بيكاسو... بيكاسو... ما هو سرُّك؟ (6 من 7)
جمهورُ الفن التشكيلي قسمان حيال بيكاسو (1881-1973): قسمٌ يُحبّ في فنِّه تعدُّدَ الأَنواع وغناها، والقسم الآخر يَجده شَوَّهَ الوُجوه والأَجساد بأَشكاله الغريبة الصادمة. سوى أَنه، بين المعجبين والمنتقدين، ما زال يسير شُهرةً في الزمان، حاضرًا بثباتٍ من جيلٍ إِلى جيل.
في الحلقات الخمس السابقة من هذه السُباعية، مهَّدتُ بنبْذةٍ عن نشأَة بيكاسو ومطالعه، ومجيئه من إِسبانيا إِلى باريس التي غيَّرَت في نهجه وأُسلوبه وكان لها تأْثير عليه، كتأْثير المسرح والموسيقى على مسيرته، وسردتُ علاقاته الشخصية الخاصة مع 7 نساء، وعلاقاته المهنية التي ساعدت على اتساع شهرته.
في هذه الحلقة (قبل الأَخيرة) أَكشف عن أَحداث تاريخية عاشَها وطبعَت أَعماله.
الحرب العالمية الأُولى (1914-1918)
الجوّ الثقافي المتحوِّل في باريس، إِبان الحرب العالمية الأُولى، كان له تأْثير بالغٌ على بيكاسو شخصًا ونتاجًا. فهو في تلك السنوات الأَربع بدأَ يرسم بين أُسلوبَين تشكيليَّيْن بيِّنَيْن: التكعيبيّ والتعبيريّ. فغرَفَ من منابع قديمة في النتاج الإِغريقي القديم وجدرانيات بومبايي، ومن أعلام فرنسيين معاصرين مثل نيكولا بوسّان وجان أوغست دومينيك إِنغرز، ثم اشتقَّ أُسلوبًا خاصًّا به جمع بين التراث القديم وطلائع الحداثة العصرية. من هنا اختط النيو-كلاسيكية (الكلاسيكية المُحْدَثة) وكانت رائجة في أُوروبا ومعروفة بتسمية "العودة إِلى الانتظام".

الحرب الأَهلية الإِسبانية (1936-1939)
يرى نقاد وخبراء كثيرون أَن لوحة "غيرنيكا" (1937) أَكثر لوحةٍ في التاريخ منتفضةٍ ثائرة ضد الحرب. فهي بحجمها الضخم (349 x 776 سنتم) شهادة صارخة من الرعب الذي جال بويلاته الرهيبة على الشعب الإِسباني الأَعزل المقهور إِبان الحرب الأَهلية الإِسبانية. وأَكثر: رأَى فيها البعض ارتقابًا مسْبَقًا لِما سيحصل من ويلات وكوارث ومآسٍ آتية في الحرب العالمية الثانية (1939).
صحيح أَن موضوع اللوحة كان قصف الجيش النازي المدنيين العُزَّل على مدينة غيرنيكا (26 نيسان/أَبريل 1937) في مقاطعة الباسك شماليّ إِسبانيا، لكنها كانت صرخة عظيمة ضدّ أَهوال الحرب، أَيِّ حرب، في أَيِّ مكان من العالم. رسمها بيكاسو بطلب من الحكومة الجمهورية في إِسبانيا كي تعرضها في الجناح الإِسباني من معرض باريس الدولي. وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية (أَيلول/سبتمبر 1939) أَعارها بيكاسو إِلى متحف الفن الحديث في مانهاتن - نيويورك لحفْظها من القصف في فرنسا. وسنة 1958، جدَّد الإِعارة "إِلى أَن تستَتِبَّ الديمقراطية في إِسبانيا". ولم تعُد "غيرنيكا" إِلى وطنها إِلَّا سنة 1981، ولا تزال حتى اليوم لدى متحف الأَميرة صوفيا في مدريد مقصد الزوار والسياح والنقاد والدارسين.

الحرب العالمية الثانية (1939-1945)
في حزيران/يونيو 1940، بعد أَقل من عام (أَيلول/سبتمبر) على بداية الحرب العالمية الثانية، احتلَّ الجيش الأَلماني معظم مناطق فرنسا، والباقية منها وقعَت تحت نظام فيشي وحاكِمه المارشال بيتان. لذا هرب بيكاسو وعشيقتُه دورا مار إِلى روايان (مدينة بحرية على الشاطئ الأَطلسي من فرنسا). لكنَّ المدينة وقعت لاحقًا تحت سيطرة جيش هتلر. ولم يشأْ بيكاسو مغادرة وطن إِقامته والسفر إِلى الولايات المتحدة، فقرَّر المخاطرة وبقي في باريس حتى نهاية الاحتلال الأَلماني.

مع أَن أَعماله فترتذاك لم تكن تروق للحُكْم النازي، وكانت لوحته "غيرنيكا" صرخةً قويةً أَصبحت رمزًا لتحدّي النظام النازي، بقي بيكاسو خارج الملاحقة والاعتقال، وواصل وضع لوحاته بزخْم، يرسم فيها أَدواتٍ وأغراضًا مما يرى حوله، ووجوهًا لِمن يحبُّهم من النساء والأَصدقاء. وفي تلك الفترة أَيضًا أَنتج تماثيلَ ومنحوتاتٍ بالرغم من صعوبة حصوله على المادة النحتية بسبب الحرب. وفي هذا يقول: "لم أَرسم مشاهد من الحرب، فأَنا لست مصوِّرًا فوتوغرافيًّا يلاحق الأَحداث ليلتقط منها وفيها مشاهدَ ومناظر. لكنني أَدخلتُ الحرب في لوحاتي، ولاحقًا قد يجدُها المؤَرخون والنقَّاد ويرَون أَن أُسلوبي تغيَّر تحت تأْثير الحرب. كيف تغيَّر؟ أَنا لا أَدري. لعلَّهم يكتشفون".
الحلقة المقبلة (الأَخيرة): أَهم المواد التي استعملها بيكاسو في لوحاته ومنحوتاته