بعد تحويل ناقلات... إيران والحوثيون يهددون الطريق الوحيد المتبقي أمام نفط السعودية
ناقلتا نفط عملاقتان محمّلتان بخام سعودي متجه إلى آسيا غيّرتا مسارهما في البحر الأحمر يوم الثلاثاء واتجهتا نحو قناة السويس، بعد تحذير من جماعة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران.
وأظهرت بيانات تتبع السفن عبر منصتي "إل إس إي جي" و"كبلر" أن الناقلة "رودوس"، التي تحمل علم ليبيريا وكانت قد حمّلت النفط من ميناء ينبع متجهة إلى الساحل الغربي للهند، غيّرت اتجاهها نحو الغرب مشيرة إلى نيتها عبور قناة السويس.
هذه الخطوة، التي تبدو تفصيلاً تقنياً في نشرة شحن، هي أول مؤشر عملي على أن التهديد بإغلاق مضيق باب المندب بدأ يترجم إلى سلوك حقيقي من قبل شركات الشحن وربّان الناقلات، لا مجرد تصريحات عسكرية.
الحادثة جاءت بعد أن أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين فرض ما وصفه بـ"حصار بحري" على السعودية، وحذّرت الجماعة، في رسالة بريد إلكتروني وجّهتها إلى شركات الشحن يوم 20 تموز/يوليو، من تحميل أو تفريغ بضائع في الموانئ السعودية، معتبرة أن مثل هذه الأنشطة قد تجعل السفن هدفاً "في أي مكان".

ويسيطر الحوثيون على شمال اليمن، بما في ذلك الساحل المطل على باب المندب عند مدخل البحر الأحمر، وهو الموقع الذي يمنحهم القدرة على تهديد أحد أهم طرق الشحن في العالم.
لماذا يشكّل هذا التطور خطورة مضاعفة
أهمية هذا التصعيد لا تُقاس بمعزل عن سياقه. فمنذ إغلاق مضيق هرمز في 28 شباط/فبراير الماضي، إثر ضربات أميركية وإسرائيلية على إيران، توقف تدفق نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية عبر ذلك الممر، بحسب رويترز.
وفي مواجهة ذلك، حوّلت السعودية أكثر من 70% من صادراتها اليومية من الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما جعل من باب المندب شرياناً حيوياً ساعد في احتواء موجة الارتفاع في الأسعار العالمية.
هذا يعني أن أي إغلاق فعلي لباب المندب لن يكون أزمة إمداد جديدة منفصلة، بل ضربة للممر البحري الأهم المتبقي أمام الصادرات السعودية بعد إغلاق هرمز فعلياً منذ خمسة أشهر.
وقال مات سميث، مدير أبحاث السلع في كبلر، إن الكميات السعودية من الخام والمنتجات المكرّرة العابرة لباب المندب بلغت مستوى قياسياً الشهر الماضي تجاوز 4 ملايين برميل يومياً، وهو ما يجعل توقيت هذا التصعيد حساساً بشكل خاص بالنسبة إلى الرياض.
وقدّرت شركة الاستشارات إنرجي أسبكتس أن أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً من الخام السعودي المتجه حالياً إلى آسيا عبر البحر الأحمر قد يُضطر إلى السير في مسارات أطول بكثير حول رأس الرجاء الصالح، بحسب ما نقلته رويترز عن ريتشارد برونز في الشركة.
الأثر على الأسعار وهوامش التكرير
تحرّك سعر النفط بأقل من 1% بعد بيان الحوثيين يوم الاثنين إلى نحو 89 دولاراً للبرميل، بعد أن كانت الآمال في استئناف محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة قد دفعته للتراجع في وقت سابق.
وبلغت العقود الآجلة للنفط ذروتها هذا العام عند 126 دولاراً، أي أقل من أعلى مستوى لها في 2008 عند 147 دولاراً. وسجّل خام برنت مستوى أدنى بلغ نحو 85.76 دولاراً للبرميل في 16 تموز/يوليو الجاري، قبل أن يتجدد الضغط الصعودي مع تصعيد الحوثيين.
قال جون بايسي، رئيس شركة الاستشارات ستراتاس أدفايزرز، إن الأثر سيمتد إلى ما هو أبعد من أسواق الخام نفسها، محذراً من أن إعاقة مرور البراميل عبر البحر الأحمر "يقوّض الاقتصاد العالمي برمته"، وقد يقود عند نقطة ما إلى ركود عالمي، بحسب ما نقلته رويترز. وقدّر أن الأسعار قد تعود للارتفاع إلى نطاق 115-120 دولاراً للبرميل.
في المقابل، قفزت هوامش تكرير الديزل الأوروبية إلى مستوى قياسي فوق 65 دولاراً للبرميل يوم الجمعة، وبقيت قريبة من هذا المستوى مطلع الأسبوع، نظراً لأن إمدادات الديزل ووقود الطائرات من آسيا والشرق الأوسط إلى أوروبا تعبر عادة باب المندب.
اختناقات لوجستية لا حلّ سريع لها
حتى في حال بقي المضيق مفتوحاً جزئياً، فإن البديل ليس سهلاً. فالناقلات العملاقة المحمّلة بالكامل لا يمكنها عبور قناة السويس بسبب حدود غاطسها، وتضطر شركات الشحن عادة إلى تفريغ جزء من الحمولة عبر خط أنابيب سوميد المصري، الرابط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، قبل عبور القناة، على أن تستكمل الناقلة تحميلها على الجانب المتوسطي.
وقال مات سميث إن مصافي التكرير الآسيوية التي تستقبل براميل الخام السعودي قد تواجه تأخيرات تصل إلى نحو شهر مع اضطرار الناقلات للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، معتبراً أن "التأثير سيكون هائلاً في الشهر الأول... والتأثير الأكبر سيكون على تدفقات النفط السعودي". وأضاف أن "تغيّر سلوك الناقلات يخبرنا أنها تأخذ التهديدات على محمل الجد".
وتشير بيانات كبلر إلى أن السعودية شحنت، منذ نيسان/أبريل، ما يزيد على 4.5 مليون برميل يومياً في المتوسط من الخام والوقود عبر ينبع، ذهب نحو 70% منها إلى آسيا.
وهذا الرقم يتقاطع مع ما ورد سابقاً من أن صادرات ينبع ارتفعت من نحو 3.8 مليون برميل يومياً في آذار/مارس إلى ما يقارب 5 ملايين برميل يومياً في نيسان/أبريل، وهو تفاوت يعكس تسارع وتيرة التحويل من هرمز إلى البحر الأحمر تدريجياً أكثر من كونه تناقضاً في البيانات.
تقييم قطاع التأمين للمخاطر
على صعيد التأمين، أفادت مصادر في القطاع بارتفاع تكاليف التأمين من مخاطر الحرب خلال 24 ساعة، وسط إعادة تقييم للمخاطر في الموانئ السعودية.
ونصحت شركة أمبري البريطانية المتخصصة في الأمن البحري السفن الراسية في الموانئ السعودية بإعادة النظر في عبور البحر الأحمر واتخاذ إجراءات وقائية مشددة، مصنّفة تلك السفن بأنها "معرّضة لمخاطر عالية".
هذا التطور يعني أن تكاليف الشحن والتأمين سترتفع بصرف النظر عن مآل الإغلاق الرسمي للمضيق.
يشار إلى أن سعد الكعبي، وزير الطاقة القطري، كان قد حذّر في أوائل آذار/مارس الماضي، في سياق الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران بشكل عام، من أن أسعار النفط قد ترتفع إلى 150 دولاراً للبرميل في غضون أسبوعين إلى ثلاثة إذا بقي مضيق هرمز مغلقاً أمام الناقلات.
ولم يبلغ السوق هذا المستوى حتى الآن، فيما بقيت تصريحات مماثلة عن احتمال بلوغ الأسعار 200 دولار في حال إغلاق مشترك لمضيقي هرمز وباب المندب، نقلتها قناة "برس تي في" الإيرانية عن مسؤول يمني، غير مؤكدة من مصادر مستقلة.
هدنة هشة وخيارات صعبة للنفط السعودي
وفي تصريح إلى "النهار" قال الخبير في أسواق النفط والطاقة علي الريامي، المدير العام السابق لتسويق النفط والغاز في وزارة الطاقة والمعادن بسلطنة عُمان، إن الهدنة بين إيران وأميركا لم تُثمر استقرارًا فعليًا في أسواق الطاقة، مرجحاً أن تشهد أسعار النفط ارتفاعاً جديداً بسبب تصاعد التوترات في مضيق باب المندب.
وأوضح الريامي أن إشكالية باب المندب "يمكن أن يكون لها دور في ارتفاع آخر لأسعار النفط"، لافتًا إلى أن المملكة العربية السعودية كانت تعتمد على هذا الممر لنقل شحنات النفط المصدَّرة من ميناء ينبع إلى الأسواق الآسيوية.
وقال: "مع هذا الإغلاق، ستضطر المملكة إلى تحويل مسار السفن السعودية إلى قناة السويس، ومن ثم اللف إلى جنوب أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، وهذا يعني أن التكلفة والمسافة ستزيدان."
وحذّر الريامي من أن اضطراب الملاحة في باب المندب "سوف يؤثر على إمدادات النفط في آسيا وبقية الدول الآسيوية، وخصوصًا الصين وبقية الدول مثل اليابان وكوريا وحتى الهند"، معتبرًا أن هذه الأزمة "خلقتها الأجواء المضطربة في باب المندب والحوثي بشكل خاص."
وبشأن سقف الأسعار المتوقع، استبعد الريامي أن تصل أسعار النفط إلى 120 دولارًا للبرميل بسبب إغلاق باب المندب أو استهداف السفن السعودية فيه، قائلًا: "لا أتصور ولا أعتقد أن الأسعار يمكن أن تصل إلى 120 دولاراً... ولكن يمكن أن تصل إلى فوق الـ90 دولاراً قليلًا."
وأضاف أن مستوى الارتفاع "يعتمد على حجم الاستهدافات ونوعية السفن"، مشيراً إلى أن وفرة المعروض النفطي في الأسواق ساهمت في خفض الأسعار إلى نحو 60 دولارًا أو أعلى بقليل عند توقيع الاتفاقية الإيرانية-الأميركية.
وختم الريامي بالقول: "لا أعتقد أنه من الممكن أن ترتفع هذه الأسعار مرة أخرى إلى 120 دولاراً في هذه الظروف الحالية، إلا إذا تغيّرت الظروف وحصلت مشاكل أكبر من مجرد مناوشات بين الأميركيين وباب المندب.