بيروت…قصيدة تبحث عن واقع

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

جان - مارك زغيب

 

أنا الجدارُ الذي عبرتْ عليه أقدامُ الزمن، الوجهُ الحجريُّ الذي اتّكأ عليه تعبُ مدينةٍ تأبى أن تُستنزف أو تُختزل أو تموت. أقفُ هنا منذ نصف قرن، على الحافة التي تفصل بيروت عن شفير الهاوية وعن فجرٍ يتكرّر بلا كلل، أشهدُ حكايتها كما يستعيد عاشقٌ ملامحَ محبوبٍ غاب دهوراً ثم عاد، يعود مثخناً بالجراح، مثقلاً بالغياب، لكنّه ما يزال يملك تلك الفتنة التي لا يستطيع الخراب محوها، ولا يمكن للتاريخ أن يطمس هيبتها مهما تناسلت ندوبها.

لا أكتبُ بصدعٍ من غضب، ولا أحدثُكم بلغةِ الجدران الباردة التي لا تنبض، بل أتكلّم بصوت مدينةٍ تشهقُ بالحياة وهي تقف على شفير العدم، مدينةٍ تتقنُ المفارقة، وتُجيدُ أن تُوازِنَ بين الظلام والضياء من دون أن ترتجف. أنا جدار بيروت… ولستُ حجراً. أنا ذاكرةٌ حيّة من لحمٍ وإسمنتٍ وندى، ذاكرةٌ مرسومةٌ بسنن الفقد، مشغولةٌ بخيوط الصبر، ومنقوشةٌ بالأسى، بالدهشة، وبعناد أسطوريّ يصنع من الهشاشة هالةً من الخلود.

كنتُ طفلاً يوم كانت بيروت تضحك. كان الضوء يرقص فوق بلاط الأزقّة كأنه نشيدُ فرحٍ يتجسّد، وكان خبزُ الصباح يفيض عطراً من أفرانٍ تعرف ملامح روّادها، وتدرك أسماءهم وهمومهم وأمنياتهم. كنتُ أتنفّس ضحكات الأطفال المتعجّلة قبل المدرسة، ووشوشةَ الراديو المبشّر بيومٍ جديدٍ لا يعرف الخيبة، ويشتبه في أن الأقدار تختزن في جعبتها عاصفةً تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.

كنتُ جداراً غضّاً في زقاقٍ ينبض بالمبهج، أسمع نشيد الخبز حين ينهض من أفرانٍ يزدحمون بين جدرانها، وأستقبل دندنات الراديو وهي تنفض عن الصباح نعاسه. لم أدرِ آنذاك أن المدن، كالأرواح الهشّة، قد تنام على وسادةٍ من نار، وأن الضحك مهما كان صافياً، يظلّ ظلّاً قابلاً لأن يُطفأ فجأة.

ثم جاءت الحرب… لا كحدثٍ عابر، بل كزلزالٍ يخضّ الروح، ويخرّب اليقين، ويبتلع الألوان.
سقطت أوّل رصاصة على وجهي، فخلتُها مطراً معدنيّاً. لكن المطر لا يحدث في الحجر رجفة الجسد المذعور، ولا يحمل في صوته نبرة الذعر التي تغيّر ملامح الكون وتقلب الألفةَ وحشاً متربصاً. تعلّمتُ آنذاك أن للصراخ رائحة، وللخوف ظلّاً، وأن المدن حين تبكي، تغدو الشرفاتُ كهوف الناجين، والجدران نعوشاً معلّقة على وجه الهواء. كنتُ أرفع بصري إلى السماء الممزّقة بالدخان، وأتساءل بدهشة عاجزة: هل هذه هي بيروت التي وُلدتُ عليها؟ بيروت التي كانت تفتح نوافذها على صوت فيروز، وتضحك صباحاً على الرغم من الجرح كأنها تصالح الوجع على مهل، وتحمل صوت وديع الصافي كجبلٍ لا تنحني قمّته أمام الريح؟ 
منذ تلك اللحظة، صار لي وللصراخ شكل، وللهرب طعم، وللخوف جسد يتجوّل بين الأزقّة، حوّلني من جدار بيتٍ متّزن إلى جدار حربٍ منهك، أحمل فوق إسمنتي ذاكرة مدينةٍ تتشظّى كقلبٍ مفجوع.

انتهت الحرب… لكنها لم تنتهِ في وجهي. رمّموني، صبغوا ندوبي بطبقة ثخينة من الطلاء الأبيض، وقالوا: "ليبدأ زمنٌ جديد". لكن الأبيض لم يكن سلاماً… كان كفناً أرادوا به دفن الذاكرة، دفن الحقيقة، دفن صمت المدن التي لا تموت لكنها تتألم، محاولة قسرية لطمس التصدّع من دون فهم عمقه، ولإخفاء الجراح من دون قدرة على التخلّص من ألمها.

وحين خمدت المدافع، جاؤوا إليّ بأيدٍ تمسك المطرقة، وأخرى تُمسك المال، وأخرى تحاول تحسين الظن بالمستقبل. رمّموني، طَلوني، رتّقوا شقوقي، وقالوا أيضاً: "انتهى الماضي". لكن الماضي لا ينتهي… إنه يسكن الشقوق القديمة كما تسكن الأسرار ليلَ الذاكرة.

