بنك الكويت الوطني: الاقتصاد المصري يتجه لأعلى نمو منذ 2022 رغم حرب أميركا وإيران
قال بنك الكويت الوطني، في مذكرة اقتصادية صادرة في 27 تموز/يوليو 2026، إن الاقتصاد المصري "يواصل إظهار مرونة" رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع التقلبات الخارجية.
وبحسب البنك، تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 5% على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2026، من كانون الثاني/يناير إلى آذار/مارس، مقارنة بـ4.8% في الفترة المقابلة من العام الماضي، استناداً إلى بيانات وزارة التخطيط المصرية.

ويحمل تسارع النمو المصري رغم اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران دلالة مباشرة لملايين المستهلكين المصريين ولمستثمري الخليج على حد سواء.
فمن جهة، يعني تراجع التضخم واستقرار سعر الفائدة تحسناً تدريجياً في القدرة الشرائية للأسر بعد سنوات من الضغط المعيشي الحاد.
ومن جهة أخرى، يبقى القطاع الخاص غير النفطي، وهو أكبر مشغّل للعمالة في مصر، تحت ضغط مستمر بحسب مؤشر مديري المشتريات، ما يحد من قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل جديدة بالوتيرة المطلوبة رغم النمو الكلي القوي.
أما بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب في سندات الدين المصرية، فإن التقلبات الحادة في تدفقات المحافظ خلال الأشهر الأخيرة تعكس حساسية السوق المصرية الشديدة تجاه أي تصعيد إقليمي جديد.
وجاء هذا الأداء "الأقوى من المتوقع" رغم اندلاع النزاع بين الولايات المتحدة وإيران قرب نهاية الربع، والذي أدى إلى تعطل سلاسل الإمداد ورفع أسعار النفط العالمية، بحسب البنك.
وكان الاستهلاك الأسري المحرك الرئيسي للنمو، يليه الإنفاق الحكومي، فيما بقيت مساهمة الاستثمار الخاص متواضعة، في حين شكلت الصادرات الصافية عبئاً على النشاط بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد المرتبطة بالنزاع الإقليمي.
وعلى مستوى القطاعات، سجلت قناة السويس نمواً بنسبة 24% على أساس سنوي، والسياحة 8.3%، والبناء 5.2%، بينما عاد قطاع التكرير إلى النمو بقوة بنسبة 15% مع استئناف شركات الطاقة الدولية عملياتها بعد جهود الحكومة لتسوية المتأخرات المستحقة عليها.
توقعات 2026/2027: نمو أقوى وعجز مالي أقل
يتوقع بنك الكويت الوطني أن يتسارع النمو الحقيقي من 5.1% مقدراً في السنة المالية 2025/2026 إلى 5.3% في 2026/2027، وهو أقوى توسع منذ 2021/2022.
كما يتوقع أن يتراجع متوسط التضخم إلى 11.6% في السنة المالية المقبلة، مع تراجع العجز المالي من 7.5% من الناتج المحلي إلى 6.8%، وانخفاض الدين العام من 87% إلى 82.5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى صعيد الإيرادات، يتوقع البنك أن تبقى تحصيلات الحكومة دون هدفها المعلن البالغ 4 تريليونات جنيه مصري، بما يعادل نحو 81.3 مليار دولار، لتقترب بدلاً من ذلك من 3.9 تريليونات جنيه، بما يعادل نحو 79.3 مليار دولار، رغم دعم النشاط الاقتصادي القوي وإصلاحات الإدارة الضريبية لعمليات التحصيل.
كما يتوقع البنك تراجع عجز الحساب الجاري من 4.4% من الناتج المحلي إلى 3.2% في 2026/2027، مع الإشارة إلى أن مصر قد تسعى إلى برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي بعد انتهاء البرنامج الحالي في كانون الأول/ديسمبر.
ويشير التقرير إلى أن المخاطر "تميل نحو الجانب السلبي" في ظل استمرار حالة عدم اليقين الإقليمية، مع احتمال أن يؤدي استمرار النزاع إلى زيادة فاتورة الاستيراد وفرض ضغوط أكبر على المالية العامة.
ضغوط على القطاع غير النفطي
في المقابل، أظهر مؤشر مديري المشتريات استمرار الضغط على النشاط غير النفطي، إذ تراجع إلى 46 نقطة في حزيران/يونيو، من 47.1 نقطة في أيار/مايو، ليبقى دون عتبة التوسع البالغة 50 نقطة للشهر السادس على التوالي.

