بروتوكول صارم وبصمة مغربية.. كيف طوعت نساء تارودانت “مخاط الحلزون” لخدمة الجمال؟
يلفت زائر الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، المقامة حاليا بمكناس، أمر يثير الفضول والإعجاب في آن، يتعلق برواق تعاونية تحمل اسم “ديما إسكاركو” تعمل على تثمين “مخاط الحلزون” التي تستخلص وفق بروتوكول صارم، وتحول إلى مستحضرات تجميل معتمدة، في تجربة تحمل لواءها نساء من تارودانت نجحن في تحويل هذه المادة إلى مورد غني، وعزيمتهن إلى صناعة قائمة الذات.
وراء العلامة التجارية “Helexia”، تقف هذه التعاونية التي أسستها كل من نادية شكري وصباح الإدريسي زاكي؛ وهما سيدتان من منطقة تارودانت تسلحتا بالجرأة للمراهنة على مادة تتهافت عليها صناعة التجميل العالمية منذ سنوات، ورفضتا تصديرها كمادة خام ليتم تثمينها في الخارج وإعادة بيعها للمغرب بأسعار باهظة.
من الضيعة إلى المختبر: سلسلة قيمة متكاملة
يعرف مخاط الحلزون بكونه غنيا بمادة “الآلانتوين”، وحمض الجليكوليك، والببتيدات المجددة، كما يحظى باعتراف طب الجلد الحديث بفضل خصائصه المرممة والمطلوبة في محاربة التجاعيد وترطيب البشرة. وإذا كانت الصناعة الكورية قد جعلت منه المكون النجم في عالم ال”K-beauty”، وتسوقه المختبرات الأوروبية بأسعار خيالية، فإن هذه التعاونية النسائية الجبلية بمنطقة سوس بالمغرب قد أمسكت بزمام هذه السلسلة، لتشرف على إنتاج هذا المكون من الألف إلى الياء، دون وسطاء ودون مساومة على الجودة.
تقول شكري إن “الأمر يتعلق بمنتج مبتكر. ورغم أنه يتماشى اليوم مع توجه عالمي متصاعد، إلا أنه يجب التعامل مع مخاطر السوق بيقظة”.
وتضيف، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن عملية الإنتاج صارمة، ذلك أن تربية الحلزون تتم في ضيعات معتمدة من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، قبل أن يتم توجيهه مباشرة إلى وحدة المعالجة. وتوضح أن عملية الاستخراج تتم آليا دون إيذاء الحيوان، وهو شرط أخلاقي ومعيار للجودة في آن واحد. وبعد عشرة أيام من المعالجة، يتم نقل المخاط الطازج والثمين إلى المختبر، حيث يحول بعناية إلى كريمات، وأمصال، وصابون، بشكل معتمد بالكامل من طرف مديرية الأدوية والصيدلة.
على أن اعتماد هذه السلسلة المتحكم فيها بدقة من الكائن الحي إلى القارورة، من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية ومديرية الأدوية والصيدلة، لم يكن وليد الصدفة وإنما “تتويجا لخبرة بنيت بصبر واستحقاق”.
قصة نضال.. لا مجرد وصفة تجميل
لا تعد تجربة “Helexia” مجرد قصة نجاح تجاري، وإنما هي أيضا، وقبل كل شيء، قصة قطيعة مع نموذج اقتصادي طالما أدى إلى افقار المنتجين الحقيقيين. ذلك أنه، ولفترة طويلة، عانت التعاونيات من “مفارقة صامتة”، حيث كانت تعمل كغرف استخراج لصالح أطراف خارجية. ف(أركان) وزعفران تالوين، وعسل الهضاب العليا، كلها كنوز كانت تشترى بالجملة، ويتم تحويلها وتثمينها في أوروبا، ثم يعاد استيرادها تحت علامات تجارية لا تملك المنتجات أنفسهن القدرة على شرائها.
هذه القطيعة هي جوهر مشروع “ديما إسكاركو”. فمن خلال دمج التربية، والمعالجة، والتحويل، ثم التسويق تحت مظلة واحدة، لم تعد التعاونية تكتفي بإنتاج مادة أولية ليتم تثمينها في مكان آخر.
تؤكد شكري “إنه منتج متكيف تماما مع السوق المغربي، مما يسمح بتقليل اللجوء إلى المنتجات المستوردة بأسعار مرتفعة”، مبرزة أنه خيار اقتصادي يندرج تماما ضمن منطق السيادة. وتضيف أن هناك إقبالا على المنتوج، ذلك أنه “غالبا ما يعود الزوار لاقتناء نسختين أو ثلاث من كل منتج، وهذا مؤشر حقيقي على النجاح”.
من الجبل إلى السوق العالمي: التعاونية كمدرسة للتمكين
على أن ما يلفت الانتباه عند الإنصات لنادية شكري في رواق تعاونيتها بقطب “المنتجات المجالية”، ليس فقط التمكن التقني من السلسلة أو الجودة الصناعية للمنتج، بل هو ذلك الفخر الذي تتحدث به عن التحول الإنساني الذي خلفته هذه المغامرة لديها ولدى شريكاتها.
وتقول، في هذا الصدد، “على المستوى المعنوي، نرى أن المرأة المغربية أصبحت تعبر عن نفسها بثقة، مرفوعة الرأس ومتحررة من أي خجل. إنها اليوم قادرة على تقديم منتجها ومنطقتها على الصعيدين الوطني والدولي”.
هذا التحول من وضع “اللامرئي” إلى مهمة “التمثيل”، ومن التحفظ المفروض إلى الثقة البارزة، هو ربما “المنتج النجم” الحقيقي لتعاونية “ديما إسكاركو” وللملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب. وهو منتج لا يظهر على أي ملصق، بل يتجلى في الأجواء الفريدة لأروقة هذه التعاونيات.
والواقع أن المنظومة المؤسساتية اضطلعت بدور محوري في هذا النجاح، من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مكتب تنمية التعاون، والمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية، الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، والاتحاد الوطني لنساء المغرب، إلى جانب آليات التمويل البنكي التحفيزية.
تستحضر شكري هذه المبادرات الداعمة بكثير من الامتنان، مؤكدة على الخصوص على قدرة النساء على اغتنامها للمضي قدما، وتحويل هذه الفرص إلى مسارات حقيقية للتمكين الذاتي.
وتقول إن “إنجاح هذا المشروع يمثل قصة حب وقصة نضال”. وهو نضال ما يزال مستمرا، لكنه في الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب يحمل وجه امرأة، ورائحة أرض، وقوام منتج ولد في أعماق جبال سوس، وصمم للمغربيات بأيدي مغربيات.