بعد أن اختفى أيام الأزمة.. بنكيران يطالب بأوامر ملكية لإحداث لجنة لتقصي الحقائق في أحداث سبتة
بعد أن اختفى أيام الأزمة خرج عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة المغربية الأسبق، ليحكي عن مشاهد صادمة عاينها بأم عينه خلال محاولة عبور جماعية غير مسبوقة لمئات المغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة، داعيًا الملك محمد السادس إلى إحداث لجنة لتقصي الحقائق فيما وقع، قائلا: “أنا أطالب، باعتباري مواطنًا وأمينًا عامًا لحزب العدالة والتنمية ورئيسًا سابقًا للحكومة، بأوامر ملكية أن تُنشأ لجنة للتقصي فيما وقع”.
ورد ذلك في كلمة ألقاها خلال الاجتماع الاستثنائي للأمانة العامة لحزبه، المنعقد يوم السبت الأول من غشت 2026، والتي لم تُنشر على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك إلا في وقت متأخر من اليوم الموالي.
وأوضح بنكيران في مستهل كلمته أن هذا الاجتماع كان مقررًا أصلًا في الأسبوع الموالي، غير أن الأمانة العامة استعجلت عقده عقب الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، من أجل التداول في قضايا الحزب، ومن بينها ملف الدوائر الانتخابية التي لم يُحسم بعد أمر الترشيح فيها. إلا أنه سرعان ما استدرك قائلًا إنه يجد نفسه مضطرًا لأن يحدّث الحاضرين، بإيجاز، عمّا وصفه بـ”المآسي” التي عصفت بالبلاد في الأيام الأخيرة، معتبرًا أن كل الأسئلة المطروحة عادت من جديد إلى الواجهة، وأن هذا الأمر لا يحتمل التأجيل.
وسرد بنكيران تفاصيل ما شهده يوم الأربعاء الماضي في مدينة تطوان، حيث توجه للمشاركة في احتفال رسمي بمناسبة عيد العرش، على غرار احتفالات مماثلة تُقام سنويًا في مدن مختلفة كالرباط وتطوان وطنجة. وقال إنه بمجرد وصوله لاحظ تدفقًا غير عادي من الأشخاص في اتجاه واحد، بينهم رجال ونساء كبار في السن لكنهم قلة، في حين كانت الغالبية الساحقة من الشباب، في مشهد وصفه بأنه أثار استغرابه الشديد. وأضاف: “فهمت أنهم متجهون نحو الحدود مع سبتة، لكن الأمر لم يكن يتعلق بواحد أو اثنين أو ثلاثة، بل بسيل بشري حقيقي”.
وتابع الأمين العام لحزب العدالة والتنمية وصفه للمشهد بلهجة يغلب عليها الانفعال، مشيرًا إلى أن كثيرًا من هؤلاء الشباب كانوا يسيرون في المجموعات نصف عراة، دون أحذية ودون ماء، في حالة استعداد تام لإلقاء أنفسهم في البحر، قائلًا بالحرف: “لم يكن لديهم لا حذاء ولا ماء يشربونه، بل كانوا يمشون جياعًا وعطشى، وكأن لا شيء يعنيهم سوى بلوغ الحدود”. وأكد أن هذا التدفق لم يكن عابرًا بل استمر لساعات طويلة متواصلة، من الصباح إلى غاية ما بعد السادسة مساءً، حين اضطرت السلطات الأمنية إلى قطع الطريق للتحكم في اتساع الظاهرة.
ولم يخف بنكيران حجم الصدمة التي أصابته وهو يزاوج بين لحظات الاحتفال الرسمي أمام القصر الملكي بتطوان وبين مشاهد هذا “السيل البشري” في الشوارع المجاورة، واصفًا تلك الساعات بأنها مزيج من فرحة المشاركة في الاحتفال وحزن عميق وتساؤلات “عميقة وخطيرة ومفزعة” في آن واحد. وأضاف أن الظاهرة لم تتوقف عند حدود تطوان، بل واصل الشبان سيرهم مسافة تجاوزت الثلاثين والأربعين كيلومترًا بعد مدينة طنجة، حتى مع حلول الظلام، وسط مشاهد لعائلات بأكملها تضم أطفالًا صغارًا وفتيات يسرن في العتمة، وهو ما وصفه بقوله: “كانت هناك بنات وأطفال صغار يسيرون وسط غابة مظلمة، وهو مشهد لا أزال، إلى حدود هذه اللحظة، عاجزًا عن استيعابه بالكامل”.
