بعد وفاة الحبيس درايو إسكوبار... هل انتهت حياة النسك في جبال لبنان؟
في جبال لبنان التي تتكئ على الصخر والضوء، لا يبدو وادي قاديشا أو وادي قنوبين مجرد مكان جغرافي، بل رحلة نسك وقداسة حفرت فصولها في الحياة الدينية وصاغت هوية الجبل اللبناني وتاريخ المسيحية المشرقية.
في هذا الوادي حيث اختلطت العزلة بالصلاة، تحولت المغاور إلى أديرة، والصخور إلى صوامع، وصار الجبل ملاذاً للنساك الذين اختاروا الصمت طريقاً للعبور نحو الله.
ومع رحيل الحبيس داريو إسكوبار، نقف اليوم أمام حقيقة روحية مهمة: هل ما زالت هذه الحياة النسكية قادرة على الاستمرار في زمن يتغير بسرعة، أم أننا أمام أفول تدريجي لصوت الصمت الذي ميّز جبال لبنان لقرون؟
بين تاريخٍ مسيحي ممتد من الأديرة المعلقة على حواف الوادي وحياة النساك القدامى وواقع أكثر قساوة يعكس تراجعاً كبيراً في الدعوات الرهبانية والنسكية، نحاول الغوص في هذا العالم الروحاني حيث يطفو سؤال واحد بديهي: هل انتهت حياة النسك في جبال لبنان؟
تاريخ من العزلة والاضطهاد
في عمق الشمال اللبناني، بين الجبال الشاهقة التي تشرف على وادي قاديشا ووادي قنوبين، تتراكم طبقات من التاريخ والروحانية، امتزجت فيها حياة العزلة بالصلاة، والمقاومة بالإيمان.
هنا، في هذا الفضاء الطبيعي الذي تحوطه الجروف الصخرية، وُلدت واحدة من أعمق التجارب الروحية في تاريخ المسيحية المشرقية، وشهد الوادي على مراحل من الاضطهاد والعزلة والبحث عن ملاذٍ آمن للوجود الديني، قبل أن يتحول أحد أهم ركائز الحضور المسيحي في لبنان.

ينقسم الوادي إلى قسمين: القسم الأول وادي قاديشا وتعني كلمة "قاديشا" باللغة السريانية "المقدّس"، ومن هنا جاءت تسمية "الوادي المقدّس"، في إشارةٍ إلى طبيعته الروحية التي جعلت منه ملجأً للباحثين عن الصلاة والنسك والسكينة.
والقسم الآخر هو وادي قنوبين، وهي كلمة ذات أصل يوناني تعني "الحياة الجماعية". وقد ارتبطت هذه التسمية بحياة النساك الذين كانوا يجتمعون الأحد فقط لإحياء الذبيحة الإلهية، قبل أن يعود كل منهم إلى محبسته وعزلته الروحية في أعماق الجبال.
شكّل هذا الوادي ملاذاً للنساك ولكل من تاق إلى اختبار حضور الله بعيداً من صخب العالم. وكان اختيارهم هذا المكان نابعاً من عزلته الطبيعية أولاً، ومن الرغبة في الهروب من الاضطهادات التي شهدتها تلك الحقبات ثانياً. وفي هذا الوادي المقدّس، الذي يجمع بين قاديشا وقنوبين، عاش النساك حياة التقشف والصلاة، وكرّسوا عزلتهم للشهادة لحقيقة الإيمان بالمسيح.
ومع بدايات انتشار المسيحية في الجبل، تحوّلت كهوف الوادي ومغاوره إلى أديرةٍ وكنائس متواضعة احتضنت الرهبان والنسّاك، الذين عاشوا بين صمت الطبيعة وقسوة العزلة. ومع مرور الزمن، غدا هذا الوادي معبداً للحياة النسكية، بفعل عزلته الطبيعية وبُعده عن التجمعات السكانية، إضافة إلى صعوبة الوصول إليه عسكرياً، ما جعله ملاذاً آمناً للباحثين عن الصلاة والتأمل والهاربين من الاضطهادات.
وعلى امتداد القرون، لعب وادي قاديشا أدواراً مفصلية في تاريخ لبنان الديني، إذ شكّل مقراً للبطريركية المارونية بين عامي 1400 و1790، ليكون بذلك مركز الثقل الروحي للطائفة في مرحلة طويلة من تاريخها. كما يُعدّ، في سياقٍ تاريخي أوسع، المركز الكاثوليكي الوحيد في المشرق قبل القرن الثامن عشر، ما يمنحه أهميةً استثنائية في تاريخ المسيحية الشرقية.

مغارة القدّيسة مارينا – ومدفن 17 بطريركاً
تُعدّ هذه المحبسة مغارةً طبيعية تقع قرب دير قنّوبين في قلب وادي قاديشا، وقد شكّلت عبر القرون ملجأً للخلوة والصلاة لدى الحبساء الذين قصدوا هذا المكان طلباً للعزلة والتأمل في حياةٍ نسكية صارمة.
ومع الزمن، اكتسبت المغارة بعداً روحياً وتاريخياً عميقاً، إذ ارتبطت بسيرة القديسة مارينا، التي تروي الروايات أنها لجأت إليها بعد طردها من الدير، وعاشت فيها حياة تقشفٍ ورعاية لطفل لقيط تبنّته واهتمّت به، قبل أن تنتهي حياتها فيها حيث دُفنت بحسب التقليد المتداول.
ووفق ما يورده البطريرك الدويهي، فقد نُقل جثمان القديسة مارينا لاحقاً إلى البندقية على يد الصليبيين، فيما بقيت يدها اليسرى في المغارة، ما منح المكان بُعداً رمزياً إضافياً في الذاكرة الدينية الشعبية.
ومنذ ذلك الحين، تحوّلت هذه المغارة إلى محجٍّ روحي ومقامٍ ذي مكانة خاصة، كما أصبحت مدفناً لعدد من البطاركة الموارنة الذين أقاموا في دير قنّوبين خلال حقبةٍ تمتد نحو 400 عام في زمن العثمانيين، بدءاً من البطريرك يوحنا الجاجي وصولاً إلى البطريرك يوحنا الحلو، لتغدو بذلك شاهداً حياً على تاريخٍ طويل من الحضور الكنسي في عمق الوادي المقدّس.

800 مغارة
يستهلّ الراهب الماروني آسيا صافي حديثه باستعادة مقولة للمونسنيور مِسلين في القرن التاسع عشر، المنشورة في أحد الكتب: "كان دخان البخور يتصاعد كل صباح في الكنيسة عندما يقيم النساك القداس الإلهي".
من هذه العبارة، ترتسم مشهدية الوادي المقدّس الذي حفر عبر القرون تاريخاً طويلاً من النسك والتقوى والعزلة الروحية. ويستعيد الأب صافي أيضاً وصف الرحّالة جان دو لاروك، الذي كتب أن "الوادي المقدّس كان يضم نحو 800 مغارة سكنها رهبان ونسّاك أحيوا جهادهم المقدّس".
وانطلاقاً من هذا الإرث الروحي، يؤكد صافي أن الوصول إلى حياة النسك ليس قراراً سهلاً أو وليد لحظة عابرة، بل مسار طويل من الاختبار الروحي والعيش الجماعي. ويوضح أن "الحبيس، قبل أن يختار العزلة، عليه أولاً أن يختبر الحياة مع الجماعة الرهبانية. وتفرض القوانين الرهبانية على من يرغب في التنسك المرور بمرحلةٍ طويلة من الحياة المشتركة قبل السماح له بالانفراد في المحبسة".
ويستشهد صافي بتجربة الحبيس داريو إسكوبار، الذي وصل إلى لبنان عام 1990، وعاش عشر سنوات ضمن الحياة الرهبانية الجماعية قبل أن يُسمح له بالتنسك عام 2000. ويعترف بـ"أن الحبيس داريو عاش حياة الجماعة بكل تفاصيلها قبل أن يختار العزلة الكاملة، لأن النسك الحقيقي لا يقوم على الهروب من الناس، بل على نضوجٍ روحي واختبار عميق للحياة والإيمان".

الحياة النسكية في المحابس
جاءت وفاة الحبيس داريو لتطرح مجدداً سؤالاً بديهياً حول واقع الحياة النسكية في لبنان وعدد النساك الذين لايزالون يعيشون هذا الطريق الروحي الصعب. وفي هذا السياق، يشير الراهب الماروني إلى أنه "على صعيد الرهبانية اللبنانية المارونية، هناك ناسك واحد حالياً، إلى جانب أشخاص آخرين يتحضّرون لخوض حياة النسك".
ويلفت أيضاً إلى أن عدداً من الرهبان لا يعيشون النسك بمعناه الحرفي داخل المحابس، لكنهم يعتمدون نمط حياةٍ نسكية داخل أديرتهم، بانتظار الوقت المناسب للانتقال إلى حياة العزلة الكاملة.
وبين المصادفة والإرادة الإلهية، وجد الأب صافي نفسه على تماسٍ مباشر مع تجارب عدد من النساك الذين رافقهم أو عاش إلى جانبهم، ومن بينهم الأب حنا خوند، والأب أنطون رزق الذي لا يزال على قيد الحياة، إضافة إلى الحبيس داريو إسكوبار.
ويقول إن أكثر ما لمسه في هؤلاء جميعاً هو "الصلابة الروحية والالتزام اليومي الصارم بنظام الاستحباس، رغم ظروفهم الصحية الصعبة". بعض التفاصيل قد تبدو صغيرة للآخرين تحمل في الحياة النسكية معنى عميقاً يرتبط بالنذر والطاعة الروحية.
ويستشهد بالأب أنطون رزق، "الذي لايزال، رغم بلوغه الحادية والتسعين من عمره، يرفض تناول اللحوم التزاماً منه لقوانين الاستحباس التي نذر حياته لها منذ عقود".
ويرى صافي أن هذا الالتزام بالنذر حتى النفس الأخير يشكّل درساً روحياً عميقاً يتركه الحبيس لكل من يلتقيه أو يسمع سيرته. ويقول: "أُذكّر دائماً زوّار الدير بأن حياة الحبيس تُشبه مريم الجالسة عند قدمي المسيح تستمع إلى كلمته"، فالنساك يختصرون رسالتهم بحقيقة واحدة: "أنتم تهتمّون بأمور كثيرة، أمّا المطلوب فواحد".
وتفرض الحياة النسكية نظاماً صارماً يقوم على التقشف والانضباط الروحي، إذ لا ينام الحبيس سوى خمس ساعات يومياً، فيما يكرّس بقية وقته للصلاة والتأمل والقراءة الروحية والعمل في الأرض والحقل. كما يلتزم تناول وجبة واحدة فقط في اليوم، مع انقطاعٍ كامل عن أكل اللحوم.
ويشير إلى أن قوانين المحبسة تمنع النساء من دخول حرمها، حفاظاً على طبيعة العزلة النسكية. وفي المقابل، يستطيع الحبيس أن يفرض على نفسه إماتاتٍ روحية إضافية أو شروطاً خاصة تبقى سرّية بينه وبين الله، ولا يعرف بها أحد خلال حياته. وغالباً ما تنكشف بعض هذه الممارسات بعد وفاته، كارتداء المسح.

"الله بدبر"
تركت هذه التجارب مع النساك أثراً عميقاً في المسيرة الروحية للأب صافي، الذي يستعيد بحنين بعض العبارات البسيطة التي كان يرددها الحبيس داريو إسكوبار بلغته العربية المكسّرة، ومنها: "الله بدبّر". ويقول إن هذه العبارة الصغيرة تحوّلت اليوم، وسط الأزمات والمعارك التي يعيشها لبنان، إلى مصدر رجاء وثقة بالنسبة إليه، كأنها تختصر إيمان الحبيس العميق بأن الله لا يترك الإنسان مهما اشتدت الظروف.
