بنكراد: صورة العصر تبيع الهويات .. و"البودكاست" يغرق في الكلام العبثي

كيف يمكن للإنسان أن يثق بعينيه في زمن أصبحت العين نفسها موضوعاً للتوجيه والترويض؟ وأين ينتهي الواقع عندما تغدو الصورة أكثر إقناعاً من الحقيقة وأكثر حضوراً من الذاكرة وأكثر قدرة على صناعة الرغبات من التجربة الإنسانية ذاتها؟ وهل ما نراه اليوم هو العالم كما هو، أم العالم كما تريد الشاشات والخوارزميات أن نراه؟ ومن يكتب وعينا الحقيقي، اللغة التي تدعونا إلى التفكير، أم الصورة التي تستدرجنا إلى الانفعال؟ وهل مازالت العلامة جسراً يقودنا إلى المعنى، أم تحولت إلى متاهة تتكاثر فيها الإحالات حتى يغيب الأصل وراء سيل لا ينتهي من التمثلات؟.

هذه الأسئلة لا تنتمي إلى فضاء التأمل النظري المجرد، ولكنها تقف في قلب التحولات الحضارية التي يعيشها الإنسان المعاصر، حيث لم تعد الصورة مجرد وسيط للتواصل أو أداة للتمثل، وإنما غدت قوة رمزية تعيد تشكيل الذاكرة والخيال والهوية وتعيد رسم الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم وبين المرئي والمستتر وبين الحرية وآليات التوجيه الخفي. ومن هنا تكتسب تجربة المفكر والباحث المغربي سعيد بنكراد فرادتها، لأنها لا تكتفي بوصف الظواهر أو رصد تجلياتها، وإنما تنفذ إلى البنية العميقة التي تنتجها، باحثة عن المعنى في أكثر العلامات اعتياداً وعن الفكر في أكثر الصور ألفة وعن الإنسان وسط الضجيج الذي يصادر إنسانيته باسم الاتصال والانفتاح والوفرة البصرية.

وفي هذا الحوار على جريدة هسبريس لا يتحدث سعيد بنكراد عن الصورة بوصفها موضوعاً ثقافياً معزولاً، وإنما يفتحها على أسئلة السيميائيات والفلسفة والسينما والإشهار والإعلام والسياسة والذكاء الاصطناعي، ليكشف أن كل صورة تحمل رؤية إلى العالم، وأن كل علامة تخفي نظاماً من القيم، وأن كل خطاب بصري يمارس، بوعي أو من دونه، شكلاً من أشكال السلطة. ولذلك لا يعود التأويل ترفاً معرفياً، بقدر ما يتحول إلى فعل مقاومة، ولا تصبح القراءة مجرد تفكيك للنصوص، ولكنها محاولة لاستعادة حرية النظر في زمن تتكاثر العيون، بينما يتضاءل فعل الإبصار.

فهل تستطيع السيميائيات اليوم أن تعيد إلى الإنسان حقه في رؤية العالم خارج ما تقترحه الشاشات؟ وهل مازالت السينما قادرة على إنتاج الدهشة والمعنى وسط الطوفان البصري الذي يحاصر الوعي من كل الجهات؟ وهل يمكن للصورة أن تستعيد بعدها الجمالي والإنساني بعد أن أصبحت سلعة وأداة دعاية وآلية مراقبة ولغة للتسويق وصناعة القبول؟ أم إن معركة المستقبل لن تكون معركة امتلاك الصور، وإنما معركة استعادة القدرة على قراءتها وعلى الشك فيها وعلى حماية الإنسان من أن يتحول، في نهاية المطاف، إلى صورة أخرى داخل أرشيف لا ينتهي من الصور؟.

نص الحوار:

يقال إن الصورة لا تقول ما تراه العين، ولكن ما تعجز اللغة عن قوله. كيف تنظرون، من منظور سيميائي، إلى هذه السلطة الرمزية للصورة؟ وهل مازلنا نقرأ الصورة، أم إن الصورة هي التي أصبحت تقرؤنا وتعيد تشكيل وعينا ورغباتنا ومخاوفنا؟.

أولا شكرا على استضافتي في فضاء هسبريس. أما عن سؤالك فإنّ الأمر يحتاج إلى كبير تأمل، فالصورة ليست حدثا طارئا في تاريخ التعبير الرمزي الإنساني، فقد كانت، منذ بداياتها الأولى، استجابة لحاجات لم يُدرك الإنسان كُنْهها من خلال ما تقوله لغته. ولم يخلّف الإنسان الكثير من الصور، لكنّه مع ذلك بلور في رؤاه خاصيّة مركزية ستجمع بين الرسم والصورة والكتابة؛ يتمثل ذلك في الطابع الغرافيكي الذي تشهد عليه كل الآثار التي تركها الإنسان وراءه، فقد كانت الغْرافية هي المعادل البصري لطاقات الصوت في الإنسان. فكلّ ما خلفه الإنسان على جدران الكهوف لم يكن سوى تمثيلاتٍ بصريّةٍ “مجرّدةٍ” عشَّشت في ذاكرته، وهي التي كانت تمده بطاقات تعبيرية موازية أو مكملة لأصواته، فمنها استلّ نظرةً جديدة كانت هي أولى أشكالِ “تصرّفِه” فيما يَـمْثُل أمامه. فالعين ترى ما لن تنتبه إليه الكلمات أو ما تجاهلته، فلا وجود لمعادلات لفظية لإحساس ملون، كما يقول بول فاليري. إنّ الإنسان يودع في صوره كل انفعالاته، يودع فيها الغضب والدهشة والتقزز والاستغاثة والقلق والخوف.

وعندما عرض مارغريت لوحته التي تمثل لغليون كتب تحته “هذا ليس غليونا”، وكأن الأمر عنده يتعلّق بشيءٍ آخر غير إيهام العين بأنّ ما تَراه ليس غليونا، كان يودّ الجمع بين الشّيء ومعادِله البصريّ وبين اللّغةِ التي تُحدّد هويّتَه في التّجريدِ المفهوميِّ في الوقتِ ذاتِه.

وتلك إشارة عابرة إلى الإنسان الذي تعلم كيف يتكلم، ولكنه تعلم أيضا كيف ينظر، فجزء كبير من وجدانه مودع في عينيه؛ يشهد على ذلك التنوع الكبير في الأفعال الدالة عنده على الإبصار. فلا يشكل البصر في العين سوى وظيفة بسيطة دالة على حسّ الحياة فيه، أما طاقات التعبير عنده فمودعة في ما تبقي من الأفعال. وكان العشاق قديما يذهبون إلى بعضهم البعض من خلال الغمز في العين. واستنادا إلى هذه الكثرة في أفعال العين ولد الفنّ في الصورة.

ولذلك كانت العين عندنا “تُسقط الزرزور من فوق السور”. وتلك وظيفة العين، إنّها تُجزِّئ المدرك في الرؤيةِ لكي تُعيد بناءه في النظرة. وهذا معناه أن “صورة” لا تُحيلُ على الشّيء، بل تُحيلُ على الرّابطِ بين الوعيِ والموضوعِ، إنّها طريقة يَمْثُل من خلالها الموضوعُ في الوعيِ كما يقول سارتر. وهذا ما جعل الفن “مُنتجا من مُنتجاتِ الحريّةِ الإنسانيّة” (ريجيس دوبري).

وهذه الخاصية المركزية هي التي اعتمدتها الرقمية الحديثة من أجل بلورة شبكة واسعة من أشكال التواصل. لم تعد الصورة مضافا في العين بل تحولت إلى شاشة تُصفّي المدرك وتوجه العين إلى ما يوده الإشهاري وإلى ما يسعى إليه الدعاة ورجال السياسة؛ لقد أصبحت جزءا من آليات التوجيه والتحكم في رغبات المشاهد، لقد قتلت فيه الحلم لكي تحتفي بالرغبات عنده. لقد حل الفعل “رأى” محل الفعل “فهم” (دوبري).

ووفق ذلك استبطنَ الإنسانُ المعاصرُ الرّغبةَ في الرّقابةِ والضبطِ والانقيادِ إلى سلطاتٍ من كلّ الأنواعِ هي التي تُقدمُ له الحمايةَ من أخطارٍ هي ما تفنّنَ في نسجِ خيوطِها في ذاكرتِه: الكاميرات المزروعة في الشوارع ومداخل العمارات والفيلات، بل وفي حائط أبسط دكان يبيع الجبن والسردين. لقد تسلّلت صورةُ الأبِ الحامي إلى كلّ شيءٍ، إلى الأبناك ومؤسساتِ التأمينِ ومُنْتجاتِ الغسيلِ وغيرها، فهي التي تراقبنا وتحصي أنفاسنا من خلال حمايتنا من جيراننا.

إنّ الكشف عن كل الأشياء يشكل استعراء. إننا نتعرى من خلال الانصهار في عوالم الصور. وكانت الصورة الفنية تعلمنا كيف نلج عالم الأشياء، أما الآن فإنها تكتفي بعرضها أمام أعيننا. لم يعد السر في الشيء ذاته، بل في ما يقود إليه؛ إنها توجد في تماس دائم مع “حقائق” الواقع و”أوهام” التمثيل الرمزي، وبذلك تسهم في انتزاعنا من شرطنا الواقعي، لكي تقذف بنا في استيهامات الافتراضي؛ إنها لا تعرض على العين واقعا، إنها تقدم لها صورا شبيهة به، إننا في “النيت” نستهلك معارف بدون مصفاة.

إنّ الصّورة في هذا العصرِ تبيع الـمُنْتجات والخدمات والآراءِ، بل تبيع “الهويات” ذاتها، إنّها موجودةٌ لكي تُحيل على شيءٍ آخر غير المتعة فيها؛ وبهذه الخاصة فإنها هي ما يتحكم فينا. لقد نسي الناس ما يُصنف خارج الصورة، فالحقيقة فيها وحدها، ولم يعد من الممكن أن يستعيدوا وعيهم وحريتهم في رؤية الحياة خارج ما تقترحه الشاشة أو تدعو إليه.

لا تمثل السينما مجرد حكاية تُروى، ولكنها منظومة من العلامات والإشارات والرموز. كيف يمكن للسيميائيات أن تكشف الطبقات الخفية للخطاب السينمائي التي تمر غالباً دون أن ينتبه إليها المتفرج العادي؟ وأين تنتهي حدود التأويل وأين يبدأ التعسف في القراءة؟.

السينما هي في الأساس قصة تكتب بالبصر، ولا تقوم الكلمات سوى بتأثيث ما يبقى في الهامش، أو بملء ما يتحرك خارج حقل الكاميرا. لذلك لا تعد الكلمات مكملا للصورة في السينما، إنها بقايا انفعالات لا تقال بالبصر، أو هي محاولة لضبط الأهواء التي تُفْرج عنها العين، لكي تحد من انتشارها. ولذلك لا نبحث في الفيلم عن القصة كما صاغتها لغتنا، بل نقتفي أثرها في النظر عندنا، أي في ما نما وتطور في العوالم الموازية للكلمات؛ فقد ننسى كلّ ما قاله أبطال الفيلم، ولكننا سنحتفظ بـ”نظرة” أو بلحظة درامية فارقة لا يمكن أن تُرى إلا من خلال الصورة. فجزء كبير من التمثيل الحدثي وصياغة المواقف والفصل بين الممثلين والتمييز بينهم يتم من خلال “لقطات” أو “زوايا” نظر. ودون الانتباه إلى ذلك يتحول الفيلم إلى معادل بصري محايد لما يمكن أن تقوله الكلمات.

والحال أن قيمة السينما تكمن في أنها قادرة على صياغة إرسالية موحدة بالاعتماد على الكثير من الأنساق التعبيرية؛ “فلا وجود لترادف بين الأنساق” (بنفنسيت)، نحن لا يمكن أن نقول الشيء ذاته باللفظ والصورة؛ وهو ما يعني استحالة أن تحل ذبذبات الصوت محل مثيرات العين. وكذلك الأمر مع الموسيقى، فقد يشترك الكلام مع الموسيقى في بعض الخصائص، كلاهما يتوجهان إلى حاسة السمع، ولكنهما يستثيران أحاسيس متباينة.

ولذلك كانت دلالة الفيلم هي حاصل تنسيق بين كل الأنساق التي يُستعان بها من أجل بلورة “معمارية” القصة (لا يمكن مثلا تجاهل “التوجيهات” التي تقدمها الموسيقى التصويرية). وهذا ما يجعل التأويل نشاطا مركزيا في الكشف عن المقاصد الكلية للعمل السينمائي، أو عن بعضها على الأقل، فالذي لا يعرف لغة الصورة لا يمكن أن “يفهم” الفيلم، إنه يكتفي بالتقاط ما يمكن أن يقوله التطور الخطي للحظات درامية لا يمكن أن تسلم مفاتيحها إلا من خلال إعادة بناء قصدية هي حاصل كل الأنساق.

بالتأكيد، لا يعني التأويل قول ما نشاء، فهذا فهم قاصر أو ساذج لا يعرف إلا القليل عن طبيعة وعينا لمحيطنا، إنّ التأويل حاجة مضافة وليست ترفا عابرا في حياتنا، فهو موجه بما يمكن أن تبيحه ممكنات الأنساق في الخبرة، لا كما يمكن أن تتحقق الآن وهنا؛ إنه لا يفكك من أجل التشظي، بل من أجل استعادة ما قالته الصورة والكلمات والموسيقى بشكل موارب، إنه وسيلتنا الوحيدة من أجل فتح الأنساق على ذاكرات قد تغطي عليها السياقات المباشرة.

في زمن أصبحت الصورة أكثر تأثيراً من الكلمة، هل تحول العالم إلى فضاء تحكمه “ديكتاتورية الصورة”؟ وهل فقد الإنسان حريته أمام الطوفان البصري الذي تنتجه الشاشات والمنصات الرقمية؟.

الصورة ليست أكثر تأثيرا من الكلمة، فلكل منهما طريقته في التسلل إلى وجدان المتلقي؛ هناك عالمان يختلفان في نمط الكشف عن طاقاته الانفعالية، فالكلمة من طبيعة مفهومية، أي من طبيعة افتراضية في الذاكرة، أما الصورة فهي خزان للانفعالات، إنها تستند في وجودها إلى ما يمكن أن تستثيره المثيرات البصرية من أهواء، “فنحن نتكلم في عالم ونبصر في عالم آخر” (دوبري). إن الكلمة تؤجل الإحالة أو تنسّبها أو تشوش عليها، إنها لا تملأ فضاء يَمْثُل أمام العين، بل تفتح الذاكرة على ممكنات الوجود. لذلك كانت الفضاءات التي تتخلى عنها اللغة عرضة لكل أشكال العنف.

إن الصورة توهم بالحقيقة العينية، لذلك كانت الغاية من التواصل البصري هي الذهاب إلى الحساسية في حدودها القصوى، إنها تضع الحسي في مواجهة الحسي، إنها تمزج في لحظة تواصلية واحدة بين الأحاسيس والانفعالات والخبر وكل التداعيات التي يستثيرها هذا الخليط في الذهن. فـ”نحن أول حضارة تصدق عينيها” كما يقول دوبري: يحتجّ المرء على من يجادلونه في موقف ما بالقول إنه رأى ذلك بأم عينيه في التلفزيون، فقد نشكك في ما تقوله الكلمات ولكننا نصدق في الغالب ما رأته العين.

ومع ذلك هناك بعد طارئ في أشكال حضور الصورة في الفضاء العمومي، إننا لم نعد نستهلك مواد رأتها العين، بل ما تنبهنا الصورة إلى وجوده. وبذلك لم تعد خطورة الصورة تكمن في طابعها التواصلي أو في قدرتها الجديدة على الإيهام، إن قوتها تكمن اليوم في الدفع بالرائي إلى “محاكاة ما يرى”؛ إن مضمونها السردي يتحقق من خلال الدفع المباشر إلى الفعل، إنها تخلصنا من فعل مصدره حضورنا في العيش اليومي، لتضعنا أمام ما تقترحه علينا الصور: ينفجر الجالس في المقهى ضحكا مما رآه في هاتفه، وينظر شزرا إلى آخر يجلس بجانبه. ينشئ الشباب اليوم منصات للتواصل، لا تواصل فيها سوى تبادل “خبرات” و”تجارب” مصدرها الصور المستعارة من الفضاء الافتراضي، إنهم يتعلمون كيف يفرغون تذمرهم واحتجاجاتهم في عالم آخر غير عالم الواقع.

وذاك ما حول الصورة إلى أداة مركزية للبيع: لقد أفلح المشتغلون في ميدان التسويق في إقناعنا بأننا نستهلك مواد حقيقية، والحال أننا لا تستهلك سوى الصور: كان توسكاني، وهو مصور بينيتون يقول: ما نعرضه على الناس هو مجرد صور، أما البضائع فمودعة في المخازن والأسواق الممتازة.

وقد يكون هذا الاحتفاء بالصورة هو الذي أسهم في ظهور “الإنسان الفائق”، ذاك الذي يتعاطى مع الزمن ومع الفضاء من خلال مطواعية الصورة، وبذلك كان إنسانا “مزيدا” بالافتراضي والبدائل الاصطناعية، ولكنه أفرغ من داخله، إنه لا ينتشر في الزمن فهو أسير اللحظة. لقد اختفى الحلم والمتخيل والفعل الاستعاري عنده لتحل محله “الرغبة” و”الاتصال الدائم”، كل ما يتحقق في “اللحظة “، وكما يمكن أن تُعاش في زمنية تنتشر في “فضاء أفقي”، مصدره كل الشاشات: التلفاز والحاسوب واللوحات والهواتف المحمولة.

