بري العائد إلى قصر بعبدا يستعيد دوره السياسي المحوري
يروي محيطون بعين التينة أن سيد هذا الصرح الرئيس نبيه بري حقق من خلال زيارته الأخيرة النوعية لقصر بعبدا، دورا محورياً داخلياً وإقليمياً استشعر لبعض الوقت أنه فقده، وتحديداً منذ أن سُلب على كراهة منه، دور المفاوض الحصري في كل ما يتصل بوضع الجنوب ومآلاته، وأعيدت هذه المهمة إلى الرئاسة الأولى التي سجلت نجاحاً في إدارة الملف المعقد بدعم داخلي وخارجي واسع.
المعلوم أن إدارة ملف التفاوض في قضايا الجنوب نيطت ببري منذ عقود، وكانت أبرز محطاته مفاوضات الترسيم البحري. وكان يفاوض حينها باسم الدولة وباسم "حزب الله" الذي بادر أمينه العام السابق السيد حسن نصرالله إلى توفير "الإسناد" له عندما أطلق مسيرات وأرسل غواصة صغيرة في اتجاه المدى الحيوي البحري والجوي الإسرائيلي، في عراضة ضغط على إسرائيل التي كانت تتشدد وتتعنت في تلك المفاوضات التي استمرت أعواماً.
وسواء صحت مقولات البعض إن بري قد وضع يده على هذا الملف الذي هو من اختصاص الرئاسة الأولى نتيجة موازين القوى التي كانت تميل يومها لمصلحة الحزب ومحوره، أو أنها كانت قسمة رضائية فرضتها تحالفات تلك المرحلة، الثابت أن بري اسشتعر أنه فقد زمام الأمور، واستطراداً فقد مميزات الدور الذي قيّض له أن يؤديه لأعوام، لا سيما أن الرئاسة الأولى الحالية بادرت إلى تسلم ملف التفاوض في شأن الجنوب ومن ثم انطلقت في رحلة التفاوض المباشر مع الإسرائيلي التي انتهت إلى توقيع اتفاق الإطار.
عودة إلى 1982
لا يخفي زوار عين التينة أن بري استشعر في تلك الفترة أنه آل إلى الدور الذي كان له عندما بدأ الرئيس أمين الجميل عام 1982 جولات التفاوض المباشر مع الإسرائيليين، والتي انتهت كما هو معلوم باتفاق 17 أيار 1983.
فالذين عايشوا أحداث تلك المرحلة عن كثب يذكرون أن بري كان في صف المعارضين للعهد وسياسته، بعدما رفض إعطاءه أي أدوار أو مكاسب، مما اقتضى منه أن يبذل جهداً استثنائياً سياسياً وعسكرياً ويقدم تضحيات، قبل أن يقرّ به الجميل شريكاً رئيسياً في الحكم.
لم يشأ بري أن يعود مجبراً على إدارة هذا الدور بعد أكثر من نصف قرن كان خلالها واحدا من أسياد لعبة الحكم والإدارة، خصوصاً أن "العمر" لم يعد يسمح والظروف نفسها تحولت وتبدلت وانقلبت رأساً على عقب، إضافة إلى أن العهد الحالي بدا مصمماً على السير في ما بدأ به، ويحظى بدعم واسع وفعلي.
من خلال كل هذه المعطيات والوقائع، لم يصدر عن بري أي إشارات توحي بأنه في وارد العودة إلى إطلاق "جبهات معارضة" للعهد على غرار تجارب الثمانينيات، كما لم يشأ أن يدرج اسمه في خانة المعارضين الشرسين لاتفاق الإطار، مكتفياً بحدود الانتقاد على غرار كثر، وبوصفه بأنه مشروع فتنة يتعين عدم الانزلاق إليها.
بمعنى آخر، كان بري يعي، وهو الخبير المجرب، أن الظروف الموضوعية والذاتية التي شجعته على أن يكون رأس الحربة في الانقلاب على عهد الرئيس الجميل وإجباره على إلغاء اتفاق 17 أيار والاعتراف به شريكاً في الحكم، لم تعد قائمة.

زائر "مرتاح"
وفق متابعين، فإن المعارضة التي أشهرها بري في وجه اتفاق الإطار لم تدم إلا أسابيع، ليعود بعدها إلى قصر بعبدا زائراً "مرتاحاً"، مما سمح لمصادر هذا القصر بأن تتحدث بأريحية عن "شراكة خفية لبري" وأن ظله حاضر في كل ما تم وحدث، وأن تعلن سقوط كل ما أشيع عن "مقاطعة" شيعية للعهد وأدائه وخطواته.
يمكن المحيطين بالرئيس بري أن يقدموا أكثر من سبب وتبرير لهذا السلوك السياسي، وأنه "أداء الضرورة" الذي لا يعني الاعتراف باتفاق الإطار أو تقيدم الغطاء له، خصوصاً أن بري، إلى ما قبل ساعات، اعتبره مولوداً ميتاً، لكن الثابت أنه بات يستشعر أكثر من أي وقت مضى منذ بداية العهد الحالي أنه استعاد "دوره المحوري"، واستطراداً دور الشريك الكامل، وقطع الطريق على "احتمالات التهميش السياسي"، إذ لم يعد في إمكان سيد العهد تجاهله وهو الذي أتى على ذكره بالاسم خلال لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً إياه شريكاً أساسياً.
ليس خافياً أن بري الذي يعرف كيف يستوعب انزعاج "حزب الله" وبيئته من إعادة جسور العلاقة مع قصر بعبدا، يعرف أيضاً أن سيد العهد قد ذهب إلى أقصى خياراته السياسية، وأخذ كل فرصه السياسية، وبالتالي صار يحتاج إلى "نجدة بري" من الآن فصاعدا، ولا سيما مع استمرار التعنت الإسرائيلي. فما يراه العهد إنجازات يتغنى بها، ليست إلا بدايات تحتاج إلى الكثير لتكتمل وتصير مثمرة يمكن الاعتداد بها.