اليوم العالمي للدراجة يعيد النقاش حول النقل المستدام في حواضر المغرب

يكتسي التخطيط الحضري المستدام أهمية بالغة في مواجهة التحديات البيئية والمناخية المتزايدة التي تشهدها الحواضر المغربية، وهي أهمية يتجدد التفكير فيها والتذكير بها في اليوم العالمي للدراجة الهوائية الذي أقرّته الأمم المتحدة في ثالث يونيو من كل عام، مسلطة الضوء على وسيلة نقل مستدامة كوسيلة بسيطة، ميسورة التكلفة، نظيفة وصديقة للبيئة.

في هذا السياق، أجمع فاعلون أكاديميون وبيئيون مغاربة، تحدثت إليهم هسبريس، على أن اعتماد الدراجة الهوائية كبديل حقيقي للنقل التقليدي لم يعد مجرد خيار ترفيهي أو ثانوي، وإنما أضحى ضرورة حتمية لتقليص الانبعاثات وتحسين جودة الحياة الحضرية، وهو ما يتطلب ثورة هيكلية في البنيات التحتية وتغييرا جذريا في ثقافة التنقل اليومي.

ارتقاء بالمعيش الحضري

أكد سعيد لعربية، أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن طفيل باحث في البيئة والتخطيط والتنمية المستدامة، أن المدن المغربية “تعيش اليوم تحت وطأة ضغوط بيئية ومناخية متزايدة، مما يفرض على مدبري الشأن المحلي البحث عن حلول عملية ومستدامة”.

وفي هذا الصدد، تبرز، بحسب لعربية في تصريح لجريدة هسبريس، الدراجة الهوائية “كآلية ناجعة وقابلة للتطبيق الفوري لفك العزلة المرورية وتقليص مستويات التلوث والازدحام، مساهمة بشكل مباشر في الارتقاء بالإطار المعيشي العام لساكني الحواضر وتجويد البيئة الحضرية إجمالا”.

وأكد الباحث أن “الجدوى من النقل الفردي النظيف تتجاوز الكلفة الاقتصادية المنخفضة للمواطنين؛ فالتنقل بالدراجة يمثل رافعة حقيقية لترشيد استهلاك الطاقة وتخفيف العبء الطاقي، إلى جانب دورها المحوري في تشجيع أنماط عيش صحية ونشطة”.

وتبرز هذه الأهمية بشكل خاص داخل المدن التي تعاني من توسع عمراني متسارع و”تضخم مطّرد” في حظيرة المركبات وسيارات النقل.

وربط لعربية نجاح هذا الانتقال بالحركية المستدامة بـ”مدى توفر بنيات تحتية تحمي مستعملي الدراجات”؛ إذ شدد على “ضرورة خلق مسارات معزولة وخاصة، وإدماجها الذكي في مشاريع التهيئة الحضرية ومخططات النقل العمومي”، وذكر أن هذا الطرح “منسجمٌ تماما مع قرارات الأمم المتحدة التي دعت إلى مأسسة ركوب الدراجات لضمان ولوج عادل وآمن لجميع الفئات الاجتماعية إلى الخدمات والفرص الاقتصادية”.

وخلص الباحث عينه، من منظور تخطيطي، إلى أن مستقبل المدن المغربية “يفرض التخلي عن منطق هيمنة السيارة لصالح منظومة حركية متعددة الوسائط تكون فيها الدراجة مكونا بنيويا في تصميم المدينة الذكية، ويعتبر أن إدماج هذه الممرات في وثائق التعمير استثمارا استراتيجيا في الصحة العامة والعدالة المجالية، وليس ترفا عمرانيا، لتعزيز مرونة المدن ضد التغيرات المناخية”.

منافع بيئية وصحية واقتصادية

من جانبه، أوضح الفاعل البيئي أيوب كرير، بصفته أيضا باحثا في المناخ والتنمية المستدامة ورئيس جمعية “أوكسيجين للبيئة والصحة”، أن اليوم العالمي للدراجة الهوائية (3 يونيو) يعد محطة أممية لتسليط الضوء على كفاءة هذه الوسيلة بيئيا وصحيا واقتصاديا؛ فالمنظمات الدولية توصي بالدراجة كأداة محورية لتأسيس مدن مستدامة قادرة على الصمود أمام أزمات التلوث الخانقة، والازدحام الذي يشل حركة السير، والتقلبات المناخية الحادة التي باتت تهدد المنظومات الحضرية المعاصرة.

وبإسقاط هذا الواقع على الحواضر المغربية، نبه كرير، في حديثه عن الموضوع مع جريدة هسبريس، إلى أن “وتيرة النمو الرأسمالي والحضري المتسارع أدت إلى انفجار في أعداد السيارات، وارتفاع مقلق في الانبعاثات الغازية السامة، لا سيما في مدن كبرى مثل القنيطرة، وطنجة، والدار البيضاء، والمحمدية”.

وانتقد المتحدث “غياب الاستثمار الحقيقي والملموس في البنيات التحتية الطرقية المخصصة للدراجات بالمدن المغربية مقارنة بالتجارب الدولية الرائدة”.

كما فصّل رئيس جمعية “أوكسيجين” في المنافع البيئية والصحية للدراجة، مبرزا قدرتها على خفض الغازات الدفيئة والضوضاء واستهلاك الوقود الأحفوري. وصحيا، تسهم الدراجة في الوقاية من أمراض القلب، والسكري، والسمنة، والسرطانات، مع تحسين الصحة النفسية وخفض مستويات التوتر والقلق، مما ينسجم مع معايير منظمة الصحة العالمية التي تعتبر النقل النشط والمشي استثمارا مباشرا في صحة المجتمعات.

واقترح كرير حزمة من الحلول العملياتية تبدأ بـ”إعادة صياغة نموذج النقل الحضري وتجاوز معضلة اختلاط المسارات الطرقية التي تتسبب في حوادث مميتة”، مستدلا بحالة مدينة القنيطرة التي تشهد حاليا “تهيئة طرقية واسعة دون إدراج ممرات للدراجات”، داعيا إلى “ربط الأحياء بالمدارس والإدارات، وتشجيع الدراجات الكهربائية والمشتركة، وإطلاق حملات وعي مستمرة لبناء مدن صديقة للمواطن تضع العنصر البشري في صلب السياسات الحضرية”.

The post اليوم العالمي للدراجة يعيد النقاش حول النقل المستدام في حواضر المغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress