"براغماتية حزبية" تقلص تزكية النساء في الدوائر المحلية استعدادا للانتخابات
يبدو أن ضمان حضور وازن للنساء على مستوى الدوائر الانتخابية المحلية خلال انتخابات أعضاء مجلس النواب المقررة في شتنبر المقبل، لن يكون بالسهولة المتصورة؛ إذ تكشف التزكيات التي أعلنت عنها بعض الأحزاب السياسية استمرار هيمنة الرجال على قيادة اللوائح.
فعلى سبيل المثال، تردد حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد الائتلاف الحكومي الحالي، في إعادة تزكية عدد من النائبات البرلمانيات لقيادة اللوائح الانتخابية المحلية، خاصة اللواتي سبق لهن الترشح عبر الدوائر الجهوية في إطار نظام “الكوطا”. وفي مقابل ذلك، جدّد الحزب ثقته في كل من زينة شاهيم وزينب إدحلي ونادية بوعيدة، كما اختار نادية بوهدود لقيادة لائحته بالدائرة المحلية لتارودانت الجنوبية.
وبناء على ما رشح من عدد من الأحزاب الأخرى، استنتج أساتذة جامعيون أن “التمكين السياسي للنساء لم ينتقل بعد بشكل كامل من منطق ‘الكوطا’ إلى منطق التنافس المحلي المباشر؛ إذ ما تزال الدوائر المحلية محكومة بعوامل تنظيمية واجتماعية وانتخابية تمنح أفضلية للمرشحين الذكور، بحكم تراكم التجربة، وشبكات الأعيان، والحضور الطويل داخل التنظيمات المحلية”.
وشدد هؤلاء الأساتذة، في تصريحات لهسبريس، على أن “الانتقال من منطق التمثيلية المضمونة (الدوائر الجهوية) إلى منطق التنافس الانتخابي المباشر (الدوائر المحلية) يتطلب استثمارا أكبر في تأهيل النخب النسائية، وتعزيز حضورها الميداني داخل التنظيمات الحزبية، بما يمكنها من اكتساب الخبرة والشرعية الانتخابية اللازمة للمنافسة على المقاعد المحلية”.
سلطة تقديرية
أكد عبد الحميد بنخطاب، رئيس الجمعية المغربية للعلوم السياسية، أن “تمثيلية النساء في الاستحقاقات الانتخابية تعد إشكالا حقيقيا بالمغرب يستوجب قراءة عميقة، حيث ما تزال هناك سلطة تقديرية للقيادات الحزبية تتحكم في ترشيح النساء، لا سيما على مستوى الدوائر الانتخابية المحلية”.
وذكر بنخطاب، في تصريح لهسبريس، أن “النساء يمثلن شريحة اجتماعية كبيرة جدا، غير أن الكفؤات منهن قليلات جدا. ولذلك، على الأحزاب السياسية تأهيلهن ودعمهن لتقلد مناصب سياسية، بهدف فتح الباب أمام التمثيلية العادلة لهن حسب ثقلهن الديمغرافي”.
وتابع الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط بأن “هاجس الحصول على المقعد حاضر ويتملك الأحزاب السياسية خلال كل انتخابات ويساهم كثيرا في تحديد وكلاء اللوائح على مستوى الدوائر المحلية، لا سيما وأننا نشتغل بنظام الاقتراع باللائحة الذي لا يملك الناخبون سلطة التفصيل في طبيعة المرشحين الذين تضمهم كل لائحة”.
ولا تقف هذه الخصوصيات عند الانتخابات التشريعية، يوضح بنخطاب، مبرزا أن “الانتخابات الجماعية تعرف الشيء نفسه، حيث يتم تقديم الرجال على النساء في اللوائح المعدة من قبل الأحزاب السياسية، وذلك بمبرر عدم قدرتهن على المنافسة”.
وفي هذا الصدد، لفت الأستاذ الجامعي ذاته إلى أن “مبدأ المناصفة الدستوري يظل ملزما بالنسبة للأحزاب السياسية أيضا، وعليها احترامه؛ فعلى الرغم من صعوبة المساواة بين النساء والرجال على رأس الدوائر المحلية، إلا أن هناك حاجة للعمل من أجل الوصول إلى مستويات مقبولة خلال الولايتين المقبلتين”.
براغماتية حزبية
رشيد لزرق، أستاذ العلوم السياسية، عبّر عن اعتقاده أن “محدودية تزكية النساء في الدوائر المحلية، وفق المعطيات الأولية المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة، قد تعكس استمرار ثقل الحسابات الانتخابية في تدبير الترشيحات الحزبية”، موردا أن “الأحزاب، ومن بينها حزب التجمع الوطني للأحرار، تتحرك داخل واقع انتخابي تنافسي يفرض اختيار المرشحين الأكثر قدرة على التعبئة، والحضور الميداني، وامتلاك شبكات القرب داخل الدائرة”.
ورأى لزرق، في تصريح لهسبريس، “صعوبة قراءة هذه المحدودية باعتبارها تخليا عن الالتزام السياسي بتعزيز حضور النساء؛ بل باعتبارها نتيجة لتوازن صعب بين المبدأ السياسي المتعلق بالمناصفة، والمنطق العملي المرتبط بربح المقاعد”.
وقال إن “هذه الوضعية تكشف، في العمق، أن التمكين السياسي للنساء لم ينتقل بعد بشكل كامل من منطق ‘الكوطا’ إلى منطق التنافس المحلي المباشر؛ فالدوائر المحلية ما تزال محكومة بعوامل تنظيمية واجتماعية وانتخابية تمنح أفضلية للمرشحين الذكور، بحكم تراكم التجربة، وشبكات الأعيان، والحضور الطويل داخل التنظيمات المحلية”.
وأضاف أن عددا من النساء، رغم حضورهن المتنامي داخل المؤسسات المنتخبة، “لم يستفدن بعد من مسار حزبي ميداني كافٍ يجعل ترشيحهن محليا خيارا انتخابيا طبيعيا وقويا”.
وأبرز المتحدث ذاته أن “الرهان لم يعد فقط في رفع عدد النساء داخل المؤسسات، بل في تمكينهن من الفوز خارج منطق المقاعد المضمونة، بما يوفق بين النجاعة الانتخابية وتجديد النخبة النسائية”.
The post "براغماتية حزبية" تقلص تزكية النساء في الدوائر المحلية استعدادا للانتخابات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.