كذلك يستعيد كلمات الحبيس حنا خوند، الذي كان يختصر حياته الروحية بثلاثية: "المسبحة، القداس، والكتاب المقدّس"، وتمسّكه بهذه الركائز حتى أيامه الأخيرة شكّل درساً عملياً في الثبات الروحي والإيمان البسيط والعميق في آنٍ واحد.
وانطلاقاً من هذه التجارب، يرى أن حياة النساك في ذاتها "موعظة صامتة"، وأن التزام النذر الروحي حتى النفس الأخير يحمل شهادة حية للإيمان. ويعود بذاكرته إلى اللحظات الأخيرة للحبيس داريو إسكوبار، قائلاً إنه عندما وجدناه، كان قد أنهى القداس الإلهي. حتى يومه الأخير بقي ثابتاً في التزامه الروحي".
وعن الخوف من اندثار الحياة النسكية في لبنان، يجيب بثقة: "محبسة مار بولا أُنشئت عام 1716، وما زالت حتى اليوم تستقبل نساكاً، وكان آخرهم الحبيس داريو إسكوبار. لذلك سيبقى الرب يخلق بقية باقية". وكما قال لمار الياس "أبقيت 7 آلاف رجل لم يركعوا للبعل"، وهذا ما يؤكد حقيقة واحدة أن الحياة النسكية قد تمر بمراحل ضعف وتراجع، لكنها لن تنتهي من لبنان.

أزمة في الدعوات الرهبانية
يقرّ الأب دومينيك نصر، معلّم المبتدئين في الرهبانية المارونية المريمية، في حديث الى "النهار" بوجود أزمةٍ كبيرة في الدعوات الرهبانية، وأسباب عديدة تقف خلف هذا التراجع الحاد في الأعداد. ويقول إن "هذه الأزمة لا تقتصر على لبنان فحسب، بل تمتد إلى العالم أجمع، وخصوصاً لدى الرهبانيات النسائية. نحن اليوم أمام أزمة حقيقية في مختلف أنواع الدعوات، سواء في الحياة الرهبانية أو الإكليريكية".
مما لا شك فيه أن القدرة على خدمة المؤسسات في الكنيسة تشهد تراجعاً ملحوظاً. ويوضح الأب نصر أن "بعض الرهبانيات، ولا سيما النسائية منها، اضطرت إلى بيع أديرةٍ لرهبانيات أخرى أو الاندماج ضمن رهبانيات مختلفة، نتيجة صعوبة الاستمرار مع العدد القليل للراهبات الموجودات فيها".
وفي مقارنةٍ بين أعداد الدعوات اليوم وما كانت عليه قبل نحو عشرين عاماً، يشير الأب نصر إلى أنه "عندما كنتُ في مرحلة الابتداء، كان عدد المبتدئين والمبتدئات في لبنان يراوح ما بين 150 و200. أما اليوم، فلا يتجاوز العدد أربعين".
هذه الأزمة في الدعوات الرهبانية والكهنوتية لا تأتي من فراغ، بل تعكس واقعاً اجتماعياً واقتصادياً فرض نفسه بقوةٍ على المجتمع. نحاول التعمّق أكثر في الأسباب التي تقف خلف هذا التراجع الكبير في أعداد الدعوات.
ولا يُخفي أن أحد العوامل الأساسية يرتبط بالمجتمع نفسه، الذي بات يعيش وسط مغرياتٍ كثيرة وتحديات متزايدة، من التكنولوجيا إلى متطلبات العمل وتأمين أساسيات الحياة. يعترف: "اليوم أصبح من الصعب على كثيرين من الشباب التخلي عن حياتهم المهنية والعلمية في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية".
ويشارك بعض التجارب التي يلمسها يومياً بصفته معلّم المبتدئين حالياً ومسؤولاً عن مكتب الدعوات في الرهبانية المارونية المريمية سابقاً، موضحاً: "ألتقي عدداً من الشباب الذين لديهم رغبة حقيقية في الانخراط في الحياة الرهبانية، لكن مسؤولية إعالة أهلهم وتأمين احتياجاتهم تمنعهم من اتخاذ هذه الخطوة. كثيرون يحملون هذا الصوت الداخلي، إلا أن قيود الحياة الاجتماعية والاقتصادية تجعل التخلي عن كل شيء وتكريس حياتهم بالكامل ليسوع أمراً بالغ الصعوبة".

"راهب، رجّال، قدّيس"
هذه التحديات، وفق الأب نصر، حقيقية وتشكل عائقاً أساسياً أمام انضمام كثيرين من الشباب إلى الحياة الرهبانية. فإلى جانب الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، يبرز هاجس العمل والمستقبل المهني، إذ يتخوّف كثيرون من ترك وظائفهم لخوض اختبار الرهبنة، في ظل صعوبة إيجاد فرصة عمل جديدة إذا اكتشفوا لاحقاً أن هذه ليست دعوتهم، فيظلون متأرجحين بين متطلبات الحياة ورغبة القلب، بين التأجيل والبتّ في القرار.
كذلك، يلفت إلى صورةٍ نمطية راسخة لدى عدد كبير من الشباب حول الحياة الرهبانية، إذ يربطونها دائماً بحياة التنسك الكامل والانقطاع عن العالم الخارجي كالقديس شربل ورجل الله أبونا أنطون مثلاً، بينما الواقع مختلف عن هذا التصور الشائع. في رأيه أن "الحياة الرهبانية هي نمط حياة أعيش فيه الملكوت على الأرض، والاتحاد مع يسوع "الحب الأول" من ضمن حياة جماعيّة بحسب موهبة كل رهبانيّة مع الحفاظ على مميزات كل فرد ومواهبه، سعياً لالى أن يصبح "راهباً، رجّالاً، قدّيساً".
ومن بين التحديات الواقعية أيضاً، تبرز حقيقة أكثر قسوة تفرض نفسها على أعداد الدعوات الرهبانية، تتمثل في الانخفاض الكبير في نسبة الولادات لدى المسيحيين في لبنان. إذ يشهد المجتمع المسيحي تراجعاً ملحوظاً في عدد الولادات، مع اكتفاء كثير من العائلات بإنجاب طفل أو طفلين كحدٍ أقصى، ما انعكس مباشرة على تقلّص عدد المسيحيين عموماً، ليس في لبنان فحسب، بل على مستوى العالم أيضاً. مما يُسبب التأثير على خياراتهم المستقبليّة ومنها الدعوات الرهبانيّة.

ويتحدث عن مفهوم الراهب الذي شهد تطوراً ملحوظاً مقارنة بالماضي، إذ كانت تقتصر حياة الراهب على الصلاة والتأمل والنسك من جهة، والأعمال الديرية والزراعة من جهة أخرى، بالإضافة إلى الحياة الجماعية داخل الدير. ويستشهد بحياة القديس شربل وأبونا أنطون اللذين عاشا حياة نسكية من دون الانقطاع كلياً عن خدمة المرضى ومسحهم بالزيت، فجمعا بذلك بين الحياة النسكية والرسالة الروحية الإنسانية التي تتميّز بها الروحانيّة الشرقيّة.
أما اليوم فهذه المعادلة رغم الحفاظ على جوهرها، إتخذت شكلاً آخراً بحسب متطلبات العصر، فمع تزايد مسؤوليات الراهب في الخدمات الروحية والإنسانية والتعليمية في المؤسسات التابعة للرهبانيّة والكنيسة ككل، وتراجع عدد الرهبان، هي من العوامل في تراجع عدد المتنسكين أيضاً.
التجرد عن كل شيء
لا بد من التنويه، بحسب القوانين الرهبانيّة، الى ان الراهب لا يمكنه أن يعيش حياة النسك فور دخوله إلى الرهبنة. فهذه المرحلة تحتاج إلى مسارٍ طويل من التمييز والتهيئة الروحية، الإنسانية والجماعيّة، إذ يقضي الراهب قرابة عشر سنوات في الحياة الجماعية داخل الرهبنة، حتى لا يتحول النسك إلى شكلٍ من أشكال الهروب من المجتمع أو الحياة الجماعيّة.
ويشرح أن "الحياة الرهبانية هي عيش الملكوت على الأرض، أي عيش الاتحاد بالله الثالوث والتجرّد عن كل شيء". فكما أن الحياة الرهبانيّة هي دعوة وموهبة في حياة الكنيسة، كذلك النسك هو دعوة داخل هذه الدعوة الكبيرة.
فالناسك يكرّس حياته للصلاة والتأمل الدائم، ويعيش في عزلةٍ شبه كاملة، مكتفياً بالتواصل مع شخصين أو ثلاثة كحد أقصى، ولا يغادر محبسته إلا في حالات الضرورة القصوى.
بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، شهدت الكنيسة انفتاحاً واسعاً على أشكال جديدة من الالتزام الديني، بينها الحياة العلمانية المكرّسة. وأصبح كثيرون يفضّلون البقاء داخل المجتمع وخدمته من خلال الرهبانيات العلمانية والحركات الرسولية، كالكشافة والأخويات وجماعات الصلاة والخدمة الكنسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حياتهم العلمانية والعائلية والمهنية.
ويحمل هذا الواقع، بحسبه، جوانب إيجابية وأخرى سلبية في آنٍ واحد. فمن جهة، يساهم في تعزيز الحياة الروحية داخل المجتمع وتشجيع الناس على عيش إيمانهم في حياتهم اليومية. لكنه، من جهة أخرى، انعكس على أعداد الدعوات الرهبانية والكهنوتية، إذ بات كثيرون يختارون خدمة الكنيسة من خارج إطار الرهبنة، بدلاً من تكريس حياتهم بالكامل لله والانضمام إلى الرهبانيات.
توزّع النساك والدعوات الرهبانية في لبنان
يكشف واقع الحياة النسكية والرهبانية في لبنان اليوم حجم الأزمة التي تعيشها الكنيسة على مستوى الدعوات، في ظل تراجع الأعداد إلى مستوياتٍ غير مسبوقة.
فعلى صعيد الحياة النسكية، لا تضمّ الرهبانية المارونية المريمية حالياً أي ناسك، بعدما كان رجل الله الأب أنطون طربيه آخر الحبساء فيها. أما الرهبانية الأنطونية، فتضمّ ثلاثة نساك، فيما لا تزال الرهبانية اللبنانية المارونية تحتضن عدداً من النساك الذين يواصلون حياة التأمل والعزلة والصلاة.
أما على مستوى الدعوات الرهبانية، فالأرقام تعكس واقعاً يصفه المعنيون بأنه مؤلم. إذ يبلغ عدد المبتدئين والإخوة الناذرين الذين يتابعون دراستهم الفلسفية واللاهوتية في الرهبانية المارونية المريمية نحو 25 راهباً موزعين بين دير مار أنطونيوس الكبير روما، ودير القديسة تريزيا في سهيلة، ودير مار سركيس وباخوس في عشقوت. كما هي الحال نسبياً في باقي الرهبانيات الرجالية.
أما في الرهبانيات النسائية، فالواقع يبدو أكثر قساوة، إذ لا يتجاوز مجموع المبتدئات في مختلف الرهبانيات عشر راهبات، في مشهدٍ يعكس عمق أزمة الدعوات التي تواجهها الكنيسة اليوم.
وختم كلامه بتوجيه نداء إلى "كل شاب وشابة يسمعان ولو بصوتٍ خافت دعوة الله للتكرّس بألا يتأخروا بالإجابة "ٱلْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلَا تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ" الرسالة إلى العبرانيين 3: 15. واضعين ذواتهم بين يدي أمنا مريم التي تحملنا دائماً إلى ابنها يسوع".