وكشف بنكيران أنه فكّر جديًا، في تلك اللحظة، في تقديم استقالته من الحياة السياسية في البلاد، مضيفًا: “لولا الظرف الذي نمر به، لربما كنت قدّمت استقالتي نهائيًا، لكن الشعور بالمسؤولية هو ما منعني من ذلك إلى حدود الساعة”. واعتبر أن ما جرى يعكس عجزًا جماعيًا عن تقديم “منطق ومقاربة” تجعل أبناء المغرب وبناته يتفاءلون بمستقبلهم في وطنهم، بدل الانسياق وراء “هجرة سرية” وصفها بأنها لا تخضع لأي قاعدة أو منطق.
وشدد بنكيران على أن ما وقع لا يمكن اختزاله في مسؤولية الحكومة وحدها، رغم تأكيده أن مسؤوليتها “واضحة وقائمة”، معتبرًا أن الأمر يتعلق بمسؤولية جماعية تهمّ الدولة بمختلف مؤسساتها. وقال في هذا الصدد: “لسنا في حاجة إلى أن يعطينا أحد دروسًا، فالمسؤولية مسؤولية الجميع، لكنني لا أقبل أن تتحمّل الحكومة وحدها وزر ما جرى”، داعيًا مختلف الأحزاب، بمن فيها تلك التي وجهت انتقادات لمواقفه، إلى التحلي بروح المسؤولية ذاتها.
وفي سياق متصل، أشار بنكيران إلى أن العلاقات بين المغرب وإسبانيا دخلت، على إثر هذه الأحداث، مرحلة وصفها بـ”الرمادية”، موضحًا أن الجانب الإسباني اعتبر ما جرى نوعًا من “المساس بسيادته”، فيما أكد أن العلاقة بين البلدين “مهمة وأساسية”، وأن المغرب في حاجة ماسة إلى تقصي الحقائق والحصول على أجوبة واضحة حول ملابسات ما وقع. وقال بلهجة الحسم: “نحن بحاجة إلى أن نسأل وأن نُجاب، فكل ما جرى يستدعي أن نعرف بالضبط ماذا حدث ولماذا حدث”.
وفي أبرز محطات كلمته، توجّه بنكيران بمطلب صريح، بصفته مواطنًا وأمينًا عامًا لحزب العدالة والتنمية ورئيسًا سابقًا للحكومة، إلى الجهات المعنية من أجل إحداث لجنة لتقصي الحقائق في هذا الملف بأمر ملكي، معتبرًا أن المغاربة في حاجة إلى معرفة حقيقة ما جرى بشكل رسمي وموضوعي، بدل ترك الساحة الإعلامية “مقلوبة” تتقاذفها الروايات المتضاربة دون معطيات دقيقة. وأضاف: “لم يكن هذا أول مرة تقع فيها مثل هذه الأحداث، لكنها المرة الأولى التي تبلغ فيها هذا القدر من الخطورة، وهذا وحده كافٍ لتبرير المطالبة بلجنة تقصي حقائق حقيقية”.
كما نفى بنكيران بشكل قاطع أي نية لديه أو لدى حزبه لإثارة الفتنة في البلاد، مؤكدًا أن نهجه وتصوره ظلا دائمًا متجانسين مع نهج الدولة في تفادي أي توتر داخلي، مستحضرًا في هذا السياق أحداثًا سابقة لم تُفهم أسبابها بشكل كامل إلى يومنا هذا، من قبيل حملة المقاطعة التي استهدفت بعض المنتجات والشركات سنة 2021. واعتبر أن الطريق الذي يدعو إليه حزبه هو “طريق الاستقرار والوحدة”، وليس طريق التصعيد.
وفي ختام كلمته، توقف بنكيران عند الجانب الإنساني المأساوي لهذه الأحداث، مقدّمًا تعازيه لأسر عدد من الأشخاص الذين لقوا حتفهم وهم في طريقهم للمشاركة في احتفالات عيد العرش بتطوان، دون أن يتمكن من تحديد عدد الضحايا بدقة، مضيفًا بنبرة حزينة: “لا يهم عدد الأرواح التي أُزهقت، فروح واحدة تكفي لتكون مأساة، فكيف الحال بأرواح عديدة؟”. كما أشاد بمجهودات الأجهزة الأمنية المغربية في التعامل مع الظاهرة، مؤكدًا أن المملكة تتوفر على منظومة أمنية قادرة على مواجهة مثل هذه التحديات، أيًا كانت أسبابها الداخلية أو الخارجية.