"برنامج الكنوز الحرفية" لـ2026 يحتفي بـ"سفراء الصناعة التقليدية المغربية"
احتضن المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، مساء الاثنين، فعاليات احتفالية كبرى افتُتحت من خلالها الدورة الرابعة لبرنامج “الكنوز الحرفية المغربية” لعام 2026، متوجا بذلك عقدا من شراكة استراتيجية تجمع كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو).
تسعى هذه المبادرة الوطنية الرائدة إلى صون التراث الثقافي الحيّ، ونقل المعارف والمهارات الحرفية النادرة من “المْعلْمّين” الكبار إلى الأجيال الشابة، ترسيخا للهوية الحضارية للمملكة وتفعيلا لتوجيهات الملك محمد السادس الذي يضع حماية الذاكرة الوطنية والتراث غير المادي في صدارة الأولويات التنموية، حسب ما أبرزه المنظمون.
واحتفت الدورة الرابعة الملتئمة تحت شعار “سفراء الصناعة التقليدية المغربية” بـ 12 “مْعلّم” ومعلمة من حمَلة المعارف الحرفية الاستثنائية، يمثلون 10 حرف تقليدية “نادرة مهددة بالاندثار”؛ شملت، وفق ما أوضحه كاتب الدولة في القطاع، لحسن السعدي، “الفخار القروي النسوي” بالحسيمة، “الشَّربيل” بخنيفرة واشتوكة آيت باها، “العقاد” بصفرو، “الحديد الدمشقي” بمكناس، “الزربية الزمورية” بالخميسات، “التسفير والتذهيب” بالرباط، “النقش على الجبس” بالدار البيضاء ومراكش، “الخرقة الزناسنية” ببركان، “الزربية الرحمانية” بقلعة السراغنة، و”نحاس إغرم” بتارودانت.

نموذج مغربي رائد
في كلمة افتتَح بها فعاليات الحفل، استعرض لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، “حصيلة عشر سنوات من الشراكة الاستراتيجية المثمرة مع منظمة اليونسكو”.
وأكد السعدي، متحدثا أمام حضور غفير غصّت به القاعة الرئيسية للمسرح، أن “المغرب بات يقدم نموذجا رائدا يعترف بالصانع التقليدي كـ “كنز بشري حيّ”، مضيفا أن “كل حرفة من حرف هذا الوطن هي إرث مادي وروحي وَرِثناه عن أجدادنا، وأمانة في أعناقنا ‘كاملين’ لنقله إلى الأجيال الصاعدة. واليوم، بفضل الرؤية الملكية السامية الحريصة على إشعاع هويتنا الحضارية، نمُرّ من مرحلة الصون والتوثيق إلى تمديد برامج التكوين الفعلي حتى عام 2031”.
وأشار المسؤول الحكومي الوصي على القطاع في حكومة عزيز أخنوش إلى أن “جهود كتابة الدولة تكلّلت بإدماج الفئات الهشة، لا سيما عبر الشراكة المبرمة مع المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، مما مكن نزلاء المؤسسات السجنية من تعلم مهارات يدويّة واكتساب كفاءات حقيقية تُيسّر إعادة إدماجهم الاجتماعي بعد قضاء عقوبتهم”.
ومن بين ما تطرّق إليه السعدي، “جهودٌ متواصلة لتعزيز الإشعاع الدولي عبر تقديم الإصدار المرجعي “حِرف مغربية.. تراث يتجدد” بمقر اليونسكو في باريس، مع استعراضه بتفصيلٍ مختلف مراحل مسار العقد الاستراتيجي من الشراكة بين قطاعه ومنظمة الأمم المتحدة عبر مكتبها للدول المغاربية.

“ذكاء اليد وإبداع الحركة”
من جانبه، ألقى شرف أحميمد، مدير المكتب الإقليمي لمنظمة “اليونسكو” لدى الدول المغاربية، كلمة ركزت على “البعد الإنساني للتراث الحي”، مذكرا بصموده و”مكانته في عالم اليوم الرقمي”.
وأشاد أحميمد بـ”الشجاعة الوطنية للمغرب في جرد وتصنيف الحرف النادرة لضمان استمراريتها”، مشيرا إلى أن “التحول الرقمي الراهن يفرض تحديات جديدة”.
وسجل أمام المشاركين أن “الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته الهائلة على توثيق المعارف الحرفية ونشرها، لن يستطيع أبدا أن يحل محل جوهر الصناعة التقليدية، المتمثل في ذكاء اليد، وإبداع الحركة، وإحساس الحِرفيِّ المرهف، وتفاعله المتفرد مع المادة الخام”.
ودعا مدير مكتب اليونسكو في الدول المغاربية إلى “الاستثمار الجماعي في المنظومات التكوينية لجعل المهن التقليدية أكثر جاذبية لشباب اليوم”، مؤكدا أن “حماية الموروث لا تكتمل إلا بنقله الفعلي إلى الأجيال الناشئة وغرس قيم الصبر والإتقان في نفوسهم”.

شراكات تربط التراث بالتشغيل والفن
لم يخلُ حفل رابع دورات “الكنوز الحرفية المغربية” من توقيع اتفاقيات استراتيجية ثلاث ترمي إلى “ترسيخ استمرارية برنامج الكنوز الحرفية المغربية وربط مُخرجاته بمتطلبات التنمية المستدامة وسوق الشغل، وبالإشعاع الفني وفنون العرض”، وفق ما أوضحه لحسن السعدي.
الأولى تتعلق باتفاقية إطلاق برنامج “سفراء الصناعة التقليدية المغربية” (بالشراكة مع اليونسكو)، بهدف “تعبئة وإشراك نخبة من الشخصيات البارزة والمؤثرة من عوالم الفن، الثقافة، الرياضة والإعلام، للمساهمة الفعالة في الترويج والتعريف بالصناعة التقليدية المغربية على الصعيدين الوطني والدولي”.
ويأتي هذا البرنامج بمثابة “امتداد نوعي لتثمين الحرف التقليدية وجعلها رمزا مشعا للمملكة في كبريات المحافل الدولية”.
أما الاتفاقية الثانية فجمعت كتابة الدولة للصناعة التقليدية مع المرصد الوطني للتنمية البشرية (ONDH)، وتهدف إلى “مرافقة ومواكبة” خريجي وخريجات برنامج “الكنوز الحرفية المغربية” بعد إتمام مسارات التكوين، من أجل “تيسير ولوجهم الفعلي إلى سوق الشغل، وهيكلة مقاولاتهم الصغيرة جدا وتأسيس تعاونيات إنتاجية تضمن استقلاليتهم المادية واستمرارية نشاطهم الحرفي”.
ووُقّعت الاتفاقية الثالثة مع المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي (ISADAC)، و”تسعى إلى تكوين جيل جديد من الصناع التقليديين والشباب المتخصصين في الحرف المرتبطة بفنون العرض والسينوغرافيا”، وعيا بـ”الترابط الوثيق” بين الصناعة التقليدية (كالقفطان المغربي والديكورات التقليدية الأصيلة) وعوالم السينما والمسرح التي تساهم بقوة في توثيق الهوية الوطنية وإبرازها.
The post "برنامج الكنوز الحرفية" لـ2026 يحتفي بـ"سفراء الصناعة التقليدية المغربية" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.