بين 200 و1000 دولار شهرياً... المخيمات الصيفية تتحدّى الهواجس الأمنية
مع اقتراب انتهاء العام الدراسي وإقفال المدارس أبوابها، يبدأ كثيرون من الأهالي رحلة البحث عن مخيّم صيفي يوفّر لأطفالهم الترفيه والأمان في آن واحد. لكن هذا الصيف يبدو مختلفاً. فبين المخاوف الأمنية والضغوط الاقتصادية، تطرح أسئلة ملحّة: هل المخيّمات الصيفية آمنة؟ من يراقب حسن سير العمل فيها؟ وهل باتت تكلفتها فوق قدرة العديد من العائلات؟
يقول ألكسندر، الذي سجّل ابنه في أحد المخيّمات في مقابل 670 دولاراً لشهرين، إن بعض المؤسسات المعروفة تتجاوز رسومها الألف دولار، لكن المعيار الأساسي بالنسبة إليه يبقى الأمان والموثوقية أكثر من التكلفة "لأن ما فينا نسلّم ولادنا لمين ما كان".
أما مريم، وهي أم لطفلين، فتشير إلى أنّ بعض الأهالي بات يكتفي بتسجيل أولاده لشهر بدلاً من شهرين للتوفير، فيما تتجاوز التكلفة الإجمالية لبعض العائلات ألف دولار بين التسجيل والنقل والنشاطات الإضافية، ما دفع كثيرين إلى عدم تسجيل أبنائهم أساساً.
من يتحمّل المسؤولية؟
يوضّح الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر أنّ هناك نوعين من المخيّمات الصيفية. "الأول تنظّمه المدرسة مباشرة ويكون تحت رعايتها ومسؤوليتها الكاملة، وهو الأقل انتشاراً. أما النوع الآخر، وهو الأكثر شيوعاً، فتتولاه شركات خاصة تستأجر المدرسة أو تعقد اتفاقات معها لتنظيم المخيّم داخل حرمها، وعندها تقع المسؤولية على المؤسسة المنظمة".
ويشرح أنّ المدرسة المنظِّمة ملزمة تأمين التلامذة وتطبيق شروط السلامة والأمن كما خلال العام الدراسي. أما في حال كانت الجهة المنظِّمة شركة خاصة، فتتحمّل هي المسؤولية كاملة، فيما تُحدَّد شروط السلامة والأمن والمسؤوليات بوضوح في العقود الموقّعة مع المدرسة. ويشدّد على أنّ الظروف الحالية تتطلب وعياً إضافياً لناحية اختيار الوجهات والتنقلات، لأن البلاد لا تزال تمرّ بظروف غير آمنة.
أما عن الأسعار، ففي كسروان، البعيدة إلى حد كبير عن أصوات المسيّرات، تراوح أسعار المخيّمات الصيفية بين 400 و500 دولار للطفل لمدة شهرين. ويؤكد العاملون في القطاع أنّ الأسعار لم ترتفع إلا بنسبة بسيطة. كما تشير إحدى العاملات في أحد المخيّمات إلى أنّ الإقبال لا يزال جيداً، وخصوصاً من الأهالي العاملين الذين يبحثون عن مكان لأطفالهم خلال ساعات العمل. أما البرامج هذا العام فشهدت تقليصاً للرحلات الخارجية وانصبّ التركيز على النشاطات الزراعية والتثقيفية والأشغال الفنية.
في المقابل، تبدو الصورة مختلفة في خلدة القريبة من أصوات المسيّرات والانفجارات في الضاحية الجنوبية لبيروت. إذ يقول المسؤول عن المخيّم الصيفي في مدرسة "غراند هيلز كولدج" إن الأسعار في المنطقة تراوح بين 800 و900 دولار، فيما حُدّد سعر المخيّم لديهم بـ200 دولار شهرياً مراعاةً للأوضاع المعيشية، مع المحافظة على الرحلات والنشاطات الخارجية.

ويضيف: "لم أكن أنوي افتتاح المخيّم هذا العام لولا إصرار عدد من الأهالي الذين اعتادوا أسلوبنا في التعامل مع أطفالهم. ورغم الأسعار المقبولة نسبياً، لا تزال المخاوف الأمنية والنفسية تؤثر على الإقبال". كما يؤكد أنّ المؤسسة تعتمد تأميناً لدى إحدى كبريات شركات التأمين في لبنان، وتختار وجهات قريبة وآمنة في بيروت لتجنّب أي مخاطر أو تنقلات طويلة.
وإلى بعبدا، تشير المسؤولة عن المخيّم الصيفي في المعهد الأنطوني كلود غاوي إلى أنّ الأسعار هذا العام ارتفعت بنسبة 15% فقط، لتبلغ 450 دولاراً لمدة سبعة أسابيع. وتوضح أنّ الأهالي، ولا سيما العاملين منهم أو العائدين من السفر، ما زالوا يسجلون أبناءهم ليمنحوهم أجواء مسلّية في بيئةٍ مناسبة رغم الظروف. وتلفت إلى أنّ التعامل مع أصوات الغارات والمسيّرات بات جزءاً من الخبرة اليومية للمشرفين الذين يعرفون كيفية احتواء مخاوف الأطفال والتصرف عند أي طارئ. كما جرى تعديل برنامج الرحلات هذا العام واختيار وجهاتٍ أكثر أماناً كتلك القريبة من نهر الكلب وكسروان، مضيفةً: "كنت مترددة في افتتاح المخيّم، لكن إصرار الأهالي دفعنا إلى الاستمرار، فكما استمر العام الدراسي يحق للأطفال أيضاً التمويه في المخيمات الصيفية والإبتعاد عن الالعاب الإلكترونية والأخبار السلبية".
وبين مخاوف الأمن وتفاوت الأسعار، تختصر المخيّمات الصيفية صورة لبنان بأكمله. بلدٌ يتردّد فيه بعض الأهالي في إرسال أبنائهم إلى الامتحانات الرسمية بسبب الهواجس الأمنية، فيما يسارع آخرون إلى تسجيلهم في المخيّمات الصيفية بحثاً عن فسحة حياة وسط الضجيج اليومي للأزمات. بلدٌ يعاني من اضطراب ثنائي القطب، معلّقاً بين الخوف والرغبة في الحياة، بين آثار الحرب ومحاولات الاستمرار، وبين أطفال يستعدون لصيف مليء بالنشاطات، وآخرين لا يزالون ينتظرون عودة الحياة إلى طبيعتها...