بريق المظاهر والفاتورة الخفية لجيل يقع ضحية
دميا معوض
في زمن أصبحت فيه شاشة الهاتف نافذةً نطلّ منها على حياة الآخرين، لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت إلى مصنع للأحلام، ومقياسٍ جديد للنجاح، ومنصةٍ تُقاس فيها قيمة الإنسان بما يرتديه، وما يقوده، وما يسافر إليه، وما يعرضه من مظاهر الرفاهية.
من أخطر الآثار التي خلقتها ثقافة الاستعراض على مواقع التواصل الاجتماعي أنها أعادت تعريف النجاح في نظر البعض. فبعد أن كان النجاح يعني سنوات من الدراسة، والعمل، والصبر، وبناء الذات خطوةً خطوة، أصبح في نظر البعض مجرد الوصول إلى مظاهر الثراء بأسرع وقت ممكن.
تكمن الخطورة عندما يبدأ الشباب والفتيات بمقارنة حياتهم اليومية بما يشاهدونه على الشاشات.
فالدماغ البشري يتأثر بالتكرار؛ وكلما شاهد صور الثراء والسفر والملابس الفاخرة بشكل مستمر، يبدأ باعتبارها المعيار الطبيعي للحياة. ومع الوقت تتولد مشاعر النقص، وعدم الرضا، والضغط للوصول إلى هذا المستوى بأي وسيلة.
وقد أثبتت دراسات في علم النفس أن المقارنة الاجتماعية المستمرة عبر وسائل التواصل ترتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، وانخفاض تقدير الذات، خصوصاً لدى المراهقين والشباب. وعندما يصبح المظهر هو معيار النجاح، قد يفقد البعض البوصلة الأخلاقية، فيقتنع بأن الغاية تبرر الوسيلة.
في السنوات الأخيرة، كشفت السلطات في دول مختلفة عن شبكات استغلت أشخاصاً في جرائم مثل الاتجار بالبشر، والاستغلال الجنسي، وترويج المخدرات، وغيرها من الأنشطة غير القانونية.
وهذه القضايا تذكرنا بأن البذخ الذي نراه على الإنترنت لا يعكس دائماً مصدراً مشروعاً للمال، وأن الانبهار الأعمى بالمظاهر قد يدفع بعض الشباب إلى الوقوع في فخاخ الاستغلال أو الوعود الكاذبة بالثراء السريع.
وأصبح بعض الشباب يشعرون بأنهم غير كافين لأنهم لا يملكون سيارات فارهة أو ساعات باهظة أو رحلات فاخرة، رغم أنهم يعملون بجدّ ويشقون طريقهم بكرامة. وفي المقابل، أصبحت بعض الفتيات تنظر إلى الرجل الذي يبني نفسه تدريجياً على أنه لا يحقق الطموح الذي رسمته صور وسائل التواصل، فتبحث عن الثراء الفوريّ ونمط الحياة الفاخر، متناسية أن الثروة الحقيقية في معظم الحالات تُبنى عبر سنوات من الاجتهاد والصبر.
وهنا تكمن المأساة؛ فحين يصبح المال هو المعيار الوحيد لاختيار شريك الحياة، وحين تصبح المظاهر أهم من الأخلاق، والاجتهاد، والاستقرار، فإن المجتمع يبدأ بفقدان أهم قيمه الأخلاقية. والأسوأ من ذلك أن هذا الهوس بالثراء السريع قد يدفع بعض الأشخاص إلى قبول طرق غير مشروعة أو الوقوع ضحايا للاستغلال، فقط للحفاظ على الصورة التي يريدون إظهارها أمام الآخرين.
إن مواجهة هذه الظاهرة الاجتماعية تكون بتعزيز الوعي. فالأسرة، والمدرسة، والإعلام، وصناع المحتوى، جميعهم مسؤولون وشركاء في ترسيخ ثقافة تقدّر العمل الشريف، وتعلّم الأجيال أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما يُعرض أمام عدسات الهواتف، بل بما يُبنى عبر سنوات من الاجتهاد، والنزاهة، واحترام الذات، وواجب علينا نشر التوعية كما نفعل حين نتكلم عن الغذاء الصحي وعن موضوع التنمر، ثم مواضيع أخرى ذات أهمية.
فالمجتمعات التي تمجّد الطريق السريعة إلى الثروة، مهما كان الثمن، تخاطر بخسارة منظومتها الأخلاقية؛ وللأسف - نحن العرب - بدأنا خسارة هذه المنظومة وفقدانها.
أما المجتمعات التي تكرّم من يبني حياته بعرق جبينه، فهي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.