بن الشيهب يدعو إلى تربية رقمية ومحاسبة المنصات بدل الزجر فقط
في ظل النقاش المجتمعي المحتدم حول المحتوى الرقمي في شبكات التواصل الاجتماعي، والجدل القائم بين حماية الذوق العام وضمان حرية التعبير، قدم غسان بن الشيهب، خبير في الإعلام الرقمي شريك مؤسس لمنصة “صدى”، مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الزجرية التقليدية، لتضع الأصبع على الجرح الحقيقي المتمثل في الفراغ التأطيري والتعليمي.
خلال مشاركته في برنامج “نقاش هسبريس”، أكد بن الشيهب أن مواجهة “السيبة الرقمية” لا يمكن أن تقتصر على إغلاق القنوات والزج بأصحابها في السجون، بل تتطلب استراتيجية متكاملة تشرك الدولة، والمدرسة، والأسرة، بل وحتى المنصات الرقمية العالمية.
واستهل بن الشيهب مداخلته بالإشارة إلى وجود “فراغ قانوني” في التعاطي مع ما ينشر على شبكات التواصل الاجتماعي. وحذر من الانزلاق نحو “محاسبة الذوق” بدلاً من “محاسبة الفعل”، مشدداً على أن المحتوى الذي قد يراه البعض تافهاً، يشكل بالنسبة لآخرين جزءاً من يومياتهم الترفيهية. وأوضح أن الترفيه البسيط لا يتطلب بالضرورة حمولة قيمية، وأن الخطورة تكمن فقط عندما يتحول هذا المحتوى إلى تدمير للقيم أو انتهاك للقوانين.
ولتصحيح المفاهيم، تحدى بن الشيهب القائلين بأن المحتوى “الهابط” هو صناعة مغربية خالصة، مؤكداً أن مقارنة بسيطة مع دول الخليج، وشمال إفريقيا، بل والدول الغربية، ستثبت أن هذا النوع من المحتوى موجود في كل مكان. وألقى المتحدث باللائمة على المنصات العالمية (مثل يوتيوب وفيسبوك وتيك توك)، معتبراً إياها شريكاً أساسياً في الأزمة لأن خوارزمياتها تدعم المحتوى المثير (البوز) الذي يدر المشاهدات والأرباح. ودعا في هذا الصدد إلى فتح نقاش جدي لإلزام هذه الشركات الكبرى باحترام الخصوصية المغربية والمساهمة في تمويل “حاضنات صناع المحتوى”، أسوة بما تفرضه عليها دول أخرى كفرنسا والولايات المتحدة.
في تشخيصه للأزمة، ربط بن الشيهب الوضع الحالي بـ”فشل مؤسساتي”، داعياً إلى اختراق المدارس بمناهج “التربية الرقمية”. وقارن هذه الخطوة بالنقاشات السابقة حول التربية الجنسية، مؤكداً أن أطفال اليوم، الذين يتعاملون مع الألواح الذكية ببراعة تفوق آباءهم، يحتاجون بشدة إلى تعلم كيفية التعامل مع الأخبار الزائفة، ومبادئ الأمن السيبراني وتجنب الروابط المشبوهة، وكيفية التعاطي مع المحتوى غير اللائق عبر الإنترنت.
وقدم بن الشيهب حلاً عملياً يتمثل في خلق فضاءات مخصصة لصناع المحتوى، مقترحاً إعادة إحياء “دور الشباب” وتحديثها لتلائم لغة العصر. فبدلاً من الأنشطة التقليدية التي لم تعد تجذب جيل اليوم، دعا إلى تحويل هذه الدور إلى مراكز لتعليم تقنيات التصوير والمونتاج، واستخدام الذكاء الاصطناعي وصناعة الألعاب، وكتابة السيناريو وصناعة “البودكاست”. وأكد أن دعم المحتوى الإيجابي لا يجب أن يقتصر على “التصفيق”، بل يتطلب دعماً مالياً وتقنياً لمنافسة المحتوى السلبي الذي يلجأ إليه بعض الشباب بحثاً عن الربح المادي السريع.
واستحضر المتحدث تجربته الشخصية في إطلاق منصة “تحقق” خلال أزمة كورونا لمكافحة الأخبار الزائفة. وكشف أن التجربة أثبتت أن المشكل لا يكمن في الخبر الكاذب بحد ذاته، بل في “غياب الحس النقدي” لدى جميع طبقات المجتمع (من أطباء، وأساتذة، ومواطنين بسطاء)، مما يسهل انتشار الشائعات. وحذر بن شهب من أن المستقبل يحمل تحديات أخطر مع تطور الذكاء الاصطناعي القادر على فبركة الصور والفيديوهات بسهولة، مما يجعل بناء عقول تمتلك حساً نقدياً مسألة أمن قومي حقيقية.
في ختام رؤيته، وجه بن الشيهب رسالة للآباء المشتكين من تأثير المحتوى السلبي على أبنائهم، مذكراً إياهم بأن الحلول التقنية متوفرة، مثل برامج “الرقابة الأبوية” المتاحة في يوتيوب وتيك توك وغيرها. وشدد على ضرورة تحلي الآباء بالوعي التقني لحماية أبنائهم بدلاً من الاكتفاء بلعب دور الضحية.
ورسم بن الشيهب خارطة طريق واضحة، فإذا كانت المقاربة القانونية والزجرية ضرورية لضبط الانفلاتات، فإن البناء الحقيقي يبدأ من المدرسة والأسرة، ويمر عبر دعم الكفاءات الشابة، وتحميل المنصات العالمية مسؤوليتها الأخلاقية والمادية، لبناء جيل مغربي محصن رقمياً وقادر على استهلاك وإنتاج محتوى يليق بقيمه وثقافته.
The post بن الشيهب يدعو إلى تربية رقمية ومحاسبة المنصات بدل الزجر فقط appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.