نهضت بيروت من بين الركام كامرأة ترفض أن تعتذر إلى الحياة عن جمالها. عاد الضوء، عادت الموسيقى، عادت الأسواق التي تشبه الأعياد، حتى أنا… شعرت للحظة أنني جدارٌ من نسيج الفرح، أشارك المدينة طقوس ولادتها الثانية، وأنّ الندوب مهما اشتدّت، يمكن أن تُزهر فوقها ابتسامة عابرة. عُلّقت فوقي لافتات المتاجر ببهرجها، وامتزجت لغات السائحين بنبض الشوارع. بدوتُ واجهةً مُضيئة لمدينة تتدرّب من جديد على ابتسامةٍ مُتعبة. لكن تحت الطلاء الأبيض… كانت الندبة تنبض كقلبٍ لا يريد أن يُشفى.

طال الزمن، ومع كل فصل، كانت الشقوق تعود تحت الطلاء الأبيض، كأنّ الذاكرة ترفض أن تُمحى. كنت أسمع دقّاتٍ غريبة في داخلي، كأن قلبي الحجريّ يتفتّت شيئاً فشيئاً، وكان كلّ جزءٍ يتساقط مني يشبه دمعةً تنحدر من عين بيروت نفسها. وفي ليلة خريفية كئيبة، اقتربت يدٌ صغيرة مرتعشة… وكتبت على وجهي: كلّن يعني كلّن. لم أفهم السياسة، لكنّي فهمت الوجع. فهمت أنّ العبارة ليست شعاراً، بل مرثيّة مدينةٍ ضاقت حتى انفجرت، صرخةُ جيلٍ يبحث عن هواءٍ نقيّ وسط دخان الخيبات. ارتجفتُ كما لم أرتجف منذ الحرب. شعرت كأن أحداً أعاد إليّ صوتي المسروق، كأنّي صرتُ مرآةً لحنجرة هائلة تريد أن يسمعها العالم، وأدركت أنّ الجدران مهما صمتت، تصبح لسان مدينة حين تُكمّم أفواه البشر.

ولكن كما يحدث دائماً، جاءت أيدٍ أخرى… مسحت العبارة. حاولوا أن يُسكتوا الصوت كما مُحي الكثير قبله. تألّمت… لأن إسكات الحجارة لا يؤدي إلا إلى صراخٍ أكبر، وأن الحقيقة مهما مُحيت، تعود أشدّ لمعاناً وأكثر إصراراً على أن تُقال.

ثم جاء الرابع من آب… اليوم الذي توقف فيه الزمن، وتحوّلت بيروت إلى جرحٍ مفتوح على الكون. لم يكن انفجاراً… كان انهداماً للوجود، شرخاً في صميم الروح، وصدمةً شبيهة بقيامة نزلت مباغتة بلا ملاك ولا بوق. في السادسة والدقيقة السابعة، لم أسمع صوتاً… سمعت صراخاً بلا صوت، ورأيت النوافذ تتشظى كطيور مذعورة، وشعرت بنصف وجهي يتفتّت، كأن المدينة خرجت من جسدي تبحث عن خلاصٍ مستحيل. غطّاني الغبار ككفن باهت، وكان الناس يمرّون أمامي كأطياف: امرأة تبكي، رجل يبحث عن ابنه، طفلة تحمل دمية بلا ذراع. كنت أراهم… وأكتفي بأن أنزف بصمت. نعم… الجدران تبكي. تبكي من الداخل.

وفي صباحٍ يشبه بداية كتاب جديد، اقترب طفل بريء من ضجيج السياسة وطبقات التاريخ، ورسم فوق ندبي فراشة صغيرة. لم يفهم الهدم… لكنه فهم الحياة. أعاد إليّ أجنحتي من دون أن يقصد. هل تعرف ما معنى أن يبتسم طفل لجدارٍ مشقّق؟ معناه أن المعجزة ممكنة، أن المدن مهما انكسرت، تستطيع أن تحلم، تنهض، تتنفّس، وتبعث الحياة من رمادها مرّة بعد أخرى بلا كلل.

اليوم… بعد كل ما رأيته، بعد أن مرّت على وجهي أمم من الأسى، أقف وأقول: أنا جدارٌ من حجارة، لكنني أحمل قلب مدينة. مدينة تنهض من الرماد كالفينيق، وتبتسم رغم الاختناق، وتصرخ رغم الصمت، وتحب رغم الخيبة، وتحوّل ندوبها إلى أجنحة لا تُهزم، وتجعل من سقوطها طقوساً للعودة، ووجعها أساساً لنهضة لا تهدأ.

أنا جدار بيروت. إن سقطتُ، سأعود. وإن انكسرتُ، سألتحم. وإن مُسحت كتابتي ألف مرة، سيأتي طفل آخر… ويعيد إليّ أجنحتي. فبيروت على الرغم الحرب والانفجار والانكسار، ما زالت تصنع معجزتها اليومية: أن تبقى واقفة… حتى حين تنهار. سلامٌ عليكِ يا بيروت، يا مدينة الوجع والضياء، يا مدينة تكتب تاريخها فوق وجهي، وأكتب أنا عبر ندوبي يقين قيامتها القادمة لا محالة. مدينة لا تنطفئ، ولا تستسلم، بل تنهض من عمق الهاوية لتعلن كلّ يوم أن الحياة لا تهزم.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية