بسام كيرلس في "بودكاست مع نايلة": حين ينحت الفنان وجع الوطن
في حلقة جديدة من "بودكاست مع نايلة"، بدا الحوار الذي أجرته نايلة تويني مع الفنان والنحات اللبناني بسام كيرلس كأنه رحلة داخل ذاكرة الحرب اللبنانية، لا من باب السياسة، بل من باب الإنسان؛ من باب الألم الذي يتحوّل بصعوبة إلى فن. ومن باب الخراب الذي قد يَلِدُ جمالاً، ولو بعد زمنٍ طويلٍ من الوجع.
الفن وسيلة لفهم الحياة
منذ اللحظات الأولى للحوار، كان واضحاً أنّ بسام كيرلس لا يتعامل مع الفن كزينة للحياة، بل كوسيلة لفهمها. فالرجل، الذي أمضى سنواتِه يحوّل الأبنية المهدّمة والحديد والإسمنت إلى منحوتات، يرى أن الحياة نفسَها قائمةٌ على التناقض: بين الألم والجمال، بين الخراب والأمل، وبين السقوط ومحاولة النهوض من جديد.
حين سألَتْه نايلة: "من هو بسام كيرلس؟"، لم يبدأ بالجوائز أو المعارض، بل قال أولاً: "أنا فنان… أنا باحث في الفن… أنا ربّ عائلة… وأنا لبناني". هذه الجملة وحدها تختصر شخصية رجل عاش الحرب اللبنانية بكل تفاصيلها، وحملها معه إلى محترَفه، لتتحولَ الركاميات في يديه إلى ذاكرة بصرية جَماعية.
رحلة البحث عن المعنى
منذ طفولته، كان الفن طريقَه لفهم العالم. بدأ الرسم في عمر العاشرة، وتعلّم مبكراً تقنياتِ النحت، قبل أن يتأثر لاحقاً بأعمال الفنان الألماني أنسيلم كيفر، وبالعلاقة بين النحت والمكان، بين الكتلة والفراغ، بين الخراب والمعنى. لذلك، تبدو الأبنية في أعماله كأنها كائناتٌ حيّة، تحمل قصص الناس الذين مرّوا فيها، أفراحَهم وخساراتِهم وظلالَهم.
في حديثه، يشرح كيرلس كيف أن البناء بالنسبة إليه ليس مجرّد شكل هندسي، بل "تراكمٌ للذكريات والقصص واللحظات". وهو يرى أن هناك نوعين من الفنانين: فنان يسلّي الناس، وآخر يصنع فناً يشبه الدواء المرّ، يؤلم لكنه يداوي. وربما هذا تماماً ما يفعله فنّه في لبنان اليوم، حيث ما زالت الحرب تسكُن الذاكرة والبيوت والوجوه.
بين الصليب والحياة… ثنائية الألم والرجاء
يتحدّث أيضاً عن البُعدَين العمودي والأفقي في أعماله، مستلهماً فكرة الصليب المسيحي: البعد العمودي الذي يرفع الإنسان نحو الروح، والبعد الأفقي الذي يشدّه نحو الأرض والمادة. وبين الاثنين، تتشكل الحياة بكل تناقضاتها: الألم والأمل، الموت والقيامة، السقوط والنهوض.
ورغم نظرته القاسية إلى الحياة، حين وصفها بأنها "مشكلة كبيرة" و"سوء فهم عن الوجود"، إلا أن بصيص الأمل لم يغِب عن كلامه. اعترف بأنه لم يستخدم الألوان في أعماله لسنواتٍ طويلة، لكن في الفترة الأخيرة بدأ يشعر بأن هناك حاجةً إلى الضوء، إلى شيء من الرجاء، حتى وسط الغيوم الكثيفة التي تحيط بلبنان والمنطقة.
الطبيعة… حرب دائمة من أجل البقاء
ومن أكثر اللحظات عمقاً في الحوار، حديث بسام كيرلس عن قوانين الطبيعة والحياة. فهو يرى أن الطبيعةَ نفسها قائمةٌ على الصراع، وأن الحياة لا تستمرّ إلا على حساب حياةٍ أخرى.
واستعاد مشاهد يومية من حديقته في منزله الجبلي في بنتاعل-جبيل، حيث يراقب تفاصيل الطبيعة الصغيرة: حشرة تلتهم أخرى، طائر يبحث عن قوتِه، وكائنات تعيش ضمن دورة لا تتوقف من البقاء والفناء. ومن هذه المشاهد البسيطة، يصل إلى فكرة أكبر: الحياة ليست فردوساً كاملاً، بل مزيجٌ دائم من القسوة والجمال، من الألم والنعمة في آن واحد.
منحوتات تشبه ذاكرة بيروت
وفي أعمال بسام كيرلس، لا تبدو الأبنية مجرد كتل إسمنتية صامتة، بل ذاكرة حيّة للحرب اللبنانية. فهو استعاد في منحوتاته مباني تحوّلت مع الزمن إلى أيقونات للوجع اللبناني، مثل "برج المر"، و"مبنى البيضة"، و"الهوليداي إن"، وهي أماكن ارتبطت في ذاكرة اللبنانيين بصوَر الحرب والقنص والدمار والانقسام.
ومن بين مجموعاته الفنية أيضاً، تبرز مجموعة "Egg Face"، المستوحاة من شكل البيضة التي ترمز إلى الحياة والبداية الجديدة. داخل هذه الأعمال، يضع الفنان وجهاً إنسانياً في قلب البيضة، في إشارة إلى هشاشة الإنسان، وإلى الحياة التي تولد رغم كل شيء. وقد وصف كيرلس هذه المجموعة بأنها من أكثر أعماله تفاؤلاً، لأنها تتحدث عن الحياة كهدية إلهية، حتى وإن كانت مليئة بالألم.
هذه الأبنية، التي رآها اللبنانيون يوماً كرموز للخوف، أعاد كيرلس تشكيلها فنياً لتصبح مساحة للتأمل والذاكرة وربما للمصالحة أيضاً. ففي منحوتاته، يبقى الركام حاضراً، لكن بطريقة تحمل شيئاً من الهدوء، وكأن الفن يعيد للخراب إنسانيته المفقودة.