بؤس سردية “العطّاش السياسي”: حكيم بنشماش نموذجًا

إن المقال الذي نشره د. حكيم بنشماش على منصة “مدار 21” لا يمكن التعامل معه بوصفه مساهمة جديدة في النقاش المستهلك حول “الجهوية المتقدمة”، بقدر ما يُقرأ كنص متأخر عن زمنه السياسي؛ نص يأتي بعد انقضاء لحظة الفعل، حين كان صاحبه يشغل مواقع رسمية ومؤسساتية مركزية كان يفترض أن تنتج الموقف، لا أن تكتفي لاحقًا بالتعليق عليه.

المفارقة هنا أن النص يصدر بعد انغلاق مجال القول من داخل القرار، ليعود بصيغة تفسيرية تعيد إنتاج خطاب تم اجتراره على مدى عقدين، دون أن ينجح في تجاوز منطقه التبريري أو مساءلة بنيته العميقة. لذلك، لا يقدم المقال إضافة معرفية بقدر ما يضعنا أمام إعادة اجترار لسردية استُهلكت طويلًا داخل خطاب الدولة المخزنية.

غير أن ما يمنح هذا النص دلالته الأعمق ليس فقط تأخره، بل انتماؤه إلى ما يمكن تسميته بـ”العطّاش السياسي”. لا يُفهم هذا المفهوم بوصفه حالة نفسية، بل كبنية سوسيولوجية داخل حقل السلطة، لا خارجه أو نقيضه.

“العطّاش السياسي”، بهذا المعنى، هو تعبير عن موقع وسيط داخل هرمية السلطة الرمزية، حيث تُمنح النخبة موقعًا تمثيليًا داخل المؤسسات، لكنها تظل مفصولة عن مركز الإنتاج الفعلي للقرار. ونتيجة لذلك، تطور هذه النخبة أشكالًا خطابية تبريرية، تجعل من الدعاية متنفسًا لإعادة امتلاك ما لا يمكن امتلاكه سياسيًا. فبدل أن تكون السياسة فعلًا إنتاجيًا، تتحول إلى ممارسة دعائية لاحقة، وبدل أن يكون الخطاب أداة مساءلة، يصبح أداة تكيف وإعادة تموقع.

ضمن هذا الأفق، يشتغل “العطّاش السياسي” كآلية مزدوجة: يعيد إنتاج شرعية النظام عبر تبرير اختياراته بلغة تسولية، ويمنح في الآن نفسه للنخبة إحساسًا بالفاعلية الرمزية يعوض غياب الفاعلية الفعلية. وهنا تتحول العلاقة بالسلطة إلى علاقة رغبة دائمة: اقتراب دون امتلاك، مشاركة دون سيادة، ونقد دون قطيعة.

هذا التضاد بين موقع سابق داخل بنية القرار وموقع لاحق خارجه ليس تفصيلًا عابرًا، بل مفتاح لفهم النص. غير أن هذا الفهم يقتضي تدقيقًا إضافيًا: فحكيم بنشماش لا يظهر كفاعل داخل ما يصطلح عليه بـ“الدولة العميقة” بالمعنى المنتج للقرار، بل كجزء من حلقة التنفيذ السياسي الوظيفي التي تشتغل داخل حدود مرسومة سلفًا. لم يكن في موقع صناعة القرار الاستراتيجي، بل في موقع تفعيل/تبييض مخرجاته داخل المؤسسات التمثيلية، أي كأداة توقيع سياسي على ما يُنتج داخل بنية المخزن العميق.

بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بفاعل يمتلك سلطة إعادة تعريف قواعد اللعبة، بل بفاعل يُدرج داخلها وفق توازنات مضبوطة، حيث تتحول النخبة إلى وسيط وظيفي بين مركز القرار ومجال التنفيذ. ومن ثم، فإن مساءلة خطابه لا تنطلق من كونه صانعًا للسياسات، بل من كونه معيد إنتاجٍ لها داخل لغة تفسيرية لاحقة، تضفي على القرار طابعًا مؤسساتيًا دون أن تكشف شروط إنتاجه الفعلية.

انطلاقًا من ذلك، لا يقدم النص قراءة نوعية، بل يعيد إنتاج نفس البنية الخطابية التي حكمت النقاش حول مفهوم “الجهوية” والتنمية الترابية، حيث اختزال الفشل في الأداء بدل البنية، وتحويل الإخفاق السياسي إلى خلل تقني، والفصل بين الدولة كعقل والنخب كأداة تنفيذ. وهكذا، لا نكون أمام تحليل جديد، بل أمام إدخال متأخر لنفس الأسئلة داخل إطارها القديم.

ضياع وبؤس النص، إذن، لا يكمن في مضمونه بقدر ما يكمن في تأخره، وفي كونه يعكس انتقال فاعل من موقع التنفيذ السياسي إلى موقع التعليق عليه، دون أن يقطع مع اللغة التي حكمت لحظة الفعل نفسها. من هنا، تصبح قراءته مناسبة لمساءلة منطق أوسع، لا رأيًا فرديًا، بل بنية خطابية كاملة تنتجها الدولة المخزنية عبر نخبها الوسيطة، حيث تُعاد صياغة السلطة داخل اللغة بعد أن يُحسم القرار خارجها.

فالسردية التي يعيد بنشماش إنتاجها تقوم على نفس الثوابت: تحويل الإشكال إلى مسألة نخب، وتبرير تقني للأعطاب، وفصل منهجي بين المركز والهامش، مع الإصرار على معالجة النتائج دون الاقتراب من شروط إنتاجها. لذلك، لا يفتح النص أفقًا تفسيريًا جديدًا، بل يعيدنا إلى نقطة البداية، حيث تُطرح الأسئلة بطريقة تعيد إنتاج الأجوبة نفسها.

المساءلة هنا لا تستهدف الشخص بقدر ما تستهدف منطقًا يحكم العلاقة بين النخبة والسلطة: كيف تتحول النخبة من وسيط تنفيذي إلى راوٍ متأخر؟ وكيف تتحول السياسة إلى خطاب تفسيري بدل أن تكون فعلًا منشئًا للواقع؟ ولماذا يُعاد إنتاج نفس السرديات دون مساءلة بنيتها الأصلية؟

لا يمكن قراءة هذا النص كجزء من نقاش تقني حول السياسات الترابية، بل باعتباره تعبيرًا عن اشتغال العقل السياسي للدولة المخزنية في صيغته الناعمة، حيث تُحوَّل الأزمة من سؤال في بنية السلطة إلى سؤال في كفاءة النخب، ومن مساءلة النموذج إلى مساءلة التنفيذ. ورغم لغته التحليلية، يؤدي النص وظيفة أساسية: إعادة إنتاج شرعية النظام عبر تحويل فشله إلى خلل بشري قابل للإصلاح التقني.

تكمن خطورة هذا الخطاب في نقله مركز الثقل من سؤال “كيف تُنتج السلطة؟” إلى سؤال “من أخطأ في تدبيرها؟”. هنا تشتغل الدولة المخزنية كمنظومة معرفية تعيد تعريف الأعطاب بما يُخرج البنية من دائرة المسؤولية. وعندما تُختزل الأزمة في ضعف النخب بدل هندسة النظام، يصبح الإصلاح مجرد إعادة ترتيب داخل نفس المعمار السياسي.

في هذا السياق، لا يظهر بنشماش كفاعل نقدي خارج البنية، بل كأحد تعبيراتها ضمن ما يمكن تسميته بـ“العطّاش السياسي”: نموذج من النخب لا يصنع القرار، بل يشرحه بعد وقوعه، ويبرر نتائجه بعد تعثره، ويعيد تسويقه بلغة إصلاحية تضفي على الفشل طابعًا تقنيًا محايدًا. إنها وظيفة داخل النظام أكثر منها موقعًا نقديًا خارجه.

حين يقدم خيار الجهوية باعتباره سليمًا تعثر فقط في التنفيذ، يتم الفصل بين التصميم والتنزيل، بين الدولة كعقل والنخب كأداة. غير أن هذا الفصل هو جوهر الإيديولوجيا المخزنية، لأن النخب نفسها تُنتج داخل هندسة سياسية وإدارية دقيقة، تضبط أدوارها وسقفها وحدود حركتها.

اختزال الأزمة في “رداءة النخب” ليس تحليلًا، بل تقنية لإعادة إنتاجها مع تحميلها مسؤولية فشل بنيوي. وهكذا تتحول السياسة إلى دائرة مغلقة: تغيير في الوجوه للحفاظ على الثابت في البنية، وتعديل في الخطاب لتثبيت البنية.

أما الحديث عن “الجراحة المؤسساتية الناعمة” فلا يخرج عن إعادة إنتاج سردية الدولة حول ذاتها: تدخل لتصحيح أخطاء من يفترض أنهم ينفذون رؤيتها، بينما تلك الأخطاء هي في الواقع نتيجة طبيعية للنموذج نفسه. فالتعثر ليس عرضيًا، بل تعبير عن جهوية محكومة بسقف مركزي صارم، بلا سيادة ترابية فعلية، ولا استقلال مالي حقيقي، ولا سلطة تقريرية كاملة.

بهذا المعنى، يُعاد إزاحة السؤال الحقيقي: بدل مساءلة بنية السلطة، يتم تقييم أداء النخب؛ وبدل تفكيك أداء الدولة السلطوية يتم ترميم خطابها. وهو ما يمثل أحد أخطر أشكال نزع السياسة من السياسة.

تعمل الدولة المخزنية ليس فقط عبر أدواتها الإدارية، بل عبر إنتاج خطاب يبدو عقلانيًا وإصلاحيًا، لكنه يعيد إنتاج المركزية التسلطية ذاتها. لا يسأل هذا الخطاب: من يحكم؟ بل كيف نحكم بشكل أفضل. لا يسائل إنتاج السلطة، بل يسعى إلى تحسين إدارتها، محولًا إياها إلى معطى طبيعي خارج النقاش.

في هذا السياق، لا تُستحضر هيئة الإنصاف والمصالحة كقطيعة، بل كلحظة إدماج للذاكرة داخل سردية الدولة دون تفكيك بنيتها. كما يكشف حراك الريف عن استمرار نفس منطق التدبير الأمني، رغم الخطاب التنموي، بما يؤكد أن البنية لم تتغير، بل أعادت إنتاج نفسها بلغة جديدة.

تتحرك النخب، السياسية والأكاديمية، داخل سقف غير مرئي: يسمح بالنقد لكنه يمنع القطيعة، يسمح بالوصف لكنه يمنع التفكيك، يسمح بالإصلاح لكنه يمنع إعادة التأسيس. وهكذا يتحول النقد إلى جزء من آلية ضبط النظام بدل تهديده.

ضمن هذا الإطار، لا يخرج خطاب بنشماش عن هذا المنطق، بل يعيد إنتاجه بصيغة أكثر نعومة: خطاب يدور حول الدولة دون أن يمس جوهرها.

غير أن المفارقة تبلغ ذروتها عند الانتقال من خطاب النخبة إلى الجغرافيا موضوعه: الريف. هنا يصبح النقاش تاريخًا مكثفًا للعنف والتهميش وإعادة الإدماج المشروط، وإنتاج نخبة وسيطة تُدار أكثر مما تمثل.

فالريف ليس مجرد مجال ترابي، بل جهة تاريخية تختزل سؤال تقرير المصير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، من إرث الحرب والعسكرة إلى سياسات التهميش، وصولًا إلى إعادة إنتاج نفس البنية تحت عناوين جديدة.

ومن ثم، فإن تحول بنشماش من فاعل داخل هذه البنية إلى محلل لأعطابها، دون مساءلة مسؤوليته الرمزية والسياسية، يعكس نموذج “نخبة الإسمنت المسلح”: نخبة صُنعت داخل بنية صلبة من التحكم، ثم أعادت إنتاج صلابتها بلغة إصلاحية.

من زلزال الحسيمة 2004 إلى حراك الريف، يتضح أن الأزمة ليست أزمة نخب منفصلة عن البنية، بل أزمة بنية تنتج نخبها على صورتها، ثم تحملها مسؤولية نتائجها.

في النهاية، لا يمثل نموذج حكيم بنشماش استثناءً داخل هذا النسق، بل تكثيفًا له: انتقال من موقع التنفيذ إلى موقع التفسير، دون أي قطيعة مع الشروط التي أنتجت الفعل نفسه. إنه نموذج لنخبة لا تراجع التجربة بقدر ما تعيد ترتيب خطابها، ولا تفكك البنية بقدر ما تبحث عن تبرير أعطابها داخل نفس الأفق الذي صنعها.

هنا تكمن المفارقة الحاسمة: فبدل أن يتحول النقد إلى أداة لكشف منطق السلطة، يتحول إلى وسيلة لإعادة تدويره؛ وبدل أن يفتح النقاش أفقًا سياسيًا جديدًا، يُعاد إدخاله داخل نفس الدائرة المغلقة التي تنتج الأسئلة والأجوبة معًا.

بهذا المعنى، لا ينتهي الخطاب إلى إصلاح السياسة، بل إلى إفراغها من مضمونها، حيث تُستبدل مساءلة الشروط بإعادة وصف النتائج، ويُستعاض عن تفكيك البنية بإعادة تأثيث لغتها. وهكذا تستمر اللعبة نفسها: سلطة تُعاد صياغتها في الخطاب، ونقد يُستخدم لتثبيتها، وأزمة تُدار بدل أن تُحل.

في هذا الأفق، لا يعود السؤال هو لماذا تفشل النخب، بل لماذا يُعاد إنتاج نفس الشروط التي تجعل فشلها ممكنًا وضروريًا في آن واحد.

 

اقرأ المقال كاملاً على لكم