بوليتيكو: تمسك الشعوب بسيادتها يقود سياسات ترامب الخارجية إلى نتائج عكسية
اعتبر المحرر التنفيذي لشؤون أميركا الشمالية في موقع "بوليتيكو"، ألكسندر بيرنز، أن أحد أبرز الأخطاء في مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسياسة الخارجية يتمثل في سوء تقديره لقوة النزعة الوطنية وتمسك الشعوب بسيادتها، رغم أن هذه القيم نفسها كانت أساس صعوده السياسي داخل الولايات المتحدة.
واستهل بيرنز مقاله بالإشارة إلى أن الإعجاب بترامب في الخارج لا يعني القبول بالمساس بالسيادة الوطنية أو الحدود، مؤكداً أن الرئيس الأميركي بدا وكأنه افترض أن الدول الأخرى ستستجيب بسهولة للضغوط الأميركية، متجاهلاً أن الشعور القومي الذي استثمره سياسياً داخل بلاده حاضر أيضاً لدى شعوب أخرى مثل الكنديين والأوكرانيين والإيرانيين.
ويرى الكاتب أن ترامب، الذي اشتهر بالدفاع عن القومية الأميركية وتعزيز مفهوم السيادة الوطنية، انتقل خلال ولايته الثانية إلى اتباع نهج أكثر تشدداً تجاه الدول الأخرى، بما في ذلك حلفاؤه التقليديون من التيار المحافظ، وهو ما أفرز توترات سياسية غير متوقعة.
وبحسب المقال، فإن هذا الأسلوب أدى إلى نتائج معاكسة لأهداف ترامب، سواء على صعيد الملفات التجارية أو العسكرية، كما أضعف علاقاته مع شخصيات وأحزاب يمينية كانت تُعد من أقرب الحلفاء له على الساحة الدولية.
#Analysis#
كندا مثالاً
ويستشهد بيرنز بالعلاقة مع كندا بوصفها مثالاً واضحاً على ذلك، إذ لم تؤدِ تهديدات الرسوم الجمركية أو تصريحات ترامب التي وصف فيها كندا بـ"الولاية الأميركية الحادية والخمسين" إلى تليين الموقف الكندي، بل أسهمت في تعزيز مشاعر التمسك بالاستقلال الوطني وصعود قيادات سياسية تتبنى خطاباً رافضاً للضغوط الأميركية.
وفي هذا السياق، نقل الكاتب موقف رئيسة وزراء مقاطعة ألبرتا دانييل سميث، المعروفة بقربها من الأوساط المحافظة الأميركية، التي أكدت رفضها لأي تدخل خارجي في الشأن الكندي، مشددة على أن القرار السياسي يجب أن يبقى بيد الكنديين وحدهم.
كما أشار إلى تصريحات رئيس الوزراء الكندي المحافظ الأسبق ستيفن هاربر، الذي أكد استعداده لتحمل كلفة اقتصادية باهظة إذا كان البديل هو المساس باستقلال بلاده أو ضمها إلى الولايات المتحدة.
ويقول بيرنز إن سوء تقدير ترامب للمشاعر الوطنية لم يقتصر على كندا، بل امتد إلى ملفات دولية أخرى، من بينها الحرب في أوكرانيا، حيث إن محاولاته فرض تسوية سريعة، إلى جانب التوتر الذي شاب تعامله مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، دفعت الأوكرانيين إلى مزيد من الالتفاف حول قيادتهم بدلاً من إضعافها.
كما استعرض الكاتب أمثلة أخرى، من بينها محاولات التأثير في الحياة السياسية والقضائية في البرازيل، والتدخل في بعض الملفات الأوروبية، فضلاً عن دعم نائب الرئيس جيه دي فانس لحلفاء ترامب السياسيين في القارة، دون أن يحقق ذلك النتائج المرجوة انتخابياً.

إيران المثال الأكبر
واعتبر بيرنز أن ملف إيران يمثل المثال الأكثر كلفة على هذا النهج، موضحاً أن الإدارة الأميركية افترضت أن الضغوط العسكرية وإضعاف مراكز القوة داخل إيران سيدفعان طهران إلى تقديم تنازلات سريعة، إلا أن النتيجة جاءت مختلفة مع استمرار المواجهة لفترة أطول وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وأضاف أن تمسك القيادة الإيرانية بموقفها رغم الضغوط لا ينبغي أن يثير الدهشة، خصوصاً بالنسبة لرئيس بنى مشروعه السياسي على مفاهيم القومية والاعتزاز الوطني.
وفي موازاة ذلك، أشار المقال إلى تنامي القلق لدى عدد من الحلفاء الأيديولوجيين لترامب في أوروبا، الذين بدأوا ينظرون إلى سياساته بوصفها أقرب إلى نهج "القوة الإمبراطورية" منها إلى الدفاع عن سيادة الدول.
ومن بين هؤلاء، المرشح المحتمل للرئاسة الفرنسية عن اليمين المتطرف جوردان بارديلا، الذي انتقد أداء ترامب خلال ولايته الثانية، معتبراً أن سلوك الولايات المتحدة بات يحمل سمات إمبراطورية، كما وصف الرئيس الأميركي بأنه شديد التقلب وغير مستقر في مواقفه.
وشدد بارديلا بدوره على رفض أي تدخل أميركي في الشؤون الفرنسية، مؤكداً أن بلاده لا تحتاج إلى وصاية أو تأثير خارجي في خياراتها السياسية.
ورغم هذه الانتقادات، يقر الكاتب بأن ترامب نجح في ممارسة نفوذ ملموس في بعض الدول التي تعاني أزمات سياسية أو اقتصادية وتعتمد بدرجات متفاوتة على الدعم الأميركي، مثل الأرجنتين وهندوراس وفنزويلا، كما واصل انتقاد مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي دون أن يدفع ثمناً سياسياً داخلياً كبيراً.
ويخلص بيرنز إلى أن ترامب فقد جانباً من قدرته السابقة على توظيف مفاهيم القومية والسيادة في فهم سلوك الدول الأخرى، معتبراً أن هذا التحول أوجد فراغاً سياسياً قد يدفع الناخبين الأميركيين مستقبلاً إلى البحث عن شخصيات جديدة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي تقدم مقاربة أكثر توازناً لفكرة القومية الأميركية ودورها في العالم.