باحثون مغاربة يطلقون تحولات جذرية في مراقبة جودة الصناعات الكيميائية

في خطوة توطّد مكانة البحث العلمي المغربي على الساحة الدولية تمكن فريق بحثي من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) ببنجرير، بالتعاون مع جامعة سيدي محمد بن عبد الله، من إحداث ما وصف بـ”تحول جذري” في مجال كيمياء التحليل العملياتي.

الدراسة التي نُشرت حديثاً في سلسلة “Scientific Reports” المرموقة، التابعة لمجلة “نيتشر” (Nature) العالمية، كشفت عن ابتكار تقنية تتيح مراقبة جودة “حمض الفوسفوريك” الصناعي بدقة فائقة ولحظية.

تكمن الأهمية القصوى لهذا البحث في معالجة “فجوة زمنية” كانت تؤرّق بال المصانع الكيميائية؛ فبينما كانت الطرق التقليدية (مثل تقنية ICP-OES) تتطلب سحب عينات وإرسالها للمختبر في عملية قد تستغرق ساعات أو حتى أياماً، نجح الباحثون المغاربة في ابتكار نظام يعتمد على التحليل الطيفي بالانهيار المستحث بالليزر (المعروف بالتسمية العلمية اختصارًا بـ LIBS).

وأوردت الدراسة المنشورة منتصف أبريل الجاري: “هذا النظام يمنح نتائج دقيقة لمستوى تركيز خامس أكسيد الفوسفور Phosphorus pentoxide في أقل من عشر ثوانٍ، وهو ما يمثل سرعة تزيد بـ 180 ضعفاً مقارنة بالطرق الكلاسيكية”.

ولم يتوقف الابتكار عند حدود استخدام “الليزر”، وإنما طوّر الفريق البحثي إطاراً كيميائياً قياسياً (Chemometric framework) متطوراً.

وفي التفاصيل اختبَر الباحثون 12 خوارزمية من خوارزميات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي لمقارنة قدرتها على تحليل البيانات الطيفية المعقدة.

ومما أثبتته النتائج الموثقة أن النموذج الأمثل (PLS) حقق دقة تنبؤية مذهلة تصل إلى 0.96 (معامل التحديد)، ما يضمن موثوقية النتائج في “بيئة صناعية صعبة وعالية الحموضة”.
كفاءة إنتاجية واستدامة بيئية

يفتح هذا الإنجاز البحثي البابَ أمام المصانع، خاصة في قطاع الأسمدة، للتحول نحو “الصناعة 4.0” (Industry 4.0)، حيث يمكِن “ضبط الجودة لحظة بلحظة”.

الدراسة التي قادَها فريق ينتمي إلى “مركز التميز للابتكار الرقمي (DICE)” لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببنجرير يتشكل من محمد الكوهن، حفصة الإدريسي، أمين منعم، حفيظ كَريكر، ورفيق العلمي. كما جاء مختبر الكيمياء العضوية التطبيقية- كلية العلوم والتقنيات (جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس) ممثلا بكل من محمد الكوهن ومحمد العسري.

ومن أبرز النتائج المتوقعة لهذا التحول، وفق ما كشفه الباحثون الذين عكفوا على الدراسة، “تقليل الهدر الكيميائي”، عبر الكشف الفوري عن أي انحراف في التركيز، ثم “تحسين كفاءة الموارد”، بما يفيد تحسين استهلاك الطاقة والمواد الخام؛ هذا فضلا عن “استمرارية جودة المنتَج: ضمان وصول الأسمدة للمزارعين بمواصفات دقيقة ومستقرة”.

كما أكد الباحثون، وعلى رأسهم محمد الكوهن، أن هذا العمل لا يقتصر فقط على حمض الفوسفوريك، بل يقدم “قالبًا منهجيًا” يمكن نقله وتطبيقه على مختلف تدفقات السوائل في الصناعات الكيميائية الأخرى.

يُذكر أن هذا المشروع حظي بدعم من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، ما يجسد نجاح الشراكة بين البحث الأكاديمي والقطاع الصناعي في المغرب.

وبحسب القائمين عليه لا يمثل هذا الإنجاز مجرد دراسة علمية، بل هو “خارطة طريق” ومنهجية قابلة للنقل نحو جيل جديد من الصناعات الكيميائية الذكية والمستدامة. من خلال دمج الفيزياء المتقدمة مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي وضع الباحثون المغاربة لبنة أساسية للتحول نحو أنظمة التحكم ذات الحلقة المغلقة، حيث تصبح المنشآت الصناعية قادرة على اتخاذ قرارات تصحيحية فورية بناءً على تدفقات بيانات لحظية.

The post باحثون مغاربة يطلقون تحولات جذرية في مراقبة جودة الصناعات الكيميائية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress