انتقادات يسارية تنبه إلى "التملق والمحسوبية" في التنظيمات الشبابية

نبهت أصوات من اليسار داخل المؤسسة التشريعية المغربية إلى أن “وضعية الشباب الحالية تطرح تحديات عميقة، سواء على مستوى الإدماج الاجتماعي أو المشاركة السياسية الفعلية”، معتبرة أن “هذه الفئة ما تزال تواجه عوائق بنيوية تحد من حضورها في مواقع التأثير وصناعة القرار، بما يضمن منصة حقيقية لتكافؤ الفرص وتقوية الثقة في المؤسسات المنتخبة”.

جاء ذلك خلال لقاء دراسي نظمه مجلس النواب، يوم أمس الاثنين، بشراكة مع مؤسسة “وستمنستر للديمقراطية”، حول موضوع: “تعزيز المشاركة السياسية للشباب: رهان وطني مشترك”، حيث نبه برلمانيون يساريون ضمن صفوف المعارضة إلى “مظاهر اختلال داخل بعض التنظيمات الشبابية، من بينها ترسيخ ممارسات قائمة على التملق والسعي النفعي لبلوغ مراكز القرار، بدلا من تكريس ثقافة الكفاءة والاستحقاق”.

استبعاد للشباب؟

النائبة مليكة الزخنيني قالت في كلمة باسم الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، إن “المشاركة السياسية للشباب هي في صلب الحياة السياسية بالمغرب، بل هي القاعدة”، مضيفة أن الإشكال المطروح إجرائيا يتمثل في “الاستبعاد السياسي للشباب” أكثر من كونه متعلقا بمبدأ المشاركة في حد ذاته.

وأضافت الزخنيني أن الأسئلة التي تفرض نفسها هي: “ما الذي عطّل عجلة المشاركة السياسية للشباب؟ وما الذي يعوق الحق في المشاركة في الشؤون العامة؟” و”ما الذي يجعل بلادنا مضطرة لخلق ديناميات استثنائية لإدماج الشباب في الحياة السياسية عوض أن يكون ذلك اليوم-وهو المفترض بناءً على السيرورة التاريخية-جزءا من دينامية عادية مترسخة في المجتمع والدولة على حد سواء؟”.

وأكدت النائبة الاتحادية أن التساؤل يمتد إلى “موقع السياسة من الحياة الاجتماعية” وما إذا كان الشعبُ مُسيّسا، وتساءلت: “كيف تتم عملية التنشئة السياسية؟ وكيف تُدار الفرص؟ وكيف يتم التنخيب السياسي في بلادنا؟ هل هناك حدود تُرسَم للشباب أم إنهم هم أنفسهم يرسمونها لذواتهم؟ وهل للحياة السياسية في بلادنا أعراف وتقاليد بناءً على الأطر القانونية الموجودة؟”.

ومضت قائلة: “الأمر لا يخرج عن معيقات التنمية في بلادنا، والتنمية السياسية جزء لا يتجزأ منها”، مبرزة أن الإشكال لا يكمن في إحداث المؤسسات بقدر ما يكمن في ضمان اشتغالها بما يحقق الانتقال إلى تنمية حقيقية، تجعل القوى السياسية “قادرة على التكيف والاستجابة للحاجات المجتمعية المتغيرة والمتطورة بشكل كبير؛ فعندما تكون الوقائع متغيرة والبُنى متكلّسة، نكون أمام اختلالات جدية”.

وأشارت في هذا السياق إلى اختيار المغرب النأي عن نظام الحزب الوحيد، وإقراره الانتخابات آليةً للخيار الديمقراطي الذي جعله، بمقتضى دستور 2011، رابع الثوابت الوطنية، “لكن بلادنا التي اختارت التعددية الحزبية منذ استقلالها، وأطّرت الحقل الحزبي بقوانين، لم تستطع تطوير خيارها السياسي الكبير هذا إلى حقل حزبي قادر على الوفاء بمهامه”.

وتابعت الزخنيني شارحة: “على العكس، أثمرت التجربة المغربية عملية إضعاف للأحزاب السياسية، من خلال إفراغ المؤسسة من مضمونها، وسلبها أدوارها الحقيقية، وعلى رأسها دور التنشئة السياسية”، بالإضافة إلى أن “تآكل أدوار الأحزاب أدّى إلى تآكل هذه المهمة بالذات، لتُطرح إشكالية التأطير السياسي، وبالتالي إشكالية مسار التنخيب السياسي، الذي يشكّل محفزا للمشاركة السياسية والرفع من جودتها”.

ويكمن الإشكال الثاني، وفق النائبة عينها، في “التضارب القائم بين مبدأ الحرية وقرينة البراءة المنصوص عليهما دستوريا، وواقع مجموعة من الممارسات المقيّدة للارتقاء السياسي داخل المؤسسات، مما جعل المشرّع محشورا في الزاوية ومكبّلة يداه عن منع عدد من الممارسات الضارة بالحقل الحزبي والسياسي، وعلى رأسها تقويض التداول على مناصب المسؤولية، وبروز ظاهرة الشبكات الانتخابية، وكذلك الترحال والاغتناء السياسيَّين، والإحجام عن وضع قانون للإثراء غير المشروع، إضافة إلى محدودية أثر أعمال آليات الرقابة”.

وخلصت المتحدثة إلى أن “كل هذا أفرز فقدانا للثقة في تطور الممارسات والمسارات السياسية، كما تسبب في الاستكانة لفرضيات وجود قوى تهندس توازنات المشهد السياسي”، خاتمة بأن “دليل ذلك أن الآليات التي تُدار بها الحملات الانتخابية اليوم، واختيار المرشحين، وجدولة تواجدهم في المؤسسات المنتخبة، وأثر حضورهم بها، كلها إشكالات عجز القانون عن تأطيرها بما يضمن فعاليتها، ودائما في احترام لمبدأ الحرية”.

أيّ تأهيل للشبيبات؟

أفاد أحمد العبادي، النائب عن فريق التقدم والاشتراكية، بأن “عددا من الفاعلين السياسيين والإعلاميين والأكاديميين يرتكبون خطأ عند الحديث عن عزوف الشباب عن السياسة”، معتبرا ذلك “توظيفا غير دقيق”؛ لأن “ابتعاد عدد كبير من الشباب المغربي عن المشاركة المباشرة في الأحزاب والانتخابات والشأن العام لا يعني أنهم غير مهتمين بالقضايا المرتبطة بالشأن العام”.

وذكر العبادي أن “هذا الاهتمام يتجلى بعمق ووضوح في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يبلغ التعبير لدى الشباب مستويات قوية وواعية، كما هو الحال لدى الجيل (Z)، وطلبة كليات الطب والصيدلة، وبعض الفئات المهنية التي خاضت أشكالا احتجاجية في فترات سابقة”، مسجلا أن “التحدي اليوم يتمثل في مدى نجاح الأحزاب والحكومة والبرلمان والفاعلين المؤسساتيين في تقديم عرض سياسي جذاب”.

وشدد النائب في كلمته باسم فريق التقدم والاشتراكية على أن “الإقناع بجدوى العمل السياسي يستند أساسا إلى مطابقة الأقوال للأفعال”، مما يضمن “إعطاء صورة إيجابية عن ممارسة السياسة النزيهة والسليمة، عوض الصورة النمطية السائدة عن الفاعل السياسي باعتباره مرتشيا أو مفسدا أو صاحب مصالح ضيقة”.

وشرح أن “الإطار الدستوري والقانوني المغربي يتضمن رصيدا مهما من حيث ترسيخ الحقوق الشبابية في المشاركة المجتمعية، ومن حيث إلزام السلطات العمومية بتوفير الشروط لممارسة الشباب لحقوقهم، سواء على مستوى التشريعات أو البناء المؤسساتي أو مكانة المجتمع المدني، ومؤخرا من خلال تشجيع الشباب على الترشح في الانتخابات عبر آليات الدعم المالي، ولو بشروط”.

هذه “البيئة المبدئية” اعتبرها النائب اليساري “مهمة جدا”، مسجلا أنها “نتيجة عقود من النضال وتطور التجربة المغربية المتفردة”، وقال: “مع ذلك، تظل هذه المكتسبات غير كافية إذا لم تُدعّم بالممارسة الفعلية، وبمصداقية النخب، وبالتمكين الحقيقي للشباب من حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ لأن أخطر ما يفقد الشباب الثقة في الحياة السياسية والمؤسساتية هو الفجوة بين الحقوق المكتوبة والخطاب من جهة، والحقوق الفعلية على أرض الواقع من جهة أخرى”.

واعتبر المتحدث ذاته أن “الشباب اليوم لم يعد يكتفي بالخطاب، أو بالمشاركة عبر التصويت فقط، أو عبر الاستخدام السلبي من خلال الأدوار الثانوية خلال الحملات الانتخابية، بل إن شباب اليوم يريد أن يكون مشاركا حقيقيا في صناعة مغرب اليوم والغد، وفي اتخاذ القرار، من خلال الحضور الفعلي داخل المؤسسات المنتخبة”، موردا أن “الموضوع بقدر ما يطرح تحديات على الأحزاب، فإنه يطرح أيضا تحديات على الشباب أنفسهم؛ إذ يتعين عليهم الانخراط في العمل السياسي بثقة وقوة، واكتساب الخبرات الضرورية، وبناء حضور مجتمعي واسع؛ لأن المكانة لا تُمنح بل تُنتزع”.

وأشار العبادي كذلك إلى تجربة “الكوطا” الشبابية في عضوية مجلس النواب، أي اللوائح الوطنية للشباب، مبرزا أنها “تحتاج إلى تقييم حقيقي وعلمي وموضوعي، لأننا تخلينا عنها دون تقييم كافٍ؛ وتتباين اليوم الآراء بين من يعتبرها مجرد ريع سياسي وحزبي، ومن يرى أنها ساهمت إيجابيا في أداء المؤسسة التشريعية خلال فترات معينة”.

وانتقد المتحدث الأحزاب التي تدعي تأهيل ممارسات الشباب، موردا أن “السؤال المطروح هو: أيّ شباب نقصد؟ هل هم الشباب الذين يصفقون ويزكون ويؤيدون من أجل الوصول إلى مواقع المسؤولية أم الشباب الذين يعبرون عن آرائهم بحرية ويعارضون القيادة أحيانا وينتقدون ويحتجون؟”، مضيفا أن “الشباب الحقيقي هو الذي يمتلك روح النقد والمبادرة، وليس الذي يكتفي بالمسايرة وترديد أن كل شيء على ما يرام”.

The post انتقادات يسارية تنبه إلى "التملق والمحسوبية" في التنظيمات الشبابية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress