بوعلام روتايو وبرونو صنصال

لم تكن العلاقة بين السُّلطة والقلم، أو بين السياسي وصانع الكلمة، يوما علاقة بريئة؛ بل كانت دوما مساحة شد وجذب، وميدانا لتبادل المنافع والمصالح والمشروعيات بل وحتى المال الفاسد. غير أن أخطر ما يصيب هذه العلاقة ليس التحالف المؤقت أو التقاطع العابر في المصالح، بل ذلك الانزلاق التدريجي نحو ما يمكن تسميته “التماهي والذوبان السياسي”. وهي الحالة التي يتخلى فيها المثقف أو المفكر عن مسافته النقدية الضرورية، ليمتص خطاب الأيديولوجيا بالكامل، حتى يذوب كليا في رداء السياسي، ويتحول من “منتج للأفكار” إلى “مادة استهلاكية” في ماكينته الدعاية الانتخابية.

إن هذا الذوبان لا يعكس تفوقًا أيديولوجيًّا للسياسي، بقدر ما ينمُّ عن أزمة وجودية مزدوجة: أزمة سياسي مفلسٍ يبحث عن شرعية فكرية أو “غطاء أخلاقي” يملأ به الفراغ حول أطروحاته، وأزمة مثقف يعاني من عُقدة التأثير، فيقايض رمزيته الأدبية أو الفكرية بـالتموضع في الصفوف الأولى للتجمُّعات الحزبية. في هذه اللحظة تحديدا، تسقط الأقنعة؛ فلا نعد نعرف أين تنتهي حدود الأدب وأين تبدأ البرغماتية السياسية، فيغدو المفكر مجرد صدى صوت لخطاب هوياتي أو أمني لم يشارك في صياغته، وإنما أُحضِر ليبصم عليه، مقدما وعيه الخاص قربانا على مذبح المصالح الضيقة لغيره.
لم يكن جلوس برونو روتايو على مقعد وزير الداخلية محطة لتقديم حلول بنيوية للأزمات الأمنية أو الإدارية المعقدة التي تواجهها فرنسا؛ بل تكشف القراءة المتأنية لحصاده الوزاري عن حالة من الإفلاس العملي في إدارة الملفات الحيوية، مقابل تفوق ملحوظ في إعادة توظيف صلاحيات الوزارة كرافعة سياسية شخصية. لقد تعامل روتايو مع الحقيبة السيادية الأهم في الدولة ليس كمسؤول تنفيذي، بل كمرشح دائم في حملة انتخابية مبكرة، مستغلا رمزية المنصب وأدواته لتعبيد طريقه نحو الاستيلاء على قيادة حزب “الجمهوريين” وإعادة تشكيله وفق طموحاته لعام 2027.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post بوعلام روتايو وبرونو صنصال appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk