بنكيران يغازل التحكم
في كلمة قصيرة ألقاها أمام اللجنة المكلفة بإعداد البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، أول أمس الأحد، قال عبد الإله بنكيران، إن مفهوم “التحكم“، الذي كان أول من أدخله إلى القاموس السياسي المغربي ونصّب نفسه عدواً له، هو في النهاية ليس كله سلبياً، رغم أنه يسيطر على جزء كبير من القرار الاقتصادي والقضائي والسياسي للبلد، مؤكداً لأطر حزبه بأنهم لن يقدروا على محاربته، وأن الفضل في التخلص من غريمه عزيز أخنوش، الذي اعتبره أمراً في صالحهم، يرجع في آخر المطاف إلى التحكم ذاته.
هكذا إذن، انتقل زعيم المصباح، الذي دعا قبل عشر سنوات بالضبط، عندما كان لا يزال رئيساً للحكومة، إلى تأسيس جبهة ضد التحكم لتحرير القرار السياسي والحزبي؛ من مواجهة كابوس التحكم، الذي ما فتئ يعتبره خطراً يهدد المغرب واستقراره، إلى تبرير وجوده والاعتراف بمشروعيته كقدر محتوم، بل والتعايش معه كشريك خفي لقهر خصومه السياسيين الذين عجز هو وحزبه عن التغلب عليهم في صناديق الاقتراع، وكأنه يبعث برسالة استعطاف مبطنة إلى رعاة التحكم مفادها : “أعترف أنكم الأقوى، وأنني لن أستطيع التغلب عليكم رغم أنني ادعيتُ ذلك في ما مضى، وأنا الآن مستعد للعودة إلى الاشتغال في إطار قواعدكم، ففي النهاية لن تجدوا أفضل مني ومن حزبي“.
لكن، هل نسي بنكيران، وهو يخاطب ما بقي من قيادة العدالة والتنمية التي انفرط عقدها سنة 2021 بعدما أغلقت الدولة قوس تجربتهم وجفّ صنبور الحقائب الوزارية والمقاعد البرلمانية، أنه إذا كان الفضل في التخلص من أخنوش يرجع اليوم إلى التحكم، فإنه هو نفسه كان السبب المباشر في تمكين الملياردير ومنحه صك شرعية في المشهد السياسي؛ سهّل لأخنوش القيام OPA كاسحة، سيطر من خلالها هو وحزبه على الحكومة والبرلمان والجهات والمدن والمؤسسات الاستراتيجية، في وقت كان فيه بنكيران يعتقد واهماً أنه بالتقرب من أخنوش والتمسح بأعتابه، سينال حظوة لدى الجهات التي تقف خلفه وتحركه من وراء الستار ؟
إن بنكيران الذي خرج اليوم، على بعد خمسة أشهر من إجراء الانتخابات، ليشيد بالتحكم الذي وضع نقطة النهاية لدور أخنوش فوق مسرح السياسة، نسي أنه لولاه هو لما وصلنا إلى ما عشناه طيلة السنوات الخمس الماضية مع أخنوش وطاقمه؛ وأن الأخنوشية التي أرخت مجسّاتها كأخطبوط على مفاصل الدولة، كانت صنيعة يديه يوم منحها الحاضنة والشرعية لتتمدد وتلتهم الحقل السياسي، في وقت كان باستطاعته أن يُجهز على مشروع أخنوش قبل حتى أن يبدأ، لولا أنه فضّل إشراكه معه لضمان استمراره في الحكومة لولاية ثانية، معتقداً بسذاجته، أو ربما بشطارته السياسية التي خانته هذه المرة، أنه بفتح أبواب الحكومة للملياردير، سيشتري هدوءاً دائماً مع التحكم الذي لم يذخر جهداً، ولم يترك وسيلة إلا وسلكها لقطع الطريق أمام عودته إلى رئاسة الحكومة سنة 2016.
الحقيقة هي أن لا شيء كان يمنع بنكيران، غداة انتصاره في معركة 7 أكتوبر 2016، من إعلان تشكيل الحكومة من دون الحاجة لعزيز أخنوش وحزبه، في وقت كان يتوفر فيه على أغلبية مريحة في البرلمان، مكونة من العدالة والتنمية والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية (203 مقعد)، لكنه عوض ذلك، اختار أن ينتظر شهراً كاملاً ريثما يذهب صلاح الدين مزوار ويتم تنصيب أخنوش على رأس الأحرار، رغم أن لا الملك محمد السادس، الذي قرّعه وهو يسلّمه ظهير تعيينه على رأس الحكومة مجدداً، ولا شخصاً آخر من المحيط الملكي، كما أكد هو بنفسه أكثر من مرة، لم يطلب منه أن يؤجل تشكيل حكومته إلى حين مجيء أخنوش الذي كان يعرف، أكثر من أي شخص آخر، أن التحكم هو الذي استقدمه لوضع العصا في عربة تجربته الثانية بعدما فشل في منعه من تصدر الانتخابات.
لا شيء اليوم يفسر التعريف الجديد الذي قدمه بنكيران للتحكم، سوى رغبته الملحة، من هنا إلى موعد تنظيم الانتخابات، في حجز مقعد للبيجيدي ضمن الهندسة السياسية المقبلة؛ لأنه يعلم علم اليقين أن صندوق الاقتراع، في المرحلة الحالية، لم يعد هو الحاكم الوحيد في رسم التوازنات، وأن عودة الإخوان إلى رئاسة الحكومة باتت ضرباً من ضروب الخيال، حتى لو اتفق كافة المسجلين في اللوائح الانتخابية على وضع علامتين على رمز المصباح في ورقة التصويت.. لذلك، فإنه خرج يبعث برسالة إلى التحكم، ولكن بلغة جديدة هذه المرة، يعرض فيها خدمات حزبه كبديل جاهز للاستعمال، مقابل صك غفران يعيدهم من هوامش العزلة إلى دفء المؤسسات.
هناك نكتة غير مضحكة يحكيها المغاربة عن أب ذهب لخطبة فتاة لابنه، لكنه عندما رأى الفتاة، أعجب بها فخطبها لنفسه، ولما عاد إلى البيت وسأله ابنه عما إذا وافقت العائلة على زواجه بها، رد عليه الأب وعلامات الحزن الكاذب تعلو وجهه : “اسكت يا ولدي، لقد بذلتُ جهداً جهيداً ليقبلوا زواجي بها أنا.. أما أنت فمستحيل“.
بنكيران اليوم يتقمص دور هذا الأب تماماً، فهو لا يسعى لاستخراج شهادة عذرية سياسية جديدة لحزبه، بل أصبح كل همّه هو إقناع التحكم بأنه الوحيد الصالح للمصاهرة معه مجدداً، حتى لو كان الثمن هو وأد أحلام شعب بكامله. إنه يريد أن يقول لإخوانه في البيجيدي، بنفس نبرة الحزن الكاذب التي خاطب بها الأب ابنه : “لقد نجحتُ في مصالحتكم مع الدولة مرة أخرى.. لكنها قبلت بي أنا، أما أنتم وحدكم، فلا حظ لكم معها من دوني“.
ربما لم يستوعب بنكيران بعد أن التحكم الذي يغازله اليوم قد مدّ رجليه تماماً، ولم يعد في حاجة إليه ولا إلى حزبه، بعد سلسلة الخدمات المجانية التي قدمها له غداة 2011 للإجهاز على مسار الانتقال الديمقراطي..