا فناً، ويتحول الإنسان المرتبك إلى مرآة يرى فيها المتفرج نفسه، وهو يكتشف أن السينما قادرة على تحويل أكثر مشاعرنا هشاشة إلى تجربة جمالية مدهشة.

ختاماً

تكشف سينما ألفريد هيتشكوك أن الجبن ليس عيباً إنسانياً بقدر ما هو مرآة للقلق الذي يسكن أعماق الإنسان. وتكمن الإشكالية التي تطرحها أفلامه في أنها لا تتعلق بالجريمة وحدها، ولكن بالسؤال الأكثر إرباكاً: ماذا يحدث حين يكتشف الإنسان هشاشته أمام الخطر؟ وكيف يمكن للخوف أن يتحول إلى قوة جمالية تولّد التشويق والمعنى؟ وهنا تصبح السينما مختبراً للنفس البشرية. وكأن شخصياته تهمس في العتمة مثل بطل Vertigo / “دوار”، وهو يواجه الفراغ: “الخوف ليس في السقوط… بل في الشعور بأنك قد لا تستطيع التمسك بشيء ينقذك”.

The post بين الارتباك والتشويق .. نظرة إلى الإنسان بعيون المخرج ألفريد هيتشكوك appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress