بين الإنجاز السياسي واختبار التنفيذ... إسرائيل تراهن على الاتفاق الإطاري مع لبنان
أثار الاتفاق الإطاري الموقّع بين لبنان وإسرائيل، والذي يضم 14 بنداً وملحقاً أمنياً سرياً بإشراف الولايات المتحدة، تفاعلاً واسعاً في إسرائيل، حيث تراوحت المواقف بين اعتباره إنجازاً سياسياً وأمنياً قد يفتح الباب أمام إنهاء الحرب، والتحذير من أن نجاحه سيبقى رهناً بمرحلة التنفيذ، في ظل الشكوك بقدرة الدولة اللبنانية على تطبيق التزاماتها، ورفض إيران و"حزب الله" الاتفاق.
إنجاز سياسي أم تنازل جديد؟
قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق بوصفه "إنجازاً سياسياً"، معتبراً أن أبرز ما حققه هو "اعتراف لبنان بحق إسرائيل في إقامة منطقة عازلة والبقاء فيها ما استمر التهديد الأمني". كما رأى أنه يشكل ضربة لإيران و"حزب الله"، بعدما فشلت محاولاتهما، بحسب تعبيره، في فرض انسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان.
وسار وزير الطاقة إيلي كوهين في الاتجاه نفسه، واصفاً الاتفاق بأنه "إنجاز تاريخي" و"ضربة قاسية جداً لإيران وحزب الله"، معتبراً أنه يؤسس لشراكة بين لبنان وإسرائيل لتفكيك سلاح الحزب. لكنه أقر في الوقت نفسه بأن نزع السلاح لن يتحقق سريعاً، قائلاً إنه لا يتوقع حصول ذلك "غداً أو بعد غد".
في المقابل، انتقد زعيم المعارضة يائير لابيد الاتفاق، معتبراً أن نتنياهو "وافق مجدداً على الانسحاب من الأراضي اللبنانية من دون الحصول على أي مقابل، ومن دون تحقيق فصل بين الساحتين الإيرانية واللبنانية".
ضغوط أميركية وكواليس التفاوض
وبعيداً من السجال السياسي، ركزت وسائل الإعلام الإسرائيلية على الظروف التي أحاطت بولادة الاتفاق، قبل الانتقال إلى تقييم فرص نجاحه والعقبات التي قد تواجهه.
وكشفت القناة "12" الإسرائيلية أن الاتفاق لم يكن ثمرة تفاهمات سهلة، بل جاء بعد "مفاوضات مكثفة وضغوط سياسية مارستها الإدارة الأميركية عبر ثلاثة مسارات متوازية شملت الاتفاق الإطاري، والملحق الأمني، واتفاقية الانسحاب، وتوزعت بين مسارين أمني وسياسي".
وأضافت أن "الخلافات اتسعت بعد تمسك نتنياهو والرئيس اللبناني جوزف عون بمواقفهما حيال حدود الانسحاب ومناطقه، ما دفع واشنطن إلى تمديد المفاوضات بعدما تعذر تضييق الفجوات بين الجانبين".
وبحسب القناة، أجرى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ثماني مكالمات مع نتنياهو والقيادة اللبنانية، مؤكداً أن إنجاز الاتفاق يمثل أولوية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيما أبلغ الأميركيون الوفدين اللبناني والإسرائيلي أن تأجيل التوقيع لم يعد خياراً مطروحاً.
كذلك، تحدث التقرير عن مكالمة وصفت بـ"الحاسمة" بين السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر ونتنياهو وعدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين، شهدت توتراً بعدما رفض لايتر تحفظات نتنياهو وطالبه بالموافقة على الاتفاق.
وفي ما يتعلق بالملحق الأمني، أفادت قناة i24 News الإسرائيلية بأنه "يسمح للجيش الإسرائيلي بالعودة إلى المناطق التي ينسحب منها إذا استدعت الظروف الأمنية ذلك"، وهو بند تعتبره وسائل إعلام إسرائيلية من أبرز الضمانات التي أصرت تل أبيب على تضمينها الاتفاق.
اختبارات التنفيذ
من جهته، رأى المحلل السياسي في صحيفة "إسرائيل اليوم" يؤآف ليمور أن تاريخ العلاقات الإسرائيلية - اللبنانية "حافل باتفاقيات لم تحقق نتائج تُذكر"، لذلك يبقى من غير الواضح كيف سينفذ الاتفاق الجديد. واعتبر أن نجاحه يعتمد بدرجة كبيرة على إدارة ترامب، مضيفاً أن "الاتفاق يبدو جيداً من الناحية النظرية، لكن طريق تنفيذه طويل وشاق، فيما تشير التجارب السابقة إلى أن فرص نجاحه محدودة".
وحدد ليمور ثلاثة تحديات رئيسية تواجه الاتفاق. أولها احتمال مطالبة الجيش الإسرائيلي بالانسحاب سريعاً من جنوب لبنان، بما قد يسمح لـ"حزب الله" بإعادة بناء حضوره في المناطق التي سيخليها الجيش.
أما التحدي الثاني فيرتبط، بحسب ليمور، بـ"قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ التزاماته"، إذ تخشى إسرائيل، استناداً إلى تجارب سابقة، أن ينجز "جزءاً من المهمة فقط"، بما يتيح للحزب العودة تدريجياً إلى المنطقة.
ويتمثل التحدي الثالث في مسألة فصل الساحة اللبنانية عن إيران، إذ ينص الاتفاق على رفض لبنان استخدام أي دولة أو جهة غير تابعة للدولة القوة نيابة عنه، وهو ما يراه ليمور إقراراً بأن النفوذ الإيراني يضر بالمصالح اللبنانية.
لكن ليمور يعتبر أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي يتمركز حالياً شمال قلعة الشقيف في محيط بلدة كفرتبنيت، حيث أقام "حزب الله"، وفق تقديره، بنية تحتية مركزية للقيادة والسيطرة باستثمارات إيرانية كبيرة، بينما يمنع الاتفاق إسرائيل من التحرك منفردة ضد هذه المواقع.
وأضاف أن إيران ستسعى، على الأرجح، إلى "الحفاظ على حزب الله ودعمه"، مستفيدة أيضاً من مفاوضاتها مع الولايات المتحدة في محاولة للتأثير في الاتفاق، فيما يبقى التحدي الأميركي، وفق رؤيته، قائماً على الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني.

ثغرات تقلص فرص النجاح
بدوره، رأى المحلل الأمني في "يديعوت أحرونوت" رونين بيرغمان أن الاتفاق يفتقد عناصر أساسية "قد تحد من فرص نجاحه"، وفي مقدمها "غياب جدول زمني واضح للتنفيذ، وعدم تحديد آلية صريحة لمراقبة وقف إطلاق النار، فضلاً عن اعتماده على قدرة الحكومة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها"، رغم التجارب السابقة التي أظهرت محدودية قدرتها على نزع سلاح "حزب الله".
وأشار أيضاً إلى أن "الحزب ليس طرفاً في الاتفاق، بل أعلن رفضه له، وهو ما يزيد الشكوك بشأن إمكانية تطبيق بنوده".
وربط بيرغمان الاتفاق بنهج أوسع تتبعه الحكومة الإسرائيلية الحالية، معتبراً أن "ما جرى في لبنان يشبه ما حدث في غزة، حيث اقتصرت التفاهمات على ترتيبات مرحلية من دون تفكيك حركة حماس أو إنشاء سلطة بديلة، وكذلك مع إيران، بعدما انتقل الحديث عن إزالة التهديد النووي بالكامل إلى مفاوضات تمتد 60 يوماً من دون معالجة ملفي الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي".
وخلص إلى أن الحكومة الإسرائيلية انتقلت عملياً من شعار "النصر المطلق" إلى "سياسة إدارة الصراع عبر اتفاقات مرحلية، تقوم على وقف إطلاق النار، والانسحاب التدريجي، وآليات للرقابة والتنفيذ، ووعود مستقبلية بنزع السلاح، من دون ضمان تحققها على الأرض".
الرهان على التنفيذ
ورأت المحللة السياسية في صحيفة "معاريف" آنا بارسكي أن الاتفاق "يمثّل إنجازاً ديبلوماسياً لنتنياهو، ويمنح إسرائيل شرعية للبقاء في جنوب لبنان"، إلا أنها اعتبرت أن الوثيقة قد تتحول إلى "إطار جديد لإدارة التوتر" ما دام "حزب الله" لم يسلم سلاحه.
وأضافت أن السؤال الذي رافق لبنان منذ اتفاق الطائف، مروراً بالقرار 1701، ووصولاً إلى وقف إطلاق النار عام 2024، لا يزال قائماً، وهو "من سيتولى نزع سلاح حزب الله؟".
وتتقاطع معظم القراءات الإسرائيلية عند خلاصة واحدة، وهي أن الاتفاق قد يحقق مكاسب سياسية وأمنية على الورق، لكن نجاحه سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها، وبكيفية تعامل إيران و"حزب الله" مع المرحلة المقبلة.