بل إن الطفل ذاته لم يعد يتعرف على محيطه كما هو في حقائقه، فحقائق هذا الوجود وتفاصيله تأتيه اليوم بواسطة الصورة أولا، وبعد ذلك تلتقط عيناه أشياء تكون صورتها في وجدانه نسخة سابقة بُنيت في الآلة بفضل تعديلات ومضافات وتحسينات فوتوشوب، واستنادا إلى مسبقات المصوِّر ومواقفه أيضا.

لطالما ارتبطت الصورة بالدعاية السياسية والإيديولوجية. كيف تفسر قدرة الصورة على صناعة القبول الجماهيري وتوجيه الرأي العام؟ وهل يمكن الحديث اليوم عن انتقال الدعاية من المؤسسات السياسية إلى الخوارزميات التي تتحكم في تدفق الصور داخل وسائل التواصل الاجتماعي؟.

لا يتعلق الأمر في الصورة بتمثيل مزيف للواقع، كما كانت تفعل ذلك الإيديولوجيا قديما، بل هو الإيهام الدائم بأن “الواقعي ليس هو الواقعي”، كما يقول جان بودريار، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه. وقد يعود ذلك إلى ما يُميّز نفسيّة الحشودِ أيضاً، فهي هوجاء ومندفعة وأسيرة أهوائِها، “إنّها لا تُفكّر بالبرهنة المنطقيّة، وإنّما تفكّر بالصّور؛ ولهذا لا يجب أن نقدّم لها دلائل وبراهين وحججا، بل علينا أنْ نُبهرَها بصور جاهزة تُعدّ تعبيرا عن الثّبات والأحكام النّهائيّة”، كما يقول هاس. إن ما يستهويها هو “الفرجة”، و”الفرجة ليست صورا، إنها علاقات اجتماعية تتم من خلال الصور”، وفق غي دوبور. فالعروي ليس صورة، لذلك قد يتجول الشوارع طول النهار دون أن ينتبه إليه أحد، ولكن الحشود قد تحاصر في الشارع ممثلا من الدرجة الرابعة.

إنّ الكلمة “تُتعب”، إنها لا تقترح على العين معادلا مباشرا، بل تدعوها إلى استحضار ما يلائمها من المراجع الواقعية أو المتخيلة فقط. فطاقة الكلمة ليست في ما تحيل عليه، بل في طابعها الاحتمالي، أما الصورة، صورة الملصقات واللوحات والجرائد وسيل الصور الذي يأتينا من الشاشات، فإنها “مراجع” مضافة، إنها تحل محل حقائق الوجود أو تشوش عليها (الفيلترات المنتشرة الآن في الفيديوهات، دون أن نتحدث عن صور الذكاء الاصطناعي).

وذاك صنيعة من صنائع الاستعمال الدعائي للصورة. لا يمكن للدعاية أن تهتم بالجزئي، فاكتساب ودّ فرد معزول أصعب بكثير من التوجه إلى الحشود والتأثير فيها. وذاك هو المفصل المركزي في عمل الصورة، إنها في مضمونها تتوجه إلى الجماهير العريضة، ولكنها في التلقي المباشر توهم بالفرد بأنه هو وحده المقصود بالمنتج؛ إنها شبيهة بطبيعة الشعار الإشهاري نفسه، فهو يستهدف الجماهير العريضة من أجل بيع أكبر كمية من المنتجات، لكنه يتوجه إلى الفرد ويعزله عن الآخرين ليحثه على أن يكون أجمل الناس وأنظفهم وأكثرهم سعادة. إن الصورة لا تحاور، وكذلك الدعاية، فحين يكون هناك حوار بين الناس ينتفي النشاط الدعائي.

إذا كانت السينما المغربية تنتج صوراً عن المجتمع فهل تعتقد أنها استطاعت بناء مخيال بصري مغربي يمتلك خصوصيته الثقافية والجمالية، أم أنها مازالت أسيرة أنماط بصرية مستوردة تكرر صور الآخر أكثر مما تبتكر صورتها الخاصة؟.

تاريخ السينما المغربية حديث جدا، لم تُمنح لها فرصة تجريب الكثير من الأشكال الفنية في شكل تصاعدي هو الذي يخلق التراكم؛ لقد وجدت نفسها فجأة أمام عالم في حاجة إلى تصوير، في مرحلة كان المتفرجون يلتقطون صور مخيالهم مما جاءهم من السينما الأجنبية، المصرية والأمريكية والهندية. فالسينما في مصر مثلا اشتغلت على الكثير من الروايات التي كانت تصف مجتمع مصر بحاراته أحيائه وفضاءات فرجته، فامتزج الروائي بالسينمائي، وكأن الأفلام كانت “تشرح” الروايات من خلال تشخيصها أمام العين. لذلك تشكو السينما المغربية في الكثير من نماذجها من غياب “الإحساس” بالفضاء والزمان وتفاصيل عيش الناس في الحارات الشعبية.

وقد يكون هذا هو مصدر النقص الذي يميز الكثير من الحوارات في السينما المغربية، ففي الواقعة التواصلية البصرية نصل إلى الحدود القصوى في الجمع بين اللفظ والصورة. إنها الطريقة المثلى من أجل تحويل القصة إلى “موقف حي” يخلق أقصى حالات التماهي. فالمضمون السردي في الفيلم يتأسس على قدرة السيناريست أو المخرج على تصريف القصة من خلال “حوار” يُعد ممرا رئيسا من أجل ضبط إيقاع الصورة مع ما تقوله الكلمات.

وحتى عندما حاولت الارتباط ببعض قضايا تاريخنا المعاصر فإنها التقطت “الجاهز”، لقد حدثتنا بالتقرير عما كنا نعرفه من الشهادات والكثير من الكتابات حول السجن (الأفلام التي حاولت تصوير ما سميت سنوات الرصاص). والحال أنه لا يمكن بناء عوالم استنادا إلى أحكام جاهزة في الذاكرة أو بالاعتماد على مجموعة من الصور المتداولة: يتحول الفن في هذه الحالة إلى “تبرئة ذمة” أو “إعلان عن نوايا”، وقد تكون مجرد شهادة على أن النظام تغير وأن الحريات في كل مكان. بالتأكيد الصورة ليست قاتمة بالكامل، هناك محاولات كثيرة تروم البحث في ذاكرة الناس عن أشكال القلق عندهم، وهي محاولات لا بد أن تنتهي إلى خلق تراكمات تتحول إلى “رصيد” في ذاكرة السينما المغربية.

كثيراً ما تحتفي السينما المغربية بالهامش والفقر والعنف والهويات المأزومة. ومن منظور سيميائي هل تمثل هذه الاختيارات قراءة نقدية للواقع، أم أنها أصبحت بدورها علامات جاهزة تُستهلك داخل السوق السينمائية والمهرجانات الدولية؟.

أن يقدم السينمائي صورا عن الفقر لا يعني أنه قادر على الإمساك بشرط الفقراء في الأرض، ففي هذه الحالة نكون أمام” نظرة بؤسية” قد تثير شفقة المتفرج، لكنها لا تقود إلى الوعي بحالة الفقر عند الناس. وقد تكون هذه “النظرة البؤسية” هي التي أغرقت الكثير من الأفلام والمسلسلات المغربية في نزعة “كاريكاتورية” مصدرها التخلي عن “المشهد الدرامي” والتركيز على الممثل في فرادته لتحوله إلى مسخ يتقمص دورا يستهزئ من المدرس والموظف البسيط والفلاح؛ إنه يضحك منهم عوض التعاطف مع شرطهم الحياتي. فنادرا ما نجد أنفسنا أمام مشهد يلتقط الدور كما استبطنه الناس، وكما يمكن أن يتحقق بكل امتداداته في تفاصيل جسد الممثل وكلماته. إنّ الحياة المعروضة في الفيلم أو المسلسل تحضر من خلال الواجهة البرانيّة، إنها توضع في تفاصيل تستعيد بشكل تقريري ما “يقع” حقا، ما يمكن أن “يقع”، وبذلك لا تدفعنا إلى اكتشاف ما أصبح مألوفا لدينا، إنها تذكرنا فقط بما نعيشه.

لقد “كان الحقيقيُّ قديما هو الغائب عن العيْن، فالشكّ يَنصبّ عادة على المرئيّ” (دوبري)، ووفق ذلك فإن الصورة في السينما لا يجب أن تعرض علينا واقعنا، عليها أن تساعدنا على إعادة اكتشافه من خلال اللحظة المتخيلة. قدم حسن الفد في سلسلته الأولى نموذجا رائعا عن أسرة “مغربية” موجودة خارج السياسة والإيديولوجيا والعرق والمذاهب الدينية، والتعصب العرقي، إنه يحكي حياة “كوبل” يعيش في المجتمع من خلال عفوية اللحظة وعفوية الوعي وعفوية المحيط، لا يسخر من “التخلف”، بل يرصد حالات اجتماعية تعيش ضمن “متاح” يؤكد التطابق الكلي بين سلوك الفرد ودرجة وعيه الحضاري.

يشهد الذكاء الاصطناعي اليوم ثورة في إنتاج الصور، حتى أصبح بالإمكان صناعة مشاهد لا وجود لها في الواقع. كيف سيؤثر ذلك في مفهوم الحقيقة البصرية؟ وهل ستظل السيميائيات قادرة على التمييز بين الصورة بوصفها أثراً للواقع والصورة بوصفها محض بناء اصطناعي؟.

