بيروت عائدة عاصمة المنطقة مصرفياً وجامعياً وطبياً وسياحياً

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

*عماد جودية

 

عام 1977، وكنت في العشرين من عمري، رافقت والدي في زيارته للرئيس إلياس سركيس في القصر الجمهوري، بعد أشهر على انتخابه. خلال هذه الزيارة أعطاني كتيبا يتحدث عن قيام "شرق أوسط جديد" في المنطقة، يضم الدول العربية وإلى جانبها ثلاث دول إقليمية هي إيران وتركيا وإسرائيل. الكتيب لا تتعدى صفحاته العشر، تتوسطها صفحة عليها رسم دائري يضم أسماء دول المنطقة العربية والإقليمية الثلاث، تتوسطها بيروت عاصمة مالية، وأمام اسم كل دولة شرح مقتضب لقدراتها الاقتصادية.

 

يتحدث الكتيب عن أن الشرق الأوسط الجديد هذا سيبصر النور مع تحقيق التسوية الشاملة المنتظرة في المنطقة والتي تؤدي إلى إنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي عبر قيام دولة فلسطينية بحدود الJ1967 والانسحاب من الجولان ومزارع شبعا وبعض الأراضي الحدودية الجنوبية المحتلة.  

 

سألت "عمّو الياس" كما كنت أخاطبه بحكم الصداقة الكبيرة التي كانت تربطه بوالدي، عن الجهة التي أعدت هذا الكتيب. فأجابني بلا تردد: "اللوبي اليهودي الأميركي، وتاريخه يعود إلى العام 1972". سألته كيف تكون بيروت العاصمة المالية للشرق الأوسط الجديد المزمع قيامه، وهي خارجة من حرب سنتين أرهقتها وأرهقت معها البلد على كل المستويات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وباتت في حاجة إلى إعادة إعمار وسطها التجاري بعد تدميره وإقفال المصارف أبوابها؟ أجابني بلا تردد أيضا: "رغم حرب السنتين وما تعرضت له بيروت من تدمير لوسطها التجاري، لا تستطيع أيّ عاصمة عربية ومعها طهران واسطنبول وتل أبيب أن تأخذ مكانها أو تؤدي دورها الريادي على المستويات المصرفية والمالية والاقتصادية والتربوية والصحية والسياحية في المنطقة، نظرا إلى الميزات التي تتمتع بها، وتفتقدها عواصم المنطقة. ولهذا لم يخترها واضعو هذا الكتيب لتكون العاصمة المالية للشرق الأوسط الجديد إلا لاقتناعهم الراسخ بأن لا قدرة لأي عاصمة عربية أو إقليمية على أن تأخذ مكانها في الشرق الأوسط.

 

هذه الواقعة رويتها خلال عشاء أقامه المدير العام لبنك عودة الصديق سمير حنا في منزله في الأشرفية على شرف رئيس الحكومة يومها الدكتور سليم الحص عام ١٩٩٨، في حضوري، إذ كنت يومذاك المستشار الخاص لدولته، وفي آن معا مستشار العلاقات العامة في بنك عودة إلى جانب الصديقين رياض سلامة وريمون عودة ومعهما نجيب ميقاتي وزير الأشغال يومها.

 

الرئيس الحص علّق على الموضوع قائلا: "أنا والوزير فؤاد بطرس تعرفنا إلى عماد خلال غداء أقامه الرئيس سركيس على شرف والده في منزله عام 1976، أي قبل انتخابه بأشهر، وكان لا يزال حاكما لمصرف لبنان، وكنت أنا رئيسا للجنة الرقابة على المصارف. وكان والد عماد شخصية وطنية فذة أدت دورا محوريا وأساسيا في استقلال لبنان وسوريا بصفته ضابطا في جيش الانتداب الفرنسي، إضافة إلى دوره البطولي خلال معركة المالكية عام 1948 في مواجهة عصابات الكيان الغاصب".

 

وتابع الرئيس الحص: "عطفا على ما سمعه عماد من الرئيس سركيس، فأنا أوافق كليا على ما قاله الأخير، إذ ما من عاصمة في المنطقة سواء كانت عربية أو إقليمية تستطيع أن تأخذ دور بيروت المتقدم، حتى ولو تراجع هذا الدور قليلا بحكم ظروف الحرب الأهلية التي عاشتها طوال خمس عشرة سنة، ورغم ما عاناه لبنان من أزمات سياسية وحروب خارجية. فبيروت تتمتع بأربع مزايا لا تتمتع بها أطلاقا أيّ عاصمة، هي: 

أولا- النظام الاقتصادي الحر الذي يتميز به لبنان عن سائر اقتصادات العالم العربي والمنطقة، والذي يعطي القطاع الخاص حركة كبيرة وقدرة على الاضطلاع بدور أساسي في استنهاض اقتصادات المنطقة عبر اللبنانيين المنتشرين فيها، الأمر الذي تفتقده معظم العواصم العربية التي لا وجود فيها للقطاع الخاص، باستثناء إسرائيل. 

 ثانيا- الحرية التي تغلف حياتها العامة والسياسية والإعلامية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، وهي حرية مصونة بالدستور، وتشمل حرية المعتقد وحرية العمل السياسي والحزبي والاقتصادي، الأمر الذي تفتقده كل العواصم العربية والإقليمية باستثناء تل أبيب.

ثالثا- التحصيل العلمي العالي للبنانيين نظرا إلى أهمية مدارسهم وجامعاتهم التي تضاهي بمستواها التربوي المتقدم مستوى المدارس والجامعات الغربية والعالمية. وهذا المستوى العلمي الرفيع للبنانيين، إضافة إلى سعة ثقافتهم، هو الذي خولهم أداء دور أساسي في النهضة العمرانية والاقتصادية والتربوية والثقافية والسياحية التي شهدتها الدول العربية، ولا سيما الخليجية منها.     

رابعا- تعدد اللغات عند غالبية اللبنانيين، فابن الخامسة يدخل المدرسة وهو يتقن من أهله العربية والفرنسية والإنكليزية، وهذا ما تفتقده معظم العواصم العربية والإقليمية وحتى معظم عواصم العالم.

 

رياض سلامة من جهته، اعتبر أن "اقتصاد المعرفة" الذي يميز بيروت ويعزز حضورها في العالم العربي والمنطقة والعالم، هو قيمة مضافة مع المزايا الأربع التي أشار إليها الرئيس الحص، والتي تجعل من بيروت العاصمة التي لا مكان فيها لليأس والإحباط، حتى وهي تنزف، مما يميزها عن عواصم المنطقة، لأن التحصيل العلمي لأبنائها هو الأساس والمعيار الأول عند غالبية العائلات اللبنانية، ما يفسح المجال أمام اللبنانيين للنهوض من الركام كطائر الفينيق. 

 

أما ريمون عودة فعلّق: "لأن دور بيروت الجامع والشامل هو الذي يميز عمل اللبنانيين في الداخل وفي بلاد الانتشار، أخذ بنك عودة على عاتقه دعم المتفوقين دراسيا عبر تأمين المنح الدراسية لدعم التفوق العلمي الدراسي والجامعي، والسهر على الإنجازات التي يحققها النجاح اللبناني في الداخل والخارج". 

 

عرضت هذه الوقائع لأقول إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أثبتت صحة ما سمعته شخصيا من الرئيس الياس سركيس عام 1977، وما قاله الرئيس سليم الحص والحاكم رياض سلامة وريمون عودة خلال العشاء عام 1998، عن بيروت، التي رغم حزنها وجراحها وآلام أبنائها عائدة لتكون مدرسة المنطقة وجامعتها ومستشفاها وفندقها ومصرفها. ومن ينظر إلى رودولف سعادة رجل الأعمال الفرنسي من أصول سورية ولبنانية ينمّي حجم استثماراته في لبنان رغم الأوضاع الصعبة التي يعيشها البلد نتيجة حرب إسرائيل عليه، يدرك إلى أين يذهب لبنان، وما ستكون عليه بيروت مستقبلا من موقع متقدم على كل الصعد، في العالم العربي خصوصا وفي المنطقة عموما بعد التسوية الشاملة المنتظرة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية