بعض ذكريات التّدريس في تاكونيت (2/2)

حان موعد أوّل حصّة تدريسية مع تلاميذ الجذع العلمي ظهيرة يوم اثنين شهر مارس 2011، استدعت مخيلتي إبّان طريقي إلى المدرسة شتّى هواجس السّيناريوهات الممكنة والتّساؤل عن طبيعة حضوري المفترض، ومدى قدرتي على امتلاك زمام مقوّمات اللّحظة الحاسمة بالكيفية المطلوبة.

حقيقة رغم انتماء المدرسة إلى أقصى جغرافية الهامش داخل البلد، فقد كانت نموذجية على مستوى فضائها المادّي وأيضا المستوى الأخلاقي والتّربوي لتلاميذها إضافة إلى التزام وحيوية مديرها وكذا طيبة ساكنة القرية بشكل عام واحترامهم للغرباء لاسيما المدرّسين.

تطلّع نحوي التّلاميذ بفضول كبير، وأنا أخطوا أولى خطوات متهيّبة ومرتبكة مستعرضا في وجوههم للمواراة ابتسامة عريضة وملوِّحا بالتّحية. شعرت بحرارة مضاعفة تكتسح مجمل جسدي حينما بلغت مكتب الفصل الدّراسي، وأنا بصدد العثور على الكلمات التّمهيدية المناسبة لتدشين معالم أوّل درس وكذا الأسلوب الأكثر نجاعة على مستوى ذكاء التّواصل التّربوي في مثل هذه المواقف بحيث لم تكن لديّ أي فكرة بخصوص منهجية التّدريس.

رميت بصري على امتداد الفصل، أطفال في مقتبل سنّ الشّباب يتجاوز عددهم من الحدّ المطلوب. أربعة  صفوف متراصّة وفق توازن ظاهر بين العنصرين الذّكوري والأنثوي، يتأمّلني جميعهم بنظرة تقول أشياء جمّة.

سألتهم عن المحطّة التي بلغوها ضمن موضوعات المقرّر الدّراسي صحبة الأستاذ السّابق، فكان جوابهم على نحو شبه جماعي  :

-”درس العولمة والثّقافة”.

ياسلام ! موضوع معرفي دسم وشيّق يمنحني إمكانية التّكلّم باستفاضة كي أشعِر المتعلّمين بجانب من قدراتي ومهاراتي التّلقينية وأترك ربّما من البداية أثرا طيّبا.

اقترحت عليهم بداية قراءة النصّ، فارتفعت الأصابع بتنافس وحماس ممّا أرسى انطباعا محفّزا ومشجّعا كي أتخلّص تدريجيا من ضغط اللّحظة وأنا المنفصل ذهنيا ونفسيا عن سياق زمن هؤلاء التّلاميذ بمقدار أكثر من ثلاثة أجيال حسب مختلف حيثيات التغيّرات النّوعية التي شهدها العالم قياسا مع حقبة جيلي، بحيث تعود معرفتي بأجواء السّلك الثّانوي تلميذا إلى أواسط الثّمانينيات المختلفة تماما معطياتها عن سياق عودتي ثانية مدرّسا إلى نفس الفصل.مرجعي الوحيد لردم الهوّة، الاعتماد على مرونة التّواصل الاجتماعي والذّكاء المنهجي.

انطلقت في الحديث عن العولمة موضوع نصّ الانطلاق، وأسهبت في سرد جملة معطيات تاريخية وسياسية راهنة وفق رؤية انتقادية لمصير العالم والبشرية والتّأكيد على ضرورة تبنّي روافد وعي ثقافي نقدي بالنّسبة لنا نحن شعوب المنظومات المتخلّفة، قصد فهم خبايا الأمور فهما عميقا وتجنّب السّقوط  في شرور الانفتاح النّاعم للعولمة المستذئبة.

لاحظت تجاوبا عبر استقصاء عيون التّلاميذ وإصغائهم لحديثي والأفكار الجديدة التي أدلي بها نحو مسامعهم.بدأت الأصابع ترفع لطرح بعض الأسئلة والاستفسار عن  شرح كلمات وردت في النّصّ.أحسست بالانتعاش،كسّرت مبدئيا رهبة البداية، يلزمني الانطلاق بشغف وحبّ أكبر حتى أبلغ بالتّدريج مراتب التّجاوب الفعّال مع التّلاميذ وتطوير جانب من إمكانياتهم، ذلك ما فعلته أكثر مع تلاميذ الباكلوريا العلمية، بفضل النصوص التي تضمّنها كرّاس مرشدهم الدّراسي حول المسرح والسّينما والفنون التّشكيلية.يتعلّق الأمر باثنين وعشرين تلميذا مثّلوا نخبة المؤسّسة طيلة ثلاث سنوات تقريبا وفق ما أخبرني به المدير وكذا مدرّس اللّغة العربية.

لذلك وأنا أستقبلهم خلال الحصّة الموالية، استحضرت التّصنيف القائم بكيفية حسّاسة ودقيقة حتى أتبيّن حقّا كنه المجموعة التي تحظى برمزية داخل المؤسّسة حسب الرّأي و  التّقييم السّائدين. ولجوا القاعة على إيقاع ضجيج ملحوظ.

-”أهكذا يُستقبل الضّيوف ؟”، قلت وأنا أكتب عنوانا على السّبّورة.

رمقوني باستغراب وقد استعادت القاعة صمتها، بدا عددهم نموذجيا يتيح مجالا ملائما من أجل بثّ معالم روح تربوية وتعليمية بنّاءة والسّعي إلى مباشرة ورشات فنّية إن أمكن داخل الفصل قصد بثّ روح القيم الجمالية لدى هؤلاء التلاميذ.

أدركت بأنّ ثقافتهم الفنّية منعدمة وحسّهم الجمالي في حاجة كبيرة إلى الإثارة، بعد أول لقاء جمعني بتدريسهم مقالتين حول السّينما والمسرح وتشخيص مشاهد تمثيلية داخل الفصل خلال حصص متوالية. أعجبتهم فكرة التّشخيص كثيرا واكتشفوا من خلالها ذواتهم بكيفية مغايرة وعبروا عن مشاعرهم بطريقة مختلفة لم يعهدوها والأهم من ذلك إدراكهم إمكانية أن تصير المدرسة ورشا لملكَات متعدّدة غير التي عرفوها سلفا.

بعد انقضاء فترة قليلة بدأت استأنس مع تفاصيل عالمي الجديد، كما أصبحت مألوفا داخل المدرسة ولدى التّلاميذ أسعى إلى فهم طبيعة ذهنية المنطقة وساكنتها وكذا منظومة العادات و التّقاليد.لم يكن ذلك تمرينا صعبا نظرا لطبيعة شخصيتي التي خبرت علاقات عدّة ومتنوّعة فراكمت جانبا وفيرا من سهولة التّواصل رغم هوّيتي الدّفينة التي تنزع مبدئيا إلى الانطوائية والعزلة وإيثار البقاء منفردا.

تمسّكت خلال تلك الفترة بحرّيتي نحو منظومة المهنة الشّكلية أو الطّقوس الواجب تمثّلها وتبنّيها ظاهريا قصد الانتماء إلى أهل المنظومة.لم أحمل محفظة و لا كتبا ولا جذاذات تعليمية،أذهب إلى المدرسة دون وثيقة بحيث لم أستسغ بداية القوالب التي توجبها ممارسة المهنة،لكن داخل الفصل لا أتردّد قط في القيام بواجبي على أكمل وجه ممّا أشاع منذ الأيّام الأولى حكاية حضوري داخل المدرسة، لاسيما بعد اكتشافهم صدفة على الانترنيت صوري الشخصية تؤثّث بعض المواقع والمنابر الإعلامية، فزاد احترامهم وفي نفس الآن غيرة أستاذهم السّابق الذي أخذ يفقد حظوة مكانته قبل مجيئي،أ حسست بذلك من خلال تحوّلات مستويات تعامله معي وكذا مايصلني من حكايات اغتيابه، لاسيما وأنّه صاحب ذهنية سلطوية عتيقة رغم مظهره الشّابّ و الحديث، غير منفتح على المعارف الإنسانية مكتفيا تماما بالنّحو و البلاغة، ثم ازداد امتعاضه لكوني لا ألتقيه سوى حين مصادفته بين الفينة والأخرى في الطّريق.

أكثر ما افتقدته حقبة استقراري في البلدة الصّحراوية إضافة طبعا إلى حضور أمّي،أمسيات النّادي الرّياضي ولقاءاته المرحة وأحاديث الأصدقاء المريحة.لن أنسى قط تاريخ الحماية من كل زلل الذي وفرته الممارسة الرياضية نفسيا وذهنيا بالدّرجة الأولى وطبعا بدنيا خلال ظروف صعبة جدا، كي أستلهم معاني المقاومة والصّمود ومواجهة الصّعاب اليومية وأنا بدون عمل و لا مورد مادي ولا أصدقاء حقيقيين ولا أسرة و لا حبّ ولا سند أيّ وَهْمٍ  من الأوهام المجتمعية، أعاني وحيدا في صمت عاجزا عن اختيار وجهة حقيقية ضمن منعرجات صعبة بعد سنوات من الأمل والاشتغال الجاد غير قادر حقّا على حسم خيار مناسب أقتفي معه سبيلا نحو حياة تشعرني بهويتي المطمئنة.

فعلا ركّزت مجمل طموحاتي على إكمال المسار الجامعي بشهادة مثمرة معرفيا ومهنيا تتيح لي بيسر الولوج إلى التّدريس في المدرّجات الجامعية، من ثمّة بداية الانطلاقة نحو عوالم معرفية أكثر خلقا و إبداعا، لكن المسيرة أخذت منعرجات معقّدة لم أتوقّعها.

أستعيد تراث ذلك الماضي وأنا أحاول التكيّف مع واقع البلدة والظّروف المستحدثة دون التّفريط جوهريا في مبادئ فلسفتي الشخصية التي ألهمتني أسباب البقاء والتمسّك قدر التّماسك.

بعد أن استقرّ بي المقام، سألت عن عنوان ناد رياضي مفترضا أصلا جوابا بالنّفي بحكم طبيعة المنطقة، لكن ويا للمفارقة والخبر المبهج ! أُرْشِدت نحو عنوان منزل متواضع جهّزه صاحبه الضّابط في الجيش ضمن الوحدات المتواجدة على امتداد حدود المنطقة، ببعض المعدّات البسيطة مع قاعة صغيرة لممارسة رياضة الكاراتيه. شخص لطيف ومهذّب حاز على الحزام الأسود الدّرجة الثالثة. سعدت بالاكتشاف الرّائع، لذلك التزمت منذ اليوم الأوّل بجدول المواعد المحدّدة رغم عائقي حرارة المناخ وكذا الإطار المكاني  للنّادي،لكنّ شغفي أقوى فانسجمت مع المجموعة بل وحظيت بعد فترة قصيرة بمرتبة أتاحت لي فرصة افتتاح الحصص بتدريبهم على الحركات التّسخينية نظرا للثقافة الرياضية التي راكمتها.

توطّدت علاقتي بصاحب النادي و الممارسين،وبحكم انضباطي وكذا إقبالي، اقترح عليّ الاحتفاظ بالمفتاح والتكلّف بمسؤولية فتح النّادي لاسيما خلال فترات غيابه بين الفينة والأخرى بحكم ضرورات وظيفته العسكرية، فلم أتأخّر أو أتغيّب وكذا الالتزام بالتّدريب لمدّة ساعتين كما اقتصر طعامي غالبا على التّمر ولحم الإبل في خضمّ يوميات قوامها عزلة لاتزيغ عن التّدريس والكتابة ثم التّرويض الجسدي والتّهذيب الرّوحي.بمجرّد إنهاء رسالتي التّربوية أسرع إلى مغادرة المؤسّسة بشكل سريع دون انتظار،قاصدا المنزل كي أنتقل إلى تفعيل الشقّ الثّاني من برنامجي لذلك اتّسمت علاقتي بالطّاقم التّربوي بمحدوديتها في إطار مقتضيات العمل بحيث أبقيت على مسافة كافية قوامها طبعا الاحترام والتّقدير،واتّسمت أكثر بودّ وتبادل الاحترام خاصة مع أستاذين تلقيّت منهما دعوة للمشاركة في الأسبوع الثّقافي الذي نظمّته المدرسة تحت شعار”اللّغة الأمّ ودورها في تشكيل لغة الطّفل”.

استمرّ النّشاط الثّقافي والفنّي أسبوعا، مع تنظيم معرض للكتاب وسط ساحة المدرسة أتاح إمكانية اكتشاف التلاميذ لعناوين كثيرة في مختلف المعارف واقترابهم الحسّي والملموس من كينونة الكتاب وقد ترعرع جلّهم في منطقة جرداء ثقافيا تحت تأثيرات سموم المنظومة الرّقمية، توجّت تلك الأيّام حفلة موسيقية رائعة من التّراث الصّحراوي.

أوشكت السّنة الدّراسية على الانتهاء وبدأت مقدّمات المناخ الصّيفي تلوح معالمها، صحيح ترعرعت على حرارة شمس مراكش، لكنّها هنا أكثر التهابا واشتعالا تزيدها حدّة أعاصير ترابية هوجاء تنهك الجسد وترهق الذّهن.

أذكر اليوم الذي أرغمني جحيم المناخ كي أسرع نحو شبّاك الحافلة للاستفسار عن موعد أول رحلة إلى مراكش، دون الصّبر على انقضاء أربعة أيّام كي أوقّع محضر نهاية الموسم الدّراسي وبداية العطلة، وليس قطع مسافة طويلة ومرهقة خلال ظرف وجيزهروبا من سطوة مناخ تجاوز قدراتي. رحلتان تستغرق كل واحدة عشر ساعات على امتداد مسالك وعرة، تعكس حقّا تعريف السّفر بكونه قطعة من جهنّم.سيناريوهات تكرّرت ظرفيا طيلة ثلاث سنوات، اختبرت إبّانها ليس فقط بداية مسار مهني بل اكتمال بناء حياة عزلة فكرية وعاطفية والتّركيز أوّلا وأخيرا على تطوير مؤهّلاتي الذّاتية والمعرفية متوخّيا تحقيق انسجام نفسي أكثر صدقا ونقاء.

قضيت في البلدة الصّحراوية فترة شكّلت انعراجا كليا ضمن مساري واختبارا جوهريا بخصوص مدى وفائي لكلّ ماراكمته سابقا. أحاول غاية اليوم التمسّك بقناعاتي المبدئية، وأنا في منتصف عقدي الخامس، لست نادما بتاتا على الاختيارات الكبرى بل فقط ترتيب بعض التّفاصيل من أجل حماية تلك القناعات حتى لا أقسو أكثر على نفسي.

ينتابني هذا الشعور بين الفينة و الأخرى، أعتبره أمرا عاديا نظرا للجروح النّفسية العميقة العالقة دائما بين تلابيب ذاكرتي منذ طفولتي الصّعبة، منذئذ وأنا أحاول الاهتداء والتبصّر وسط أمواج حياة مخمورة  تتقاذفني أهواؤها نحو شطآن بلا مرافئ ولا ضفاف، ممّا أرغمني باستمرار كي أنبعث كلّ صباح بأمل جديد على طريقة طائر الفنقس كي يصمد وجودي بالكيفية التي أريدها لمروري ذات يوم من هذا العالم. ربّما مررت من هنا في يوم من الأيّام وعشت حياة مخمورة.

اقرأ المقال كاملاً على لكم