ويمثل هذا المستوى أضعف ظروف أعمال منذ كانون الثاني/يناير 2023، ما قد يدفع نمو الناتج المحلي إلى ما دون 4% في نهاية الربع الثاني، بحسب تقديرات البنك.
وأشارت الشركات المشمولة بالمسح إلى تراجع في الطلب والطلبيات الجديدة والإنتاج والتوظيف، إلى جانب اضطرابات في سلاسل الإمداد وقيود على السيولة ونقص في المواد الخام.
التضخم يتراجع والبنك المركزي يبقي الفائدة ثابتة
واصل التضخم مساره التنازلي، إذ تباطأ التضخم الحضري السنوي، وهو المؤشر الذي يستهدفه البنك المركزي المصري، للشهر الثالث على التوالي إلى 14.3% في حزيران/يونيو، مقارنة بـ14.6% في أيار/مايو و14.9% في نيسان/أبريل.

وجاء هذا التراجع مدفوعاً بانخفاض أسعار الخضروات بنسبة 12%، واللحوم والدواجن بنسبة 5.2%، ومنتجات الألبان بنسبة 2%.
ويشار إلى أن معدل التضخم على مستوى الجمهورية ككل، الذي يصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بشكل منفصل، سجل مستوى أدنى بلغ 12.2% في الشهر نفسه، ما يعكس الفارق المعتاد بين مؤشري المدن الحضرية وعموم الجمهورية.
لكن التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، ارتفع إلى 14.3%، ما يشير إلى استمرار الضغوط التضخمية الكامنة رغم تحسن الرقم الإجمالي.
وعلى هذه الخلفية، أبقت لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير للاجتماع الثالث على التوالي في تموز/يوليو، مثبتة سعر الإيداع عند 19% وسعر الإقراض عند 20%، في قرار جاء متوافقاً مع توقعات السوق.
ويتوقع بنك الكويت الوطني استئناف دورة التيسير النقدي بخفض قدره 100 نقطة أساس في الربع الرابع من 2026، يتبعه خفض إضافي بمقدار 300 نقطة أساس في 2027، ليهبط سعر الإقراض إلى 16%.
تقلبات الجنيه وتدفقات رأس المال
شهد الجنيه المصري تقلبات ملحوظة خلال النصف الأول من 2026، لينهي الفترة منخفضاً بنسبة 3.3% مقابل الدولار الأميركي، رغم تعافي تدفقات المحافظ الأجنبية أخيراً.
وسجلت تدفقات المحافظ الأجنبية الصافية إلى الدين الحكومي المصري ذروتها في حزيران/يونيو عند 8.4 مليارات دولار بعد توقيع مذكرة تفاهم أميركية-إيرانية، إلا أن الاتجاه انعكس في تموز/يوليو مع تصاعد التوترات مجدداً.
وبلغ صافي التدفقات التراكمية إلى السوق الثانوية 11.6 مليار دولار في النصف الأول من 2026، مقارنة بـ12.2 مليار دولار في النصف الثاني من 2025.
اتساع عجز الميزان التجاري رغم مصادر النقد الأجنبي القوية
سجل الحساب الجاري عجزاً بلغ 14.6 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025/2026، من تموز/يوليو 2025 إلى آذار/مارس 2026، بحسب بنك الكويت الوطني ووفق ما أكده البنك المركزي المصري لاحقاً في تقرير رسمي منفصل عن ميزان المدفوعات.
أما عجز الميزان التجاري للسلع، فاتسع بنسبة 24.6% ليبلغ 47.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها، ارتفاعاً من 38.3 مليار دولار في العام السابق، بحسب بيانات البنك المركزي المصري، مدفوعاً بزيادة العجز التجاري غير النفطي إلى 34.7 مليار دولار والعجز النفطي إلى 13.1 مليار دولار.
ويُذكر أن هذا الرقم يختلف عن الرقم الذي أورده تقرير بنك الكويت الوطني، والبالغ 14.8 مليار دولار، للإشارة إلى الميزان التجاري في السياق نفسه، وهو ما يوحي بأن المذكرة استخدمت مقياساً مختلفاً أو تضمنت التباساً في التعريف. ويُعتمد هنا الرقم الرسمي الصادر عن البنك المركزي المصري باعتباره المرجع الأدق.
في المقابل، واصلت مصادر النقد الأجنبي التقليدية تقديم دعم مهم، إذ ارتفعت تحويلات العاملين بالخارج بنسبة 32% على أساس سنوي إلى 34.9 مليار دولار، وإيرادات السياحة بنسبة 14.9% إلى 14.4 مليار دولار، وإيرادات قناة السويس بنسبة 22% إلى 3.2 مليارات دولار.
كذلك ارتفع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 33% على أساس سنوي إلى 13 مليار دولار، مدعوماً بمشاريع استثمارية كبرى، أبرزها مشروع "علم الروم" على الساحل الشمالي، إلى جانب استثمارات مستمرة في قطاع الطاقة، وفق التقرير.
وبلغت الاحتياطيات الرسمية الصافية للبنك المركزي المصري مستوى قياسياً عند 55.1 مليار دولار بنهاية حزيران/يونيو، وهو ما يغطي نحو ستة أشهر من الواردات.