بكتيريا المناجم في تشيلي: هكذا تدير الميكروبات هندسة السلع وتوفر الملايين!
سارة أبو حمدان
حين تتنافس القوى الاقتصادية الكبرى والشركات التكنولوجية العملاقة، مثل "تيسلا" و "بي واي دي"، لتأمين سلاسل توريد المعادن الحيوية اللازمة لبطاريات السيارات الكهربائية والأنظمة الرقمية، تتجه الأنظار في العادة نحو الأفران الحرارية والمصانع الكيميائية الضخمة. لكن كواليس جغرافيا المال لعام 2026 تكشف عن انعطاف تقني مذهل: بات استخراج الثروات المعدنية من الأرض مرتهناً بكائنات مجهرية لا تُرى بالعين المجردة، تعيد صوغ مفاهيم التعدين وخفض التكلفة الإنتاجية على مستوى الكوكب.
تقود هذا التحول الجذري دولة تشيلي، بصفتها أكبر منتج للنحاس في العالم، من خلال تكنولوجيا ثورية باتت تُعرف في الأوساط الاستثمارية باسم "التعدين الحيوي"، وهي الثورة التي زاوجت بين البيولوجيا وهندسة الندرة لتوليد أرباح استثنائية من قلب النفايات الصخرية.
ففي المناجم التشيليّة الأضخم عالمياً، مثل منجم "إسكونديدا"، تعتمد الطرق الكلاسيكية لفصل النحاس وتحقيق النقاوة المعدنية في مسار مكلف مادية وبيئياً، يبدأ بتكسير الجبال ثم نقل الصخور وطحنها، وصولاً إلى صهرها تحت درجات حرارة عالية جداً، أو غمرها في بحيرات من حمض الكبريتيك الحارق.
لكن "التعدين الحيوي" جاء ليحدث خرقاً في هذه السلسلة المعقدة: تُرش تلال الصخور المفجرة مسبقاً بسلالات من بكتيريا طبيعية متخصصة تُدعى Acidithiobacillus ferrooxidans. هذه الكائنات المجهرية تتغذى بشكل طبيعي على الحديد والكبريت المكونين للصخر كجزء من تمثيلها الغذائي، وخلال عملية "التهام" الحجر البطيئة هذه، تقوم البكتيريا بأكسدة المركبات الصخرية وإذابتها، ما يؤدي إلى سيلان النحاس النقي على شكل سائل يتم تجميعه عبر قنوات خاصة، من دون الحاجة إلى الاعتماد الكثيف على أفران الصهر التقليدية أو مركبات الأحماض المركزة في مرحلة الفصل والتنقية.

هذا التحول البيولوجي الذي تشهده الأسواق العالمية اليوم لا يحدث من قبيل الرفاهية البيئية، بل هو مدفوع بوفرة مالية ملحوظة غيرت الميزانيات العمومية لشركات التعدين؛ إذ مكنت هذه البكتيريا الشركات من استخراج النحاس عالي النقاء من الصخور منخفضة الجودة، وهي الصخور التي كانت تُصنف تاريخياً كنفايات وتُلقى في الصحارى لأن تكلفة صهرها بالطرق التقليدية تتجاوز قيمة المعدن القابع بداخلها. وتؤكد التقارير المالية للشركات التعدينية أن الاعتماد على البكتيريا يساهم في خفض التكلفة التشغيلية لمرحلة الفصل والتكرير بنسب تتراوح بين عشرين وثلاثين بالمئة، نظراً لتوفير ملايين الدولارات التي كانت تُنفق على مصادر الطاقة الفلكية اللازمة لرفع حرارة أفران الصهر وضخ المواد الكيميائية.
ومع احتدام الصراع الاستراتيجي بين واشنطن وبكين على احتكار معادن المستقبل، تحولت بكتيريا تشيلي إلى أداة جيوسياسية ناعمة، فلم تعد شركة كوديلكو الوطنية التشيلية للنحاس تبيع المواد الخام فحسب، بل باتت تستثمر في مختبرات متطورة لتعديل وهندسة سلالات بكتيرية فائقة الكفاءة في تفكيك الصخور، وتدمج هذه التكنولوجيا الحية ضمن عقود الخدمات الهندسية الشاملة للمناجم العالمية.
علاوة على ذلك، يمثل النموذج تشيلي خط دفاع مرناً أمام الضرائب البيئية الدولية الصارمة؛ إذ يساهم التعدين الحيوي في خفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالتكرير بنسب تصل إلى 50%، ويقلل من استهلاك المياه العذبة في المناطق القاحلة، وهذا يرفع تصنيف الدولة في بورصات الاستثمار الأخضر العالمي.
في نهاية المطاف، يبرهن النموذج التشيلي أن مفهوم القيمة في القرن الحادي والعشرين يُعيد تشكيل نفسه خارج الأطر الصناعية التقليدية. فالأمر لا يتعلق بامتلاك الأفران الأشد لهيباً، بل بالقدرة على تطويع أسرار الطبيعة المجهرية لإدارة أعتى الصناعات الثقيلة. إن البكتيريا التي تفتت صخور جبال الأنديز صامتة اليوم، لكننا في عالم صارت فيه الميكروبات الطبيعية المحرك الخفي وراء تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.