بهاء الروندة تجمع رقة الأداء وصلابة طرب الآلة

لا تبدو بهاء الروندة وكأنها اختارت طرب الآلة بقدر ما يبدو أن هذا الفن العريق هو الذي اختارها؛ فمن بين تفاصيل بيت مغربي أصيل، وذاكرة عائلية تمتد بخيوطها إلى مدينة روندا الأندلسية، تشكل وعيها الموسيقي على إيقاعات التراث، حتى غدا الغناء بالنسبة إليها امتدادا طبيعيا للجذور، لا مجرد خيار فني.

وتقول الروندة، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، إنها ترعرعت بين جلسات “الولعة” التي كانت تؤثث البيوت المغربية، حيث تتقاطع الأصوات مع الحكايات، وتنتقل الصنائع والأزجال من جيل إلى آخر؛ هناك بدأت أولى ملامح علاقتها بالموسيقى الأندلسية، قبل أن تفتح لها الأقدار أبواب مجالسة أعلام هذا الفن وهي لم تتجاوز الثامنة من عمرها بعد.

في تلك السن المبكرة كان الحاج محمد الزكي، والراحل محمد بيرو وغيرهم، أكثر من مجرد أسماء كبيرة في المشهد الموسيقي، إذ تصفهم الفنانة بأنهم كانوا مدرسة حية تشربت منها معنى الإصغاء قبل الغناء، وتعلمت فيها أن طرب الآلة لا يورث بالأداء وحده، بل بالمعايشة والصبر والولع.

تستحضر بهاء الروندة تلك البدايات بامتنان، معتبرة أن تشجيع الأسرة، وتأطير الأساتذة، ثم محبة الجمهور، شكلت الأركان الثلاثة التي أسندت تجربتها الفنية. “أنا أحمد الله على هذه التجربة، وأتمنى أن أكون أرضيت الجمهور، وأن تتواصل محطات أخرى للحفاظ على التراث”، تقول الفنانة البارزة.

وفي ما يتعلق بحضور المرأة في الموسيقى الأندلسية فهي لا تنظر إليه من زاوية الصوت النسائي وحده، بل تستحضره من داخل المتن الشعري لهذا التراث، الذي منح المرأة مكانة جمالية وإنسانية خاصة؛ لذلك ترى أن تعزيز حضور النساء في هذا الفن يمر عبر التكوين المنتظم، وإفساح المجال للأصوات الجديدة، أكثر مما يمر عبر مجرد الحديث عن التمثيلية. وتجسد هذا التصور عمليا من خلال إشراف الروندة، منذ أزيد من عشر سنوات، على كورال للطرب الغرناطي بمدينة الرباط، في تجربة تراهن على تنمية “الولعة” لدى الأطفال والشباب، إذ تعتبر أن المعاهد الموسيقية والمشاتل الفنية تشكل فضاءات ضرورية لإعداد جيل جديد يحمل المشعل.

ورغم اعتزازها بما يحظى به طرب الآلة من جمهور وفي فإن الفنانة ذاتها تعتبر أن حضوره الثقافي والإعلامي مازال دون ما يستحقه هذا الإرث، فتصفه بـ”الحضور الباهت”، لا بسبب ضعف الفن، وإنما بسبب الحاجة إلى مزيد من التعريف والتثمين والانفتاح على الوسائط الحديثة.

ولذلك تجعل الروندة من التوثيق معركتها الأولى، فإلى جانب الإرث الذي خلفه الراحل محمد بيرو ترى أن الوقت حان لتوثيق هذا التراث صوتا وصورة، وفق معايير تقنية حديثة، مع اعتماد التدوين الموسيقي والرقمنة، حتى يصبح في متناول الأجيال المقبلة، فبالنسبة إليها ليست هذه مسؤولية المؤسسات وحدها، وإنما مسؤولية جماعية يتقاسمها الفنانون والباحثون والهيئات الثقافية. وتتحدث بهاء الروندة عن المدرسة المغربية في الطرب الأندلسي باعتزاز واضح، خاصة المدرسة الرباطية التي ترى أنها صاغت شخصيتها الفنية، وهي المدرسة التي تتميز، في نظرها، بخصوصية الأداء، وغنى العازفين الذين جمعوا بين طرب الآلة والغرناطي، وبجهود روادها، وفي مقدمتهم الراحل محمد بيرو، الذي تعتبر نفسها واحدة من تلامذته.

غير أن الوفاء للأصول لا يعني، في تصور الفنانة نفسها، الانغلاق على الماضي، إذ لا ترفض فكرة المزج بين الطرب الأندلسي وألوان موسيقية أخرى، شريطة أن يتم ذلك دون المساس بجوهر هذا الفن، مؤمنة بأن العصرنة ليست نقيضا للأصالة، بل وسيلة لتقريب التراث من الشباب، وإكسابه حياة جديدة، ما دام يحتفظ بروحه وهويته.

وبين الوفاء لذاكرة الأندلس، والانشغال بمستقبل طرب الآلة، ترسم بهاء الروندة مسارا فنيا يرى في التراث مسؤولية قبل أن يكون مجدا شخصيا؛ فلا تقدم نفسها كمجرد مطربة، بل واحدة من حراس ذاكرة موسيقية جماعية، تؤمن بأن المستقبل لا يبنى إلا حين تجد الأصالة لغتها في زمن الرقمنة والإيقاع السريع.

هكذا تبدو بهاء الروندة… تاء تأنيث لطرب الآلة، وصوتا يحمل رقة الأداء، وصلابة الانتماء، وإيمانا بأن التراث لا يعيش بالحنين إليه، بل باستمرار تجديد الحياة فيه.

The post بهاء الروندة تجمع رقة الأداء وصلابة طرب الآلة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress