بوشهر على حافة الخطر... عودة روسية إلى مفاعل تحاصره الحرب

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في وقت بدأت فيه "روساتوم" إعادة أول دفعة من خبرائها إلى محطة بوشهر النووية، أعاد تجدد الضربات طرح سؤال يتجاوز احتمال إصابة المفاعل مباشرة: هل تستطيع منشأة نووية الحفاظ على منظومة الأمان البشرية والتنظيمية والتقنية داخل حرب مفتوحة؟

وغادر مئات العاملين الروس الموقع منذ 28 فبراير/شباط، بينهم 198 شخصاً في أكبر موجة إجلاء مطلع نيسان/أبريل. وفي 10 تموز/يوليو، أعلن رئيس "روساتوم" أليكسي ليخاتشوف توجه أول ستة متخصصين إلى المحطة، بعدما ربط العودة التدريجية ببقاء الأوضاع هادئة.

وتقول "روساتوم" إن إعادة موظفيها ستجري على مراحل، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية، مع اتخاذ قرار إرسال كل دفعة وفق تطورات الوضع الميداني. وفي الوقت نفسه، تؤكد الشركة استمرار التزامها باستكمال الوحدتين الثانية والثالثة، ما يجعل العودة قراراً أمنياً وتجارياً واستراتيجياً في آنٍ.

لكن الهدوء لم يصمد. ففي 9 تموز/يوليو، قال مسؤول إيراني إن مقذوفات بلغت الحريم المحيط بالمحطة، بينما نفت منظمة الطاقة الذرية وقائمقام بوشهر تعرض منشآتها لهجوم، من دون دليل مستقل يحسم الروايتين.

ولم تكن هذه أول واقعة قرب الموقع. فقد سجلت إخطارات إيرانية عبر الوكالة الدولية سقوط مقذوفات داخل محيط المحطة وقربه، بينها ضربة على بعد نحو 350 متراً، وأخرى قتلت أحد أفراد الحماية وأضرت بمبنى. وبينما قالت طهران إن المحطة "قُصفت أربع مرات"، تؤكد الوكالة و"روساتوم" عدم ثبوت هجوم مباشر عليها، فيما رجحت صور الأقمار أن الهدف كان دفاعات جوية ملاصقة.

وتأتي العودة الروسية وسط غموض بشأن وضع الوحدة الأولى، بعد إعلان إيقافها احترازياً في مارس/آذار، مقابل بيانات إيرانية لاحقة قالت إنها تعمل وتغذي الشبكة.

 

قوارب صيد مشتعلة في رصيف بنود بمحافظة بوشهر جنوب إيران، في 9 تموز/يوليو 2026. (اكس)

 

أكثر من مفاعل

يرى خبراء السلامة النووية أن الخطر في بوشهر لا يُقاس فقط بما إذا كان مبنى المفاعل قد أُصيب، بل بقدرة الموقع على حماية شبكة متكاملة من العاملين وأنظمة الكهرباء والتبريد والصيانة والاستجابة للطوارئ.

يقول نجم الدين مشكاتي، أستاذ الهندسة والعلاقات الدولية في جامعة جنوب كاليفورنيا وخبير السلامة النووية الذي عاين محطات عدة حول العالم بينها تشيرنوبل وفوكوشيما، إن "التركيز على الضربة المباشرة يختزل طبيعة الخطر".

ويضيف لـ"النهار" أن المحطة النووية "ليست مجرد مفاعل، بل نظام اجتماعي تقني" يعتمد على مشغلين مدربين، ومؤسسة سليمة، وسلسلة إمداد عاملة، وكهرباء موثوقة، وبيئة تنظيمية مستقرة، وإن الحرب "تهاجم هذه الطبقات كلها في وقت واحد".

"يمكن أن يؤدي إجلاء الخبراء إلى تأجيل الصيانة الوقائية، وغياب التشخيص المتخصص، وإضعاف الاستجابة للطوارئ، وتراكم نقاط ضعف كامنة لا تظهر فوراً، لكنها قد تتحول إلى حادث إذا تزامنت مع انقطاع للكهرباء أو حريق أو ضربة قريبة"، على ما يقول مشكاتي. 

ويحذر خبير السلامة النووية من أن "الخوف المزمن والإرهاق والانفصال عن الأسر يضعف اليقظة وتشخيص الأعطال واتخاذ القرار تحت ضغط الوقت"، معتبراً أن طاقماً محدوداً ومنهكاً يعمل من دون دعم الشركة المصنّعة "يمثل بيئة مهيأة للخطأ البشري".