ليس لدي الكثير مما يكمن قوله عن الإبدال الحضاري الجديد. إنّ السميائيات ليست مصباح علاء، إنها رؤية أو تصور للمعنى، إنها لا تخلق وقائع ولا تتصدى لها، إنها تُعلّم الناس كيف يعودون إلى واقعهم من خلال رمزية العلامات، لا من خلال تفاصيل الوجود؛ فالأمر لم يعد يتعلق بصور مفردة أو بما يمكن أن يُرى في الشاشات في لحظة استرخاء، بل هو محاولة للتخلص مما يرى في المعيش من أجل الدفع بالناس إلى اللوذ بعوالم تبنى في صور تأتيهم من كل الجوانب. فعالم الحياة الفعلية لا يُدرك اليوم إلا من خلال مضاف افتراضي يُعمق غربة الفرد عن نفسه وعن واقعه، ويستدرجه إلى وحدة “ينتشي” بها وسط الجموع. والحال أنّ الخصاص في الرؤية يقود إلى وفرة في التخيل (كان روسو يقول “كلما ضاقت دائرة إبصارنا ازدادت قدرتنا على التخيل”).

إن الواقعي ناقص، وتلك طبيعته، كما هو الإنسان ناقص أيضا، وتلك عظمته وذاك مصدر قوته. ولكن النقصان في الحالتين معا لا يمكن أن يعوض بالافتراضي، بل يجب أن يتجسد في فعل إنساني واقعي يسعى فيه الإنسان إلى التغطية على جوانب النقص في وجوده، وذاك كان مسعاه منذ أن استقام عوده وانفصل عن محيط صامت ليخلق تاريخه الخاص. فنحن اليوم شهداء على ظهور غربة معمّمة تنتشر في كلّ مكان، “فلا أحد ينظر إلى أحد، ووحدها نظرات الرّجال والنّساء في الألواح التي تُزيّن الشوارع والمحطات تُلاحقنا في كلّ مكان” ( فرينو دورييل).

إننا نحيا الزمن باعتباره “لحظة أبدية”، بتعبير جان بودريار، أو ما يطلق عليها “الحضورية”، وهي صفة جديدة لزمن تخلى فيه الإنسان عن المستقبل والماضي بكل الحنين والأمل والندم فيهما، لكي ينغمس في “حاضر” لا أفق له سوى نفسه، ما يقابل بين الحلم والرغبة، الحلم ممتد في الزمن، أما الرغبة فلحظية. وكما كان نرجس عاشقا لصورته وحدها فإن الذين يعيشون في الافتراضي لا يبحثون في الشبكة سوى عن أنفسهم، عن شبيههم أو نظيرهم.

تتداخل في الفيلم السينمائي علامات متعددة؛ الصورة واللون والصوت والصمت والموسيقى وحركة الجسد والفضاء. أي هذه العلامات ترونها الأكثر قدرة على إنتاج المعنى؟ وهل يمكن للصمت، أحياناً، أن يكون أكثر بلاغة من الحوار؟.

جميعها، مع وجود العنصر المهيمن: إن الصورة هي الضابط لإيقاع كل الأنساق المنخرطة في بناء اللحظات الدرامية. هو ذاك التراكب الممكن بين أنساق لا شيء يجمع بينها في الظاهر. فمن خلال هذا التراكب لا نرى ما هو ممثل في الصورة، بل نلتقط خبرة إنسانية تتحقق من خلال كل طاقات التعبير عند الإنسان. وستظل اللغة، بالتأكيد، أرقى هذه الأنساق، وهي الموجه لها، فهي تصف وتسمي وتفكر في نفسها وتؤل سلوك المتكلمين. فالأفلام “الصامتة” نفسها كانت في حاجة إلى موجهات لكي يستقيم مضمون الفيلم. قد يشير ذلك إلى ما يخصص الزمن أو الفضاء أو تحديد طبيعة الشخصية. ما يعني أن السينما ستظل في حاجة إلى اللغة، إنها توجه العين إلى ما يمكن أن يحدث، ولكنها في الفيلم لا تصف، إن الصورة هي الواصفة.

يعاني النقد السينمائي العربي، في كثير من الأحيان، من الاكتفاء بسرد الحكاية أو إصدار الأحكام الانطباعية. لماذا لم تتحول السيميائيات إلى أداة مركزية في قراءة الفيلم العربي والمغربي؟ وهل تكمن الأزمة في غياب التكوين، أم في تعقيد الجهاز المفاهيمي للسيميائيات، أم في عزوف النقاد عن المغامرة النظرية؟.

-لا أعرف بالضبط أين مكمن الخلل، ولكن يبدو لي الأمر أن يعود إلى تصورنا للسميائيات ذاتها، فقد تحولت في “البودكاستات” المنتشرة هذه الأيام في كل مكان إلى “سيل” من الكلام العبثي الذي يتحدث عن “الإبستيمولوجا” و”الأونطولوجيا” دون الإحالة على مردودها في المتاح الثقافي العربي. لا يبنون خطابا سيميائيا تؤويه اللغة العربية ويكون قادرا على مساعدة القارئ على الانتباه إلى تفاصيل وجوده بحقائقه واستيهاماته؛ إنهم يتحدثون عن قضايا نظرية تكون في الغالب مبتورة ولا تستند إلى فهم عميق لجذور السميائيات وارتباطها بالخبرة الإنسانية.
نحن في حاجة إلى تكوين أصيل لطلبتنا يوجههم وينبههم إلى كل منتجات القول والبصر في محيطهم.

بعد عقود من الاشتغال على السيميائيات والصورة، ما السؤال الذي مازال يؤرق الأستاذ سعيد بنكراد ولم يجد له جواباً نهائياً؟ وهل تعتقدون أن المستقبل سيكون انتصاراً للصورة بوصفها لغة كونية أم أن تضخمها المفرط سيقود الإنسان إلى فقدان القدرة على رؤية المعنى وسط هذا الفيضان البصري؟.

كل شيء، وهذا من حسن حظي، فالوصول يورث الكسل الذهني، فما يعنيني ليس أن أكون رائدا، بل أن أكون كما أنا، وكما يمكن أن أعود إلى نفسي، وأحاول معرفتها في نقصانها وضعفها والكثير من مناطق الجهل فيها. أجتهد، نعم، لا لأعلن للناس أن قد وصلت، بل لأذكر نفسي بأنني في حاجة إلى المزيد من المعارف، لا لكي أصل، بل لكي تستمر جذوة البحث عن الحقيقة متقدة في نفسي.

أما عن موقع الصورة في حياتنا فلا يبدو لي أننا سنخرج في المنظور القريب والتوسط من دوامتها سطوتها واستيعابها لكل أشكال حضورنا في الفضاء العمومي، بل سيكون الآتي أكثر سوءا. لقد استبدلنا وجودنا الحقيقي بالصور، إن لقاءاتنا في الواقع عابرة أما مقامنا في الصورة فدائم: انتبهوا إلى النساء والرجال والأطفال في المقاهي، إنهم أسرى هواتفهم، إن الاتصال عندهم مشروط بالانفصال عن شرطهم الاجتماعي وعن اللحظة وعن حميمية الحياة ودفئها، إنهم يعيشون اليوم بأنوات متعددة لا تشكل الأنا الاجتماعية المألوفة سوى يافطة يعيش بها الفرد في اللحظات القليلة التي ينتبه فيها إلى محيطة. ولأن المجتمع يعيش حالات تشظ أصبحت كل الخطابات مقبولة، كما يروج لها في المنصات والبوداكستات، إنها شبيهة بالنّحل sectes : هناك الكذب والزيف الاجتماعي، وكل أشكال التسول والأخبار المفبركة، وهناك التعصب العرقي والديني والمذهبي والقومجي ودعاة المورية ودعاة كل شيء.

وهذا أمر لا يزعج السلطة، فمن أجل تفادي الانحياز إلى اختيارات بعينها أشاع خبراؤها فكرة التعدد في الهوية والانتماء خارج وحدة في القيم، يمكن أن تجمع بين شتاته، فهو لا يتحقق ضمن ثوابت حضارية، بل يتحقق ضمن ولاءات لا نعرف في الكثير من الحالات مصدرها. نحن اليوم كل شيء ولا شيء، إننا ننتمي إلى كل الثقافات ونتكلم كل اللغات، ولا نتكلم في واقع الأمر أي لغة، ولا نعيش سوى هجانة لا أصالة فيها (الحرب المعلنة على اللغة العربية في الكثير من الإذاعات الخاصة). إنه إعلام جديد لا يخبر أبدا. إننا أمام سلسلة من الأوامر والتوجيهات نتلقاها على مدار الساعة. والصور الأخيرة عن الهروب الكبير تقول كل شيء.

The post بنكراد: صورة العصر تبيع الهويات .. و"البودكاست" يغرق في الكلام العبثي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress