بغداد وأربيل تفتحان صفحة جديدة... هل تنجح حكومة الزيدي في كسر الجمود؟
شكّلت الزيارة التي أجراها رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني لبغداد، السبت، محطة سياسية لافتة في مسار العلاقة بين بغداد وأربيل، بوصفها أول زيارة لمسؤول كردي رفيع لبغداد بعد تشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة برئاسة علي الزيدي، في وقت تتزايد فيه التوقعات بإمكانية فتح صفحة جديدة لمعالجة الملفات العالقة بين الجانبين، وفي مقدمتها القضايا النفطية والمالية والأمنية والإدارية التي تراكمت خلال السنوات الماضية وأثّرت مباشرة على طبيعة العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
وتأتي الزيارة في ظل متغيرات سياسية ترى فيها قوى كردية فرصة مختلفة عن المراحل السابقة، لا سيما مع وصول رئيس وزراء يُنظر إليه على أنه خارج إطار المنظومة السياسية التقليدية التي لطالما اتُّهمت، وفق أطراف كردية، بتغذية الخلافات السياسية والدستورية بين بغداد وأربيل، سواء عبر إدارة ملف النفط والغاز، أو آليات توزيع الموازنات والرواتب، أو التعامل مع صلاحيات الإقليم وحدود سلطاته الإدارية والاقتصادية.
لجان مشتركة وتفاهمات أولية
وبحسب مصادر سياسية مطلعة لـ"النهار"، فإن "اللقاءات التي عقدها بارزاني مع كبار المسؤولين في بغداد اتسمت بأجواء إيجابية ومرنة، وأسفرت عن تقارب ملحوظ في وجهات النظر حيال عدد من الملفات الخلافية، وسط تأكيدات متبادلة بضرورة الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء تفاهمات طويلة الأمد تستند إلى الدستور والمصالح المشتركة".
وتضيف المصادر أن "الجانبين اتفقا على تشكيل لجان فنية مشتركة جديدة تتولى متابعة القضايا النفطية والمالية، إلى جانب ملفات المنافذ الحدودية والتنسيق الأمني المشترك، بما يهدف إلى وضع آليات تنفيذية واضحة تمنع تكرار الأزمات السابقة".
وتعد ملفات النفط والرواتب من أبرز نقاط الخلاف التاريخية بين بغداد وأربيل، إذ شهدت العلاقة بين الطرفين خلال الأعوام الماضية توترات متكررة على خلفية تصدير نفط الإقليم، وحصة إقليم كردستان من الموازنة الاتحادية، فضلاً عن أزمة رواتب موظفي الإقليم التي تحولت في فترات عدة إلى ورقة ضغط سياسية متبادلة. غير أن مؤشرات الانفتاح الحالية، بحسب مراقبين، قد تعكس توجهاً جديداً لدى الحكومة الاتحادية لإعادة صياغة العلاقة مع الإقليم على أسس أكثر استقراراً وواقعية، خاصة في ظل الحاجة إلى تعزيز الاستقرار الداخلي ومواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية التي تمر بها البلاد.
ويقول عضو "الحزب الديموقراطي الكردستاني" وفاء محمد كريم، لـ"النهار"، إن "زيارة بارزاني لبغداد تمثل خطوة مهمة وجدية نحو معالجة الخلافات العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، واللقاءات التي عقدت خلال الزيارة أظهرت وجود رغبة سياسية متبادلة لفتح صفحة جديدة قائمة على الحوار والتفاهم".

اختبار حقيقي لحكومة الزيدي
ويوضح كريم أن "زيارة رئيس حكومة الإقليم لبغداد جاءت في توقيت حساس ومهم، خاصة بعد تشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة برئاسة الزيدي، إذ لمسنا مرونة أكبر واستعداداً واضحاً لمعالجة الملفات الخلافية بعيداً عن التعقيدات السياسية التي كانت تعرقل التفاهمات في السابق".
ويضيف أن "الزيارة أسهمت إسهاماً كبيراً في تقريب وجهات النظر بين الجانبين، لا سيما في الملفات النفطية والمالية، فضلاً عن قضايا المنافذ الحدودية والتنسيق الأمني المشترك. والاتفاق على تشكيل لجان فنية مشتركة يعدّ مؤشراً إيجابياً وخطوة عملية باتجاه الوصول إلى حلول دائمة وفق الدستور".
ويؤكد كريم أن "الطرفين توصلا إلى تفاهمات أولية بشأن آليات متابعة ملف الرواتب والمستحقات المالية للإقليم، إلى جانب مناقشة آليات تنظيم تصدير النفط بما يضمن حقوق جميع الأطراف ويحافظ على الاستقرار الاقتصادي للعراق".
ويشدد على أن "حكومة الإقليم تنظر بإيجابية إلى طبيعة الحوارات الحالية مع بغداد، خصوصاً أن الحكومة الجديدة تبدو أكثر انفتاحاً على الحلول الواقعية. وثمة قناعة مشتركة بأن استمرار الخلافات لم يعد يخدم أي طرف في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد".
ويختم عضو الحزب الديموقراطي الكردستاني بالتأكيد أن "المرحلة المقبلة ستشهد استمرار الاجتماعات الفنية والسياسية بين بغداد وأربيل، بهدف تحويل التفاهمات الأولية إلى اتفاقات تنفيذية واضحة، بما ينعكس إيجاباً على المواطنين في الإقليم وباقي المحافظات العراقية. ونجاح الحوار الحالي قد يؤسس لعلاقة أكثر استقراراً بين المركز والإقليم خلال المرحلة المقبلة".
هل تنتهي أزمات النفط والرواتب؟
ويرى مراقبون أن نجاح زيارة بارزاني قد يمهد لمرحلة تفاهمات أوسع بين بغداد وأربيل، خصوصاً إذا ما تمكنت اللجان المشتركة من تحقيق اختراق فعلي في الملفات المعقدة التي بقيت لسنوات دون حلول نهائية، الأمر الذي قد ينعكس إيجاباً على المشهد السياسي العراقي عامةً، ويمنح الحكومة الجديدة فرصة لإثبات قدرتها على إدارة واحدة من أكثر القضايا حساسية في البلاد.
بالمقابل، يقول الباحث في الشأن السياسي أحمد الأنصاري لـ"النهار"، إن "زيارة بارزاني لبغداد لا يمكن النظر إليها باعتبارها بروتوكولية أو اعتيادية، بل تحمل أبعاداً سياسية واضحة، خاصة أنها جاءت كأول تحرك رسمي رفيع المستوى من جانب الإقليم بعد تشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة، وهو ما يعكس رغبة متبادلة في اختبار فرص التفاهم وفتح قنوات حوار أكثر جدية".
ويوضح الأنصاري أن "التحركات الحالية تشير إلى وجود إدراك لدى الطرفين بأن استمرار الأزمات بين بغداد وأربيل بات يشكل عبئاً سياسياً واقتصادياً على الدولة العراقية عامةً، خصوصاً مع التحديات المالية والضغوط الاقتصادية التي تتطلب درجة أعلى من التنسيق والتفاهم".
ويضيف أن "الحديث عن تقارب في وجهات النظر لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات بالكامل، لأن بعض الملفات، وخصوصاً النفط والصلاحيات الدستورية، لا تزال معقدة وتحتاج إلى تفاهمات طويلة الأمد".
ويؤكد الأنصاري أن "نجاح هذه الجولة من الحوارات سيعتمد على قدرة بغداد وأربيل على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية، لأن الشارع العراقي والكردي بات يقيس نجاح أي اتفاق بمدى انعكاسه على الملفات المعيشية، وفي مقدمتها الرواتب والاستقرار الاقتصادي".