ويضع فقدان الكهرباء الخارجية، خصوصاً إذا اقترن بتضرر أنظمة التبريد، في صدارة "الأخطار الواقعية"، فيما تبقى الضربة المباشرة على مبنى المفاعل "الأعلى عاقبةً والأقل احتمالاً بفضل هيكل الاحتواء"، ويعمل إرهاق العاملين عاملاً مضاعِفاً يمكن أن يحوّل أي عطل إلى أزمة.

 

صورتان التقطتهما الأقمار الاصطناعية لقاعدة جوية مجاورة لمطار بوشهر الدولي في جنوب إيران، قبل الضربات الجوية في 27 شباط/فبراير 2026 (أعلى)، وبعدها في 7 آذار/مارس 2026 (أسفل). (فانتور)

 

ثلاثة مسارات لحادث جسيم

ويتفق إم. في. رامانا، أستاذ الأمن العالمي والإنساني وسياسات الطاقة النووية في جامعة كولومبيا البريطانية، على أن مفاعل الطاقة "يختلف جوهرياً عن منشأة تخصيب أو منشأة بحثية غير عاملة". 

ويقول في تصريحات لـ"النهار" إن قلب المفاعل والوقود المستهلك يحتويان كميات كبيرة من الطاقة الحرارية، يمكنها في حال حادث جسيم دفع المواد المشعة إلى ارتفاعات كبيرة في الغلاف الجوي حيث تنشرها الرياح، وإن مخزون المواد المشعة في محطة الطاقة أكبر ويشمل نواتج الانشطار والبلوتونيوم.

ويحدد رامانا ثلاثة مسارات محتملة لحادث جسيم في بوشهر: إصابة المفاعل بمقذوف، أو تضرر أحد أحواض الوقود المستهلك وتسرب مياهه، بما قد يؤدي إلى احتراق قضبان الوقود، أو انقطاع الكهرباء وفقدان وسائل التبريد، في سيناريو يشبه جزئياً ما حدث في فوكوشيما عام 2011.

ويشير رامانا إلى أن الخطر لا يقتصر على قلب المفاعل، إذ قد يؤدي تضرر أحواض الوقود المستهلك إلى تسرب المياه وانكشاف القضبان واحتراقها، بما يطلق مواد مشعة حتى من دون إصابة مبنى المفاعل نفسه.

ويؤكد الخبيران أن إيقاف المفاعل يخفض الخطر لكنه لا يزيله. فحرارة الاضمحلال تستمر بعد توقف التفاعل الانشطاري، وتظل بحاجة إلى كهرباء ومضخات تبريد ومولدات ديزل ووقود وعاملين مدربين، كما تحتاج أحواض الوقود المستهلك إلى تبريد مستمر.

 

"معطى.. لا شهادة سلامة"

ولا يرى مشكاتي أن عودة الخبراء الروس تمثل دليلاً مستقلاً إلى السلامة، بل يصفها بأنها "معطى، وليست شهادة سلامة"، لأنها قد تعكس التزامات تجارية واستراتيجية مرتبطة بمشروع الوحدتين الثانية والثالثة. فيما يرى رامانا أن القرار قد يجمع بين حكم يتعلق بالسلامة ومصالح تجارية واستراتيجية، لكنه يتحفظ بأنه لا يملك معلومات كافية عن ملابسات العودة.

ويقترح مشكاتي وجوداً دائماً أو دورياً للوكالة الدولية في بوشهر، على غرار بعثتها في زابوريجيا، مع نشر بيانات عن حالة المفاعل والكهرباء والتبريد ومولدات الطوارئ وأعداد العاملين والرصد الإشعاعي. ويكتسب الاقتراح وزناً إضافياً لأن بوشهر تبقى المنشأة الإيرانية الوحيدة التي ما زالت الوكالة تصل إليها منذ تعليق طهران تعاونها معها.

ويحذر من أن أي حادث لن يبقى داخل الحدود الإيرانية، لأن الخليج بحر ضحل وشبه مغلق تعتمد دوله على تحلية المياه، مضيفاً: "المواد المشعة لا تتوقف عند الحدود البحرية لتفحص جوازات السفر. حماية بوشهر ليست خدمة لإيران، بل فعل من أفعال الحفاظ الجماعي على الذات".

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية