بنكيران: أسعار الوقود ترتفع وتنخفض في اليوم نفسه وحكومة أخنوش خارج معادلة الضبط
خلال مهرجان خطابي بمدينة آسفي، لم يوفر عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رئيسَ الحكومة الحالي عزيز أخنوش، من انتقاداته اللاذعة، التي شملت أيضا الطبقة التي يراها متحكمة في مقدرات البلاد.
أمام حشد من أنصاره، أشار بنكيران إلى ما وصفه بحصول جهات نافذة على أرباح غير مشروعة من خزينة الدولة، مؤكدا أن هذه الوقائع لم تبقَ طيّ الكتمان، بل فضحتها لجان برلمانية، وأبرزها اللجنة التي ترأسها النائب عبد الله بوانو، فضلاً عن مجلس المنافسة، وتقارير رقابية مستقلة.
ولم يتوقف الرجل عند هذا الحد، بل ذهب إلى مسألة أسعار المحروقات مُسلّطاً الضوء على ما رآه تنسيقاً مريباً بين كبرى شركات توزيع الوقود، قائلاً إن “مجلس المنافسة نبّه إلى أن المنافسة غائبة، وأن أسعار البنزين تصعد وتهبط في اليوم نفسه”، مستنكراً ما يصفه بغياب أي تسقيف رسمي للأسعار خلال حكومة أخنوش، في حين أرجع غياب هذا التسقيف في عهده إلى أن “المنافسة كانت قائمة وسارية آنذاك”
وحين انتقل بنكيران إلى ملف وزير التعليم في الحكومة الحالية، بدا جلياً أن استياءه يتجاوز الخطاب السياسي المعتاد ليمسّ ما وصفه بتضارب المصالح الصريح. فقد أوضح أن حزبه، وعبر مجموعته النيابية، كشف أن شركة الوزير شهدت قفزة غير مسبوقة في أرباحها “من خمسة مليارات إلى خمسين مليار في عام واحد”، مستنكراً بقاءه في الحقيبة الوزارية رغم هذا الكشف.
وقال بنكيران في هذا الصدد:” لماذا نفعل هذا؟ لأن هذا هو واجبنا، هذا هو دور الحزب السياسي في المعارضة. كنا في الحكومة، لم نبق فيها، وهذا هو دورنا الذي يجب أن نؤديه”. وأضاف في نبرة حازمة: “هذا البلد لا يُعقل أن يسير هكذا، يجب أن يعود إلى المعقول”.
وانتقد بنكيران كذلك ملفَّ الحوار الاجتماعي، مشيراً إلى أن نجاحه مشروط بنقابات مستقلة خالية من التبعية السياسية، ومن دون مصالح مخفية تتحكم في مواقفها. وأشار إلى أن ما جرى في بعض جولات هذا الحوار لم يرقَ إلى مستوى التفاوض النزيه الحقيقي.
الدعم المباشر وأسئلة العدالة الاجتماعية
تناول بنكيران ملف الدعم الاجتماعي المباشر بالكثير من التفصيل، مؤكداً أن فكرة تحويل الدعم إلى الأسر المحتاجة مباشرة كانت من بنات أفكاره وحزبه منذ سنوات. وقال: “هذه الفكرة هي فكرة عبد الإله بنكيران، والله خير الشاهدين، ذهبتُ أنا والسيد باها الله يرحمه والسيد إدريس الأزمي إلى جلالة الملك وشرحنا له هذا الأمر، لكن الظروف لم تكن مواتية آنذاك”.
غير أنه أبدى استياءه مما آلت إليه الأمور في عهد الحكومة الحالية، إذ أشار إلى أن بعض الأرامل اللواتي كنّ يتقاضين 1050 درهما صرفت لهن 500 درهم فقط، وأخريات كنّ يتقاضين 700 درهم تراجعت منحتهن إلى 500 درهم أيضاً، متسائلاً: “بأي حق؟ هؤلاء أعطتهم الدولة حقاً مكتسباً”، مضيفاً: “ومن أين ستجد مئتين وستين مليار درهم التي أردت أن تستولي عليها بغير حق؟ ومن أين ستجد سبعة عشر مليار درهم التي تتهمك بها التقارير والصحافة المستقلة؟”
وفي سياق انتقاده لملف التعليم، دافع بنكيران دفاعاً صريحاً عن من وصفهم بالمظلومين من المترشحين للمباريات التي يتجاوز أعمارهم ثلاثين سنة، متحدياً المنطق الرسمي في استبعادهم. وقال مخاطباً الحكومة: “لماذا تقول لي إن من يتجاوز ثلاثين عاماً لا يحق له الترشح للمباريات؟ ما هو السبب؟” وأضاف أن هذا الإنسان الذي بلغ ذلك السن يحمل من الخبرة والتجربة ما يُؤهّله أكثر من غيره، مطالباً الحكومة بإقناع الرأي العام بدلاً من الاعتماد على مواجهة المحتجين.
ووجّه نقداً لاذعاً إلى وزير التعليم، قائلاً: “اشرح لهم، قل لهم إن ما تفعلونه غير معقول، أحضِرهم إلى التلفزيون، أقنعهم، أقنع الشعب أن ما يطالبون به ليس حقاً مشروعاً”.
وتطرق بنكيران إلى قضية ساعة العمل الإضافية، نافياً أن يكون حزبه قد أقرّها، ومؤكداً أن ذلك القرار صدر في عهد حكومته بتوجيه من جلالة الملك. وقال في نبرة واضحة: “هل بإمكاني أن أراجع جلالة الملك في شيء فرضه؟ الملك يقول لي يا أبا زبير، هذا الأمر هكذا. فنسير على ذلك”.
وطالب من يدّعون خلاف ذلك بإثبات ما يقولونه، مضيفاً: “اذهب وأخبرنا الآن في الحكومة عن تلك الساعة الإضافية”، في إشارة ضمنية إلى أن الحكومة الحالية لم تُعالج الملف، ومع ذلك تحمّل غيرها مسؤوليته.
جماعة “كلنا إسرائيليون”
لم يترك بنكيران شعارَ “كلنا إسرائيليون” يمر دون أن يردّ عليه بحزم لافت، إذ بدا هذا الملف من أكثر ما أثار حماسته في خطابه الآسفي. وقال مخاطباً جمهوره بنبرة قاطعة: “أنت وحدك إسرائيلي، المغاربة ليسوا إسرائيليين”. وأوضح أن موقفه لا يُمليه انحياز مذهبي، إذ صرّح: “نحن لسنا شيعة، ولسنا ممن يُفضّلون التشيع، معاذ الله. أنا أعرف التشيع أكثر من هؤلاء. نحن مسلمون سنة، ونعتقد أن السنة هي الحق، ونعتبر التشيع جملة من البدع”.
غير أنه أكد في الوقت ذاته أن قضية غزة في جوهرها قضية ظلم وليست قضية مذهب، وقال: “هذه القضية فيها ظلم، دولة آمنة مطمئنة تقوم أمريكا وإسرائيل مجتمعَين لتدميرها”.
وتوقف بنكيران طويلاً أمام المشهد الغزي، واصفاً ما يجري بأشد العبارات، إذ أشار إلى أن أكثر من سبعين ألف إنسان قُتلوا خلال سنتين، وأن المدينة سُوّيت بالتراب، وأن الأسرى والمدنيين يعيشون أوضاعاً لا يعلمها إلا الله. وقال: “هؤلاء إخواننا، هؤلاء مسلمون، هؤلاء أبناء آبائنا وأجدادنا وإخواننا”.
وفي إشارة إلى المفارقة الكبرى، قال بنكيران: “الخصوم الذين لا يشاركوننا اللغة ولا الدين ولا التاريخ كانوا ينصرون الفلسطينيين، ونحن لم ننصرهم. هؤلاء الذين يقولون كلنا إسرائيليون خوّانون، والخوّان يفعل ما يشاء”.
وفي السياق ذاته، أشار بنكيران إلى العلاقة التاريخية للمغرب مع يهوده، مؤكداً أنهم كانوا يعيشون على أرضه قبل مجيء العرب، وأنهم استفادوا من حماية الدولة المغربية على مدى ثلاثة عشر قرناً، وأن من فرّ منهم من الأندلس لجأ إلى المغرب فاستقبله أهله في فاس وتطوان ومراكش والصويرة وسائر المدن.
لكنه ميّز تمييزاً صريحاً بين يهود المغرب باعتبارهم جزءاً من النسيج الوطني، وبين دولة إسرائيل التي وصفها بأنها “دولة مغتصِبة ظالمة قتلت وتقتل إخواننا”، موضحاً موقفه من إيران: “وقفنا مع إيران لأن هناك ظلماً، دولة آمنة مطمئنة تقوم عليها أمريكا وإسرائيل”.
وأضاف في تعليقه على الأوضاع الدولية الراهنة أن زعيم القوة العظمى في العالم “يوجّه من بُعد خمسة آلاف كيلومتر مصير غزة قائلاً افعل فيها ما شئت”، وأن نفس هذا الزعيم “يريد نفط إيران فيعلن الحرب عليها”، وأن المغرب لن يكون بمعزل عن هذه المسؤوليات الأخلاقية